منتزه تازكة الوطني: الأطلس المتوسط يحكي قصته

منتزه تازكة الوطني: الأطلس المتوسط يحكي قصته

منتزه تازكة الوطني (Parc National de Tazekka) ليس مجرد وجهة ترفيهية، بل يُعد محمية طبيعية وإيكولوجية ذات أهمية بالغة على مستوى الحوض المتوسطي، ويُمثّل ركيزة أساسية للحفاظ على التنوع البيولوجي في شمال المغرب. يقع المنتزه في سلسلة جبال الأطلس المتوسط، ويحيط بكتلة جبلية مهيمنة تُعرف باسم جبل تازكة، وهو ما يمنحه خصائص فريدة من حيث التضاريس والمناخ والنظم الإيكولوجية.

السياق والهدف من الإنشاء

تأسس منتزه تازكة الوطني بموجب قرار ملكي عام 1950، وكان الهدف الأساسي من إنشائه هو الحماية العاجلة والتصنيف الإيكولوجي لمجموعات من أشجار الأرز الأطلسي (Cedrus atlantica). تُعتبر هذه الشجرة نوعًا متوطنًا في شمال إفريقيا ومهددًا بسبب الاستغلال المفرط والظروف المناخية المتغيرة. على مر السنين، توسع دور المنتزه ليشمل حماية التنوع البيولوجي الشامل والظواهر الجيومورفولوجية الفريدة في المنطقة.

البُعد النضالي للمنتزه: تازكة معقل المقاومة

لطالما كانت الجغرافيا في منطقة تازكة عاملاً حاسماً في التفاعل البشري، ولم تشذ عن هذه القاعدة حقبة الاستعمار الفرنسي. فالمنطقة التي أصبحت لاحقاً تُعرف بمنتزه تازكة الوطني، وخاصة غاباتها الكثيفة من الأرز والبلوط وتضاريسها الجبلية الوعرة والكهفية، شكلت ملاذاً طبيعياً ومنطقة عمليات استراتيجية لـ حركة المقاومة وقبائل المنطقة. لقد استغل المقاومون هذه البيئة الصعبة، التي توفرت فيها المخابئ الطبيعية والممرات السرية بعيداً عن أعين القوات الاستعمارية، في شن حرب العصابات الفعالة ضد الاحتلال. ولهذا، فإن المنتزه يحمل في طياته ليس فقط إرثاً إيكولوجياً وثروة بيولوجية، بل أيضاً ذاكرة وطنية حية تشهد على الدور الاستراتيجي للطبيعة في حفظ كرامة وحرية أهل تازة وجبال الأطلس المتوسط الشرقي.

الخصائص الجغرافية والمساحة

الموقع والمساحة

يقع المنتزه بالقرب من مدينة تازة، في الجزء الشمالي من سلسلة الأطلس المتوسط.

  • المساحة المُصنفة: يغطي المنتزه مساحة أولية تبلغ حوالي 13,737 هكتارًا (137.37 كم²).
  • الارتفاع: يتراوح الارتفاع داخل المنتزه بين حوالي 500 متر عند سفوحه الدنيا ووصولاً إلى 1980 مترًا، وهي قمة جبل تازكة. هذا التفاوت في الارتفاع يخلق تدرجًا إيكولوجيًا واضحًا يؤدي إلى تنوع النظم البيئية.

الجيومورفولوجيا والمسارات

يتميز المنتزه بتضاريسه الكارستية، وهي تكوينات جيولوجية تنشأ في صخور الحجر الجيري والدولوميت (خاصة خلال العصر الجوراسي والطباشيري)، وتؤدي إلى تشكل معالم طبيعية مذهلة:

  • شبكة المسارات: تم تطوير شبكة من المسارات الطبيعية والتعليمية، التي تخدم الأغراض البحثية والمراقبة الإيكولوجية والسياحة البيئية المنظمة. يبلغ طول هذه المسارات المُعدة للمشي والمراقبة ما يزيد عن 75 كيلومترًا.
  • الظواهر الكارستية: الكهوف والمغارات هي أبرز سمات التكوين الجيولوجي للمنطقة. يقع على أطراف المنتزه كهف فريواطو (Gouffre Friouato)، وهو تجويف طبيعي يُعد من الأعمق في أفريقيا، بعمق رأسي يصل إلى حوالي 180 مترًا، ويضم بحيرات وأنفاقًا جوفية تُظهر عمليات الذوبان الكيميائي للحجر الجيري على مر العصور.

التركيبة الإيكولوجية والتنوع البيولوجي

يعمل منتزه تازكة كمستودع وراثي (Genetic Reservoir)، يحافظ على أنظمة إيكولوجية حيوية متغيرة بتغير الارتفاع والتعرض المناخي.

الغطاء النباتي وتوزيعه

تُقسم النظم النباتية في المنتزه إلى مناطق حيوية رئيسية:

  1. المنطقة الجبلية العالية (فوق 1500 متر): تهيمن عليها غابات الأرز الأطلسي (Cedrus atlantica)، التي تُشكّل نُظمًا بيئية باردة ورطبة، إلى جانب تجمعات كثيفة من البلوط الأخضر (Quercus ilex) الشامخ.
  2. المنطقة الجبلية المتوسطة (800 – 1500 متر): تتميز بتنوع أكبر في الأنواع، حيث تنتشر غابات البلوط الأخضر المختلطة، وأشجار القيقب وأنواع أخرى مقاومة للبرودة المعتدلة.
  3. المنطقة السفلية (أقل من 800 متر): تنتشر فيها الأحراش والشجيرات النموذجية للمناطق المتوسطية، مثل أشجار الخروب (Ceratonia siliqua) والزيتون البري (Olea europaea).

الحياة الحيوانية ومؤشرات صحة البيئة

يحتضن المنتزه تنوعًا حيوانيًا يشمل:

  • الثدييات الهامة: أبرزها قردة المكاك البربري (Macaca sylvanus)، وهو نوع مهدد بالانقراض ويعتبر وجوده بكميات مستدامة داخل المنتزه مؤشرًا إيجابيًا على سلامة النظام البيئي ونجاح جهود الحماية. كما توجد فيه أنواع أخرى مثل الخنزير البري والثعالب.
  • الطيور: تُعد المنطقة موئلاً لتعشيش أنواع عديدة من الطيور، لا سيما الطيور الجارحة التي تستفيد من الجروف الصخرية العالية لجبل تازكة.

الأهمية الإيكولوجية والاجتماعية التنموية

تتجاوز وظيفة المنتزه الحماية البيولوجية لتمتد إلى دور إيكولