المغرب يدعو إلى السلام… والجزائر تختار السجال

Mohd6-tebboune

ميلود رقيق (فاعل سياسي، مهتم بشؤون الدبلوماسية الاستباقية)

في الفضاء المغاربي، تبرز اليوم مقاربتان متميزتان : مقاربةٌ يقودها المغرب، بتوجيهات جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تُراكم مساحات الثقة وتستثمر في التعاون الإقليمي و الدولي؛ وأخرى تميل فيها الجزائر الرسمية إلى خطابٍ سجالي يُبقي بوصلـة المنطقة معلّقةً بين فرص التكامل و الوحدة واستحقاقات التوتر و الخلافات.

رؤية ملكية راسخة للسِّلم وحُسن الجوار

منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، اختار المغرب نهج دبلوماسيةٍ حكيمة واستباقية، قوامها الحوار والاحترام المتبادل وتغليب المصالح المشتركة ،وقد جاءت إشارات الرباط إلى الجزائر واضحة ومتكررة في مناسبات عديدة : بابٌ مفتوح لتطبيع العلاقات وإطلاق صفحة جديدة، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن اندماج المغرب العربي ليس ترفًا سياسيًا بل ضرورة تنموية وأمنية لشعوب المنطقة.

مقاربة جزائرية تُغلِّب السجال على الانفراج

على الرغم من رسائل الانفتاح المغربية، ظلّ الخطاب الرسمي الجزائري في غير مرة أقرب إلى التصعيد منه إلى البناء؛ وهو ما يبدّد فرص المبادرات البنّاءة ويؤجِّل مشاريع التقارب، وتبقى من أبرز تجليات ذلك استمرار الرهان على كيانٍ غير ذي صفة دولية، بما يطيل أمد نزاعٍ مفتعل ويصرف الأنظار عن أولوياتٍ تنموية مُلحّة، في بيئة لا يستفيد من توتيرها سوى شبكات التطرف و الارهاب والجريمة العابرة للحدود.

المغرب: شرعيةٌ مؤسسية ورأسمال ثقة

في المقابل، يثبت المغرب حضوره كقوة هادئة وفاعلة، يستند إلى شرعيةٍ تاريخية وقانونية في أقاليمه الجنوبية، ويقترح مبادرة الحكم الذاتي كحلٍّ واقعي وإنساني يصون كرامة أبناء الصحراء المغربية ضمن وطنهم الواحد.

هذه المبادرة حظيت في أدبيات الأمم المتحدة بتوصيف «الجدّية وذات المصداقية»، بما يعكس رؤيةً ملكية متبصّرة تُغلّب إنهاء النزاعات المفتعلة وتفتح المجال لتعاونٍ مغاربي وإفريقي أرحب و أوسع .

دبلوماسية البناء أم سياسات التعطيل؟

الفارق بات جليًّا أمام المتابعين: الرباط تستثمر في المستقبل وتوسّع قاعدة الشراكات، فيما يَحكُم المنهج المقابل تصوّرٌ قديم يعيد إنتاج سرديات الاستقطاب على حساب منطق العصر.

لقد تراجعت جدوى صناعة «الخصم الوهمي» في عالمٍ يثمّن حلولًا واقعية تُحفظ بها السيادة وتُصان بها المصالح المشتركة، ويُقاس فيها النفوذ بقدرة الدول على جمع الكلمة لا على تعطيلها.

نداء إلى المجتمع الدولي… ورسالة ودّ إلى الجزائر

يؤكد المغرب التزامه المستمر بسياسة اليد الممدودة، ويثمّن كل مبادرة صادقة تُعيد إطلاق قنوات الحوار مع الجزائر على قاعدة الاحترام المتبادل وحسن الجوار، وفي الآن نفسه، يظلّ الدفاع عن السيادة والوحدة الترابية من ثوابت المملكة التي لا تقبل مساومة ولا تأجيلًا و لا تهاونا.

 إن طريق الحكمة مفتوح، والباب إلى تعاونٍ متوازن سيبقى مشرعًا لمن أراد أن يلِجَهُ بإرادةٍ مسؤولة ورؤيةٍ نافعة لشعوبنا. التاريخ لا ينحاز إلا لمن يبني ويُحسِن التدبير، والمغرب، وهو يثبّت خيار السلام، يراهن على مستقبلٍ تُقاس فيه الزعامة بقدرة الدول على صناعة الفرص، لا على صناعة الأزمات و التفرقة.

ميلود رقيق

حول الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *