مدينة “ابن جرير” المغربية والمحور الصحي المعرفي الجديد في المغرب

المقدمة: من مدينة للتعدين إلى قطب معرفي مستدام
تُعدّ مدينة ابن جرير (بن ڭرير)، الواقعة في قلب المغرب وعاصمة إقليم الرحامنة، نموذجاً متفرداً لمدن المستقبل التي تبنت مسار التنمية المستدامة القائمة على المعرفة والابتكار. تقليدياً، اشتهرت ابن جرير بكونها مركزاً مهماً لـمناجم الفوسفات، لكنها شهدت تحولاً جذرياً في العقد الأخير من خلال مشاريع ملكية طموحة، أبرزها مشروع المدينة الخضراء، الذي حوّلها من مجرد مدينة إقليمية إلى مركز إشعاع دولي في مجالات التعليم، والبحث، والبيئة، والصحة.
هذا التحول لم يقتصر على الجانب الأكاديمي أو الحضري، بل امتد ليشمل البنية التحتية الاجتماعية الحيوية، وفي مقدمتها القطاع الصحي، عبر إنشاء المدينة الصحية الذكية، التي تضم مرافق متقدمة مثل المستشفى الجامعي الدولي محمد السادس والمركز الدولي لعلاج الأورام.
الجزء الأول: ابن جرير … مدينة الاستدامة والمعرفة
1. الموقع والخصائص الديمغرافية
تقع ابن جرير في المنطقة الوسطى للمغرب، على محور استراتيجي يربط بين مراكش والدار البيضاء، وتبعد عن مراكش بنحو 71 كم. يبلغ عدد سكانها حوالي 88,626 نسمة حسب إحصاء 2014، لكن هذا العدد يشهد نمواً متسارعاً نتيجة الحركة التنموية والتدفق الطلابي والأكاديمي. تُعرف المدينة بمناخ السهوب الجاف والمعدلات المنخفضة لتساقط الأمطار.
2. مشروع “المدينة الخضراء” (Green City)
يمثل مشروع المدينة الخضراء، الذي أُطلق في نونبر 2012، الرؤية المحورية لابن جرير. الهدف الرئيسي هو بناء مدينة نموذجية تجمع بين البعد الإيكولوجي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعتمد على الموارد المتجددة وكفاءة الطاقة. من أبرز معالم هذا المشروع:

جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P): تُعدّ قلب المدينة النابض ومحركها الفكري. هي مؤسسة بحثية وتعليمية عالمية تستقطب الطلاب والباحثين من المغرب وإفريقيا، وتُركز على الابتكار في مجالات الزراعة، والطاقة المتجددة، والصناعة.
ثانوية التميز: مؤسسة تعليمية عليا مخصصة لاستقبال وتكوين التلاميذ المتفوقين، مما يؤكد رسوخ البعد المعرفي في هوية المدينة.

البنية التحتية المستدامة: تشمل الحدائق والمساحات الخضراء ومرافق ترفيهية ورياضية مثل منتزه ولي العهد الأمير مولاي الحسن، مما يرفع من جودة الحياة ويجعل المدينة “واحة خضراء” في محيطها.
الجزء الثاني: المدينة الصحية الذكية والمستشفى الجامعي الدولي
لطالما كان توفير عرض صحي متقدم تحدياً في الأقاليم الداخلية، وقد جاء مشروع المدينة الصحية الذكية بابن جرير ليعالج هذا القصور، مقدماً بنية تحتية طبية بمعايير عالمية.
1. مشروع المدينة الصحية الذكية
هذا المشروع هو امتداد طبيعي للرؤية المستقبلية لـ “المدينة الخضراء”. تم تصميمه ليكون مركزاً للرعاية الطبية والتدريب، مدمجاً أحدث تقنيات الإدارة الذكية وأنظمة المعلومات الصحية الرقمية.
وتعتبر هذه المدينة نقطة جذب للاستثمارات الصحية الخاصة والعامة، وأهم مكوناتها:

2. المستشفى الجامعي الدولي محمد السادس (HUI)
يعد هذا المستشفى مرفقاً طبياً متطوراً يخدم أهداف البحث والتدريب لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات، بالإضافة إلى توفير الرعاية الصحية.
مستويات الرعاية: يقدم المستشفى خدمات متكاملة على مدار الساعة، بما في ذلك خدمات المستعجلات (الطوارئ) والإنعاش.
التخصصات الطبية: يتميز بتنوع تخصصاته التي تغطي الاحتياجات الصحية الأساسية والمتقدمة للإقليم، مثل:
طب التخدير والإنعاش: وحدة متخصصة للتعامل مع الحالات الحرجة.
جراحة العظام والمفاصل: لعلاج أمراض وإصابات الجهاز العضلي الهيكلي للكبار والأطفال.
طب الجهاز الهضمي والكبد: لتقديم التشخيص والعلاج لأمراض الجهاز الهضمي، بما في ذلك تنظير الجهاز الهضمي المتقدم.
طب الأطفال: خدمات شاملة بدءاً من المواليد حتى سن 18 عاماً، مع تخصصات دقيقة (الحساسية، الغدد الصم، طب الأعصاب للأطفال).
التصوير والمختبرات: يضم المستشفى أقساماً متكاملة للتصوير الطبي (IRM، Scanner، الموجات فوق الصوتية) ومختبرات للتحاليل الطبية الحديثة، مما يدعم التشخيص الدقيق والسريع.
الجزء الثالث: المركز الدولي لعلاج الأورام… تخصص دقيق ورعاية شاملة
يعتبر المركز الدولي لعلاج الأورام بابن جرير، التابع لـمجموعة أكديتال بالتعاون مع محيط جامعة محمد السادس، تتويجاً للجهود المبذولة لتعزيز العرض الصحي في المنطقة، خاصة في مجال الأمراض المزمنة والمستعصية كأمراض السرطان.
1. الدور والمهمة الاستراتيجية
تم تصميم المركز ليكون وجهة متكاملة لمرضى السرطان في إقليم الرحامنة والمناطق المجاورة، مقدماً رعاية صحية شاملة ومتخصصة تتبع أحدث البروتوكولات الدولية. مهمته هي توفير مسار علاج سلس ومُشخص للمريض، بدءاً من التشخيص وحتى المتابعة بعد العلاج.
2. الطاقة الاستيعابية والبنية التحتية
يتميز المركز ببنية تحتية طبية وهندسية متقدمة، تشمل:
القدرة السريرية: يضم المركز 81 سريراً مخصصاً لعلاج الأورام.
الجراحة والعناية المركزة: يتوفر على 6 غرف عمليات مجهزة بأحدث التقنيات لإجراء العمليات الجراحية المعقدة المتعلقة بالسرطان، بالإضافة إلى 18 سريراً في وحدة العناية المركزة (ICU) ووحدات إنعاش.
العلاج الكيميائي: يشتمل على 23 كرسياً للعلاج الكيميائي في بيئة مريحة وعصرية.
3. التجهيزات الطبية المتقدمة (استثمار في التقنيات التشخيصية والعلاجية)
يُعدّ المركز استثماراً كبيراً في التكنولوجيا الطبية المخصصة لعلاج السرطان، ومن أهم تجهيزاته:
العلاج الإشعاعي الموجه: يمتلك المركز جهاز تسريع العلاج الإشعاعي (Linear Accelerator)، وهو ضروري لتقديم علاجات إشعاعية دقيقة ومستهدفة للأورام، مما يقلل الضرر على الأنسجة السليمة.
الطب النووي المتقدم: يضم قسماً للطب النووي مجهزاً بـ:
جهاز PET SCAN (التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني): أداة حيوية للتشخيص الدقيق وتحديد مراحل السرطان وتقييم استجابة الورم للعلاج.
كاميرا غاما (Gamma Camera): لإجراء الفحوصات النووية الروتينية.
مرافق العلاج باليود المشع: لتوفير علاج فعال لسرطانات الغدة الدرقية وأنواع محددة أخرى من الأورام.
هذه التجهيزات تضمن تقديم خدمات شاملة في مكان واحد، مما يُغني المرضى عن عناء السفر إلى مدن كبرى أخرى لتلقي العلاج.

الخاتمة: آفاق التنمية المستقبلية
تُقدم مدينة ابن جرير نموذجاً ناجحاً لمدينة مغربية تنمو على ركيزتي المعرفة والاستدامة. لقد ساهم الاندماج بين المؤسسات التعليمية المتقدمة (UM6P) والبنية التحتية الصحية ذات المعايير الدولية (المستشفى الجامعي والمركز الدولي للأورام) في خلق بيئة حضرية متوازنة وجاذبة.
هذه المشاريع الكبرى لا تخدم سكان المدينة وإقليم الرحامنة فحسب، بل تُعزز أيضاً مكانة المغرب كوجهة إقليمية للمعرفة والخدمات الطبية المتخصصة، مما يُحوّل ابن جرير إلى قطب صحي – أكاديمي جديد، يدعم التنمية المستدامة ويُحسن جودة حياة المواطنين، ويُشكل استثماراً حقيقياً في رأس المال البشري.