مغرب ما بعد 31 أكتوبر.. الآثار العميقة لقرار مجلس الأمن حول مغربية الصحراء

عبارة بليغة تلخص كامل المشهد الذي نعيشه، وردت على لسان العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطابه المباشر بعد تصويت مجلس الامن الدولي على القرار 2797، الذي اعتمد “الحكم الذاتي” سقفا سياسيا لحل مشكلة النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء. يقول جلالة الملك : “إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما، في تاريخ المغرب الحديث. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده”! وانطلاقا من هذه العبارة، سنحاول بما وسعنا من اختصار، أن نستكشف التغيرات العميقة التي سيشهدها ملف مغربية الصحراء، أمميا على الأقل، في أعقاب القرار التاريخي، ونعرض أبرزها.
على مدى نصف قرن، عانى المغرب من تبعات التكييف القانوني للملف، كقضية موجودة داخل اللجنة الرابعة المختصة بتصفية الاستعمار، حيث لطالما اعتبرها النظام الجزائري ومرتزقته مدخلا لوسم المغرب “بالقوة المستعمرة” لإقليم “غير متمتع بالحكم الذاتي”، بما يمنح سكانه الحق في تقرير مصيرهم، عبر “استفتاء” تشرف عليه الأمم المتحدة، يمكن أن يقود إلى انفصالهم عن المغرب، متجاهلين عن قصد أن المغرب نفسه هو من وضع الملف في اللجنة الرابعة، قصد تصفية الاستعمار الإسباني للإقليم، وهو ما تحقق. صحيح أن الاستفتاء المذكور قد اختفى من أجندة مجلس الأمن، أعلى هيئة في المنظمة الدولية، منذ أزيد من عشرين عاما، بعدما تبين للجميع استحالة تنظيمه، إلا أن وجود الملف في اللجنة الرابعة كان يمنح خصوم المغرب الفرصة لاتخاذ الاستفتاء مطية لإدامة النزاع، بما يضمن انشغال المغرب به وتعطيل انطلاقته الحقيقية! اليوم، وقد اختار المنتظم الأممي بأغلبية 11 صوتا دون معارضة (مع امتناع 3 دول عن التصويت) وتهرب الجزائر من عيش اللحظة، المقاربة السياسية للملف على حساب المقاربة القانونية، فما هي أهم التغيرات التي تستتبع الموقف الجديد؟
أولا: الحكم الذاتي في مقابل الاستفتاء: إن دعوة أطراف النزاع إلى العودة لطاولة المفاوضات دون شروط مسبقة على أساس مقترح الحكم الذاتي، تنقل هذا المقترح من مرتبة “مقترح جاد وذي مصداقية” إلى “إطار مرجعي وإلزامي للمفاوضات”، ويدفن بشكل نهائي لا رجعة فيه خيار الاستفتاء، من الناحية القانونية وليس فقط السياسية، الأمر الذي يؤدي عمليا إلى إلغاء خطة التسوية لعام 1991، ويحول النقاش الأممي من “هل يكون هناك استفتاء أم حكم ذاتي” إلى “كيف يمكن تنفيذ مقترح الحكم الذاتي؟” الأمر الذي يحول أي مطلب للجزائر والبوليساريو خارج إطار الحكم الذاتي إلى “شرط مسبق” باطل بموجب قرار مجلس الامن.
ثانيا: إعادة تعريف مبدأ تقرير المصير: وهنا ستنعكس المقاربة السياسية على القانونية، حيث أن إقرار مجلس الأمن بأن “الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر جدوى” التي تضمن تقرير مصير سكان الأقاليم الصحراوية، يغير تماما الوضع القانوني للنزاع، وينهي الجدل حول ما إذا كان حق تقرير المصير يعني الاستقلال بالضرورة، كما حاولت الجزائر ومرتزقتها الترويج خلال نصف قرن. والجدوى بلغة مجلس الأمن، تعني الاستقرار الإقليمي والواقعية وإمكانية التطبيق، والتي يقف خيار الاستفتاء المتضمن للاستقلال على طرف نقيض لكل ما سبق.
ثالثا: تقويض تمثيلية البوليساريو: النص على الترحيب بأي “اقتراحات بناءة من الطرفين تستجيب لمقترح الحكم الذاتي” سيحول بشكل تلقائي الدور السياسي للبوليساريو من “حركة تسعى للاستقلال” إلى “فريق تفاوض يناقش تفاصيل مقترح الحكم الذاتي”، مع ما يستتبع ذلك من تأثيرات مستقبلية على خرافة “الجمهورية” العضو في الاتحاد الأفريقي. وفي حال رفضت البوليساريو الدور الجديد الذي رسمه لها قرار مجلس الأمن، بتوجيهات من سادتهم في المرادية، سيجعلهما معا أمام خطر الإدانة كأطراف تعرقل عملية السلام المعتمدة أمميا.
رابعا: إلغاء أو تغيير مهمة المينورسو: إن طلب القرار من الأمين العام لتقديم “مراجعة استراتيجية بشأن ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) المستقبلية، مع مراعاة نتائج المفاوضات”، لا يعني سوى أن المهمة التي وجدت من أجلها قد عفا عليها الزمن (تنظيم الاستفتاء)، ويجب أن تتكيف مع الواقع الجديد، المتمثل في مراقبة تطبيق الحكم الذاتي (إذا نجحت المفاوضات)، أو تقليصها إلى بعثة مراقبة لوقف إطلاق النار، أو حتى إلغائها كليا. وفي الحالات الثلاث، التي يجب على الأمين العام أن يقدم توصية بأحدها خلال ستة أشهر، يعتبر المغرب منتصرا بشكل لا يقبل الجدل.
هكذا، يتضح التأثير السياسي والقانوني المزلزل للقرار 2797 على مجمل النزاع، بما يجعله أهم محطة في عمر الملف الذي تجاوز نصف القرن داخل أروقة الأمم المتحدة. فلن يعود مقبولا بعد الآن، لا داخل اللجنة الرابعة أو الجمعية العامة الاحتجاج بكونه نزاعا مفتوحا حول إقليم غير محدد التبعية، وبالتالي فهو مفتوح على خيارات الانفصال أو الاندماج، بل سيصبح منذ الغد نزاعا محكوما بإطار مرجعي لتقرير مصير ساكنته هو الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية. أما مصطلح حقيقي، فلا يجب أن يستوقف الناس كثيرا، لأن الأدبيات الأممية والتجارب الدولية والمنظومة القانونية عالميا تحفل بعشرات النماذج والممارسات لهذا الحق، والمغرب بلد يعج بالكفاءات القانونية والسياسية والإدارية، والنخب الصحراوية المثقفة التي تستطيع التوافق بشكل سلس على إطار يحظى بمصادقة الأمم المتحدة؛ بكلام آخر، لن يكون المغرب بصدد إعادة اختراع العجلة!
ختاما، فهذه مجرد عينة أولية لما يعنيه كلام جلالة الملك حول مغرب ما بعد 31 أكتوبر، لأن التغييرات لن تقف عند هذه الحدود السياسية والقانونية، بل سيترتب عليها التعجيل بطرد “جمهورية تندوف” من أروقة الاتحاد الأفريقي؛ وتقديم المغرب لطلب للجمعية العامة لسحب الملف -بعد إقفاله- من اللجنة الرابعة، بعد توصية ستكون تحصيل حاصل داخل هذه اللجنة، وهو يمتلك منذ الآن الأغلبية التي تؤهله لتحقيق ذلك، هذا ناهيك عن التأثير المحتمل لتنزيل مقترح الحكم الذاتي داخل الأقاليم الجنوبية على تسريع عملية تفعيل “الجهوية الموسعة” في باقي أقاليم المملكة، حتى يحصل الانسجام بين مختلف الأقاليم، ولا تشكل الأقاليم الجنوبية حالة استثنائية. ولنا عودة إلى مختلف هذه التأثيرات في قراءات لاحقة بإذن الله.