“الاستقلال”.. هو “أم المعارك” بالنسبة لجميع الممالك التي حكمت المغرب!

Alaoui kings

على غرار باقي دول العالم، يحتفل المغرب كل عام بتاريخ 18 نوفمبر، بذكرى استقلاله عن فرنسا وإسبانيا اللتان كانتا تحتلان شماله ووسطه لأزيد من أربعة عقود. ذكرى أصبحت “روتينا” بالنسبة لسكان معظم دول العالم، يعتبرون أن أهم مكاسبها هو نيل يوم عطلة مدفوع الأجر! لكن هذا الأمر لا ينطبق على قلة من الدول الباقية ومن ضمنها المغرب، سواء لأسباب تاريخية أو سياسية أو وجدانية أو غيرها. وبالتعمق في الحالة المغربية، نجد أن “معركة نيل الاستقلال” كانت، وما زالت، وستبقى، بمثابة “أم المعارك” المغربية، ليس للملك الثالث والعشرين من الأسرة العلوية الشريفة (الملك محمد السادس)، التي تحكم بشكل مستمر دون انقطاع منذ أزيد من ثلاثة قرون ونصف (منذ 1666)، بل إنها كذلك منذ عرف المغرب أول سلالاته التي حكمت المغرب موحدا تحت راية واحدة: الأدارسة (788-974). صحيح أن معارك التحرير، التنمية، التقدم، وغيرها من المعارك لا تقل أهمية، لكنها في الحالة المغربية تحديدا تبدو معارك فرعية أساسية تخدم المعركة الأم: “نيل الاستقلال تجاه الخصوم أيا كان جنسهم أو ملتهم”! ولعل أبرز دليل على ما نقول هي الحقيقة الفريدة التي تكاد المملكة المغربية الشريفة أن تكون استثناء وحيدا فيها على وجه الكرة الأرضية، والتي تقول بأن المغرب هو أقدم مملكة مستقلة تحكمها سلالات وطنية متعاقبة دون انقطاع أو احتلال، منذ أزيد من 12 قرنا. وحتى خلال فترة الحماية، فلم تغامر فرنسا بتطبيق احتلال كلاسيكي كما فعلت في الجزائر وتونس وباقي مستعمراتها، بل اختارت لفظ “حماية” ولم تستطع إلغاء رمزية وحضور السلطان محمد الخامس، بل إنها إثر نفيه قامت “بتعيين” سلطان بديل”، الأمر الذي يجعلنا نقول بحالة “الاستقلال المغربي الذي لم ينقطع خلال 12 قرنا” وشكل استثنائا عالميا!!!

هذه الحالة الفريدة، حكمتها ظروف ذاتية وموضوعية جعلتها من المسلمات، بل وجزءا من “جينات” الإنسان المغربي، وهو ما جعل المملكة الشريفة هدفا رئيسيا للقوى الاستعمارية الغربية منذ أواخر القرن الخامس عشر، بل وربما قبلها، بهدف كسر هذه الحالة “الاستقلالية” وإخضاعه كباقي دول العالمين العربي والإسلامي لهيمنة الغرب الاقتصادية والسياسية، لاسيما في أوج قوة الغرب الاستعماري بعد سقوط الأندلس، وتحديدا منذ بداية القرن التاسع عشر. هذا الاستهداف قاد بالمقابل إلى استدامة شعور المغربي، حاكما ومحكوما، بالتحفز الدائم للدفاع عن استقلال بلاده بمعانيه المتعددة، وسهل عملية تجند الشعب بأكمله خلف قيادته التاريخية الشرعية عبر عصوره المختلفة.

هذا التمازج بين الفعل وردة الفعل، بين الأثر والاستجابة، والذي نعيش بعضا من فصوله الحاسمة خلال عهد الملك محمد السادس، يفرض استحضار حقيقة أن معركة المغرب الحالية من أجل استكمال تحرير أراضيه، تأمين وحدته الترابية، كسب معركة النمو والتطور والتحديث الاقتصادي، وصولا إلى تكريس الاعتراف بالمملكة الشريفة كندّ ونظير للدول الغربية (والشرقية) الكبرى، وبالتالي حقه في الاستقلال والسيادة الكاملة غير المنقوصة، هي معركة بدأت أقرب فصولها مع بدايات القرن التاسع عشر، ولم تبدأ مع الحماية الفرنسية والاحتلال الإسباني في العقد الأول من القرن العشرين. بكلام أوضح، فما يخوضه المغرب بقيادة الملك محمد السادس اليوم، هو فصل ممتد من حقبة بدأت مع معركة إيسلي مع الفرنسيين عام 1844، ومعركة تطوان مع الإسبان عام 1855، هذا إن لم نقل أنها بدأت قبل ذلك بكثير، وتحديدا مع سقوط سبتة في يد البرتغاليين عام 1415، ولم تتوقف منذ ذلك الوقت! بهذا المعنى، فنضالات الملك محمد السادس، هي امتداد لحروب الملك الحسن الثاني؛ ومعارك الملك محمد الخامس؛ وجوابا على الإكراهات التي واجهها كلا من الملوك مولاي يوسف ومولاي عبد الحفيظ ومولاي عبد العزيز؛ واسترجاعا للحظات القوة في حكم الملك الحسن الأول؛ وانتقاما في النهاية للملوك مولاي عبد الرحمن صاحب معركة إيسلي، وسيدي محمد الرابع صاحب معركة تطوان!

