أمريكا وفنزويلا: صراع النفوذ والنفط والديمقراطية المؤجلة

شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا واحدةً من أكثر مراحلها توتراً منذ نهاية الحرب الباردة. فبينما كانت واشنطن ترى في كاراكاس حليفاً طبيعياً في نصفها الغربي خلال عقود مضت، تحولت العلاقة تدريجياً إلى مواجهة مفتوحة تُدار بأدوات متعددة: العقوبات الاقتصادية، والحصار الدبلوماسي، والحروب الإعلامية، وصولاً إلى محاولات التغيير السياسي من الداخل.
لقد تحوّلت فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، إلى ساحة اختبار للسياسات الأمريكية في القارة اللاتينية، تمامًا كما كانت كوبا في ستينيات القرن الماضي. ومع كل أزمة جديدة، يتجدد السؤال: هل تسعى الولايات المتحدة فعلاً إلى نشر الديمقراطية، أم إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وموقعها المهيمن في «الحديقة الخلفية» لأميركا الشمالية؟
أولاً: جذور التوتر… من الثورة البوليفارية إلى المواجهة المفتوحة
يعود أصل الصراع إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين صعد الرئيس الراحل هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999 حاملاً مشروع «الثورة البوليفارية» المستند إلى أفكار العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، في مواجهة ما اعتبره «الهيمنة النيوليبرالية الأمريكية».

اعتمد تشافيز سياسة تأميم قطاع النفط الذي كان تحت هيمنة الشركات الأجنبية، ووجّه عائداته إلى تمويل برامج اجتماعية موسعة للفقراء، ما أكسبه شعبية واسعة داخل البلاد، لكنه في المقابل أثار قلق واشنطن التي رأت في سياساته تهديدًا لنظامها الاقتصادي الإقليمي القائم على السوق الحرة.
لم يكن الخلاف اقتصادياً فقط؛ بل أيديولوجياً وجيوسياسياً. فقد تبنّى تشافيز خطابًا مناهضًا للسياسات الأمريكية في العالم، ودعم حكومات يسارية في أمريكا اللاتينية مثل كوبا وبوليفيا ونيكاراغوا. كما عمل على تعزيز منظمة «أوبك» وتوسيع التعاون مع روسيا والصين، ما أثار استياءً متزايدًا في واشنطن التي رأت في تلك التحالفات تحديًا مباشرًا لنفوذها التقليدي في المنطقة.
ومع مرور السنوات، تزايدت المواجهة. ففي عام 2002 دعمت إدارة بوش الابن انقلابًا فاشلًا ضد تشافيز، في سابقةٍ أعادت للأذهان التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة. ومنذ ذلك الحين، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة من العداء الاستراتيجي المستمر.
ثانيًا: إرث تشافيز وأزمة مادورو
بعد وفاة تشافيز عام 2013، تولّى نيكولاس مادورو الحكم محاولًا الحفاظ على النهج ذاته، لكن دون الكاريزما التي تمتّع بها سلفه. ومع انهيار أسعار النفط وتراجع الإنتاج، دخلت فنزويلا في أزمة اقتصادية حادة. تصاعد التضخم إلى مستويات قياسية تجاوزت مليون بالمئة، وانهارت العملة الوطنية، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق.
استغلّت الولايات المتحدة هذه الأزمة لتكثيف ضغوطها، متهمةً حكومة مادورو بالفساد وسوء الإدارة وانتهاك حقوق الإنسان. وفي عام 2018، عندما أعيد انتخاب مادورو في انتخابات شابتها اتهامات بالتزوير، رفضت واشنطن ومعها عواصم غربية الاعتراف بشرعيته. وفي يناير 2019، اعترفت بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا، محاولةً خلق انقسام داخل المؤسسة العسكرية ودفع البلاد نحو انتقال سياسي يطيح بالنظام القائم.
لكن حسابات واشنطن لم تصب بدقة. فقد صمد مادورو بفضل الدعم الحاسم من الجيش والأجهزة الأمنية، ووقوف حلفاء دوليين أقوياء إلى جانبه، خاصة روسيا التي أمدته بالخبراء والمعدات، والصين التي وفرت له خطوط تمويل حيوية، وإيران التي ساعدته على كسر بعض العقوبات النفطية.
ثالثًا: العقوبات كأداة استراتيجية
تُعدّ العقوبات الاقتصادية الركيزة الأبرز في السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا. فمنذ 2017، فرضت واشنطن عقوبات شاملة طالت صادرات النفط، وعزلت البلاد عن النظام المالي العالمي، وجمّدت أصولها الخارجية. هذه العقوبات كانت تُسوَّق في الخطاب الرسمي باعتبارها «وسيلة لإعادة الديمقراطية»، لكنها في الواقع تحولت إلى أداة ضغط لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في القارة.
وقد أثبتت التجربة أن العقوبات لم تُسقط النظام، بل زادت الشعب معاناة. فالإنتاج النفطي تراجع من ثلاثة ملايين برميل يوميًا إلى أقل من سبعمئة ألف، فيما هاجر أكثر من سبعة ملايين فنزويلي بحثًا عن حياة كريمة، ما أدى إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة.
ومع ذلك، حافظت فنزويلا على قدرتها على الصمود النسبي بفضل شبكة تحالفاتها الدولية، إذ لجأت إلى بيع النفط بطرق غير رسمية، وتبادل السلع مع روسيا والصين وإيران، ووسّعت دائرة تعاملاتها بالعملات المحلية أو بعملة «اليوان» لتفادي النظام المالي الأمريكي.
رابعًا: ما وراء شعارات الديمقراطية

من السهل أن تُقدَّم الأزمة الفنزويلية بوصفها صراعًا بين ديمقراطية وديكتاتورية، لكن القراءة العميقة تكشف أن الدوافع الأمريكية أبعد من القيم الليبرالية المعلنة. ففنزويلا ليست فقط دولة نفطية كبرى، بل تشكّل عقدة جيوسياسية على مفترق طرق التجارة والممرات البحرية في الكاريبي وأمريكا الجنوبية.
تسعى واشنطن إلى منع تشكّل محور مناوئ لها في المنطقة، خصوصًا بعد تزايد النفوذ الروسي والصيني في مجالات الطاقة والاتصالات والبنى التحتية. ومن منظور استراتيجي، تمثل كاراكاس نقطة ارتكاز في معركة النفوذ بين الشرق والغرب، إذ ترى الولايات المتحدة أن سقوط فنزويلا في فلك موسكو وبكين يعني تآكل هيمنتها التاريخية على القارة اللاتينية.
من ناحية أخرى، فإن التجربة الفنزويلية تشكل تحديًا رمزيًا للنظام الرأسمالي الغربي، إذ ما تزال تدافع عن نموذج اقتصادي بديل يقوم على تدخل الدولة وتوزيع الثروة. لذلك، فإن إضعافها يحمل بعدًا أيديولوجيًا بقدر ما يحمل بعدًا جيوسياسيًا.
خامسًا: حسابات الداخل الأمريكي
لم تكن سياسات واشنطن تجاه فنزويلا بمنأى عن الاعتبارات الداخلية الأمريكية. فخلال إدارة دونالد ترامب، كان ملف كاراكاس ورقة سياسية لجذب أصوات الجاليات اللاتينية المعارضة للأنظمة اليسارية، خصوصًا في ولاية فلوريدا الحاسمة انتخابيًا.
ومع وصول الرئيس جو بايدن إلى السلطة، بدا أن البيت الأبيض يميل إلى نهج أكثر براغماتية. فاندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وتراجع الإمدادات النفطية الروسية، دفع واشنطن إلى إعادة النظر في موقفها من فنزويلا. وفي عام 2023، سمحت الإدارة الأمريكية باستئناف محدود لتصدير النفط الفنزويلي مقابل التزامات حكومية بإجراء انتخابات أكثر شفافية.
غير أن هذه الانفراجة لم تغير جوهر الموقف الأمريكي، إذ ما تزال واشنطن ترى في فنزويلا ملفًا قابلًا للتوظيف السياسي، أكثر منه موضوعًا لحل جذري أو شراكة متكافئة.
سادسًا: تداعيات الأزمة على الداخل الفنزويلي
أدت سنوات الحصار والعقوبات إلى تفكك البنية الاقتصادية والاجتماعية في فنزويلا. فمستويات الفقر تجاوزت 80%، وتدهورت الخدمات العامة، وانهار القطاع الصحي. كما برزت ظواهر موازية مثل السوق السوداء وتهريب الذهب والنفط، وتزايد اعتماد الدولة على التحويلات المالية من المهاجرين.
ورغم محاولة الحكومة تبني إصلاحات محدودة وتخفيف القيود على الاستثمارات الأجنبية، فإن غياب الثقة في البيئة السياسية والقضائية يعرقل أي تعافٍ حقيقي. في المقابل، تحاول المعارضة، رغم انقساماتها، استثمار الانفراج النسبي لاستعادة زخمها الشعبي وتنظيم صفوفها استعدادًا لأي انتخابات قادمة.
سابعًا: فنزويلا في ميزان الجغرافيا السياسية الجديدة
في المشهد الدولي الراهن، لم تعد فنزويلا مجرد قضية إقليمية. فمع تصاعد الاستقطاب العالمي بين الغرب وروسيا والصين، أصبحت كاراكاس ورقة تفاوض ضمن صراعات الطاقة والنفوذ. وقد استفادت الحكومة الفنزويلية من هذا التوازن الجديد لتعزيز موقعها، إذ باتت أحد رموز “العالم المتعدد الأقطاب” الذي ينافس الهيمنة الأمريكية.
كما أن صعود موجة اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية – من المكسيك إلى البرازيل وتشيلي – وفر بيئة سياسية أكثر تعاطفًا مع كاراكاس، وأعاد التذكير بأن مشروع الاستقلال اللاتيني لم يُدفن بعد، رغم كل الضغوط.
في الختام: ما بين الهيمنة والمقاومة
تُختصر الأزمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا في صراع على تعريف الشرعية والمصالح. فواشنطن تسعى إلى فرض نموذجها الليبرالي وحماية نفوذها الاستراتيجي، بينما تتمسك كاراكاس بحقها في رسم مسارها السياسي والاقتصادي المستقل، ولو كلفها ذلك عزلة دولية وأزمة معيشية خانقة.
لكن المؤكد أن هذه الأزمة كشفت حدود القوة الأمريكية في فرض إرادتها، كما أبرزت قدرة الأنظمة غير المنخرطة في المنظومة الغربية على الصمود عبر تحالفات جديدة. وفي الوقت نفسه، أثبتت أن الشعارات الكبرى مثل «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» تبقى رهينة حسابات المصالح، وأن النفط لا يزال، كما كان دائمًا، عنوان السياسة ومحرّك التاريخ في القارة اللاتينية.