لقد شكلت الحالة التي مثلتها “الإمبراطورية المغربية” المستقلة عن سلطة الدولة العباسية، والأموية في الأندلس، والفاطمية، والمملوكية، والعثمانية وغيرها من الإمارات التي حكمت جواره المباشر والبعيد، تحديا ليس لهذه الممالك فحسب، بل لجيران الشمال الذي وضع نفسه في موضع المسؤول عن كسر هذه الحالة المستقلة، حتى لا يبقى المغرب استثناء. وعلى الرغم من حالات المد والجزر في علاقة الممالك المغربية مع نظيراتها في باقي الدول العربية، فإنها كانت محكومة بآليات الصراع التي لا تزال بعض مظاهرها مستمرة إلى يوم الناس هذا، بل إن خصومات العرب والمسلمين تفوقت في أحيان كثيرة على واقع الحال عندما يكون خصمك غربيا واضحا يخالفك في الانتماء الحضاري والديني، مما حتم أن تحافظ الممالك المغربية على هذه النزعة الاستقلالية تجاه شركاء الهوية والملة، والذين كان يتداول عليهم الحكم الخارجي بشكل أكثر تكرارا، مما يجعلنا نكرر: ما أشبه اليوم بالبارحة!

وبالعودة إلى وضع المملكة الشريفة الحالي، نستطيع فهم حالة الاحتفاء “بتسليم” القوى العالمية الكبرى -أخيرا- بسيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية، وبضرورة قبول حقيقة انتصار المغرب في محو آثار الاستعمار الإسباني لها. وهنا نفهم الأهمية الرمزية للاعتراف الإسباني تحديدا، والفرنسي تاليا، بشكل أكبر بكثير من باقي الاعترافات الدولية، بما فيها الأمريكي والبريطاني. وتعلم إسبانيا، أن الاعتراف بمغربية الصحراء، يجعل إنهاء احتلال مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية استحقاقا يقع في المدى المنظور، بعد أن تحرر المغرب من ملف صحرائه وأصبح في موقع تفاوضي أقوى.

إن كسب معركة الوحدة الترابية، كفيل بتصليب بنيان المغرب المستقل بطريقة لم يشهدها منذ أزيد من قرن ونصف، بنيان سيزداد صلابة مع توجيه الجهود والموارد إلى معركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ حضوره الإفريقي، والأهم، الاعتراف الغربي وباقي دول العالم المؤثرة بالدور الذي رسمه المغرب لنفسه، والقبول ضمنيا -وبشكل صريح- بتمرده على الأدوار التي رسمت له ولغيره من الدول المنتمية للجغرافيا العربية تحديدا، والإسلامية عامة. معركة ترسيخ وجود يقودها المغرب، يشاركه في ذلك دولتان إسلاميتان، تشاركانه جزءا من ماضيه الإمبراطوري: تركيا وإيران، وإن في سياقات وأدوات مختلفة، الأمر الذي يفسر تباين النتائج التي تحققها الدول الثلاث.

كخلاصة، فحرص المغاربة حكاما ومحكومين، على صيانة استقلالهم بمختلف أوجهه وتجلياته، ينبع من إدراكهم العميق بأن عمق ومدى ومتانة هذا الاستقلال، هو وحده -دون غيره- الذي سيحدد مدى وعمق المكانة التي سيحتلونها عالميا، وستنعكس حتما على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة أجمعين. الأمر الذي يجعلها مهمة مشتركة، يسهم بنصيبه منها كل من يوجد فوق هذه الأرض، أو ينتمي إليها أيا كان مكان إقامته، وهو ما يدعم تفاؤلهم بالمستقبل، ويقوي الثقة بقدرتهم على استرجاع أمجادهم ومكانتهم التي وصلوها بأشكال متفاوتة، خلال أزهى العصور التي مرت بها الممالك السبعة التي تعاقبت على حكم المغرب، وليس هناك ما يمنع من تكرار عصر زاه جديد للملكة الشريفة.

حول الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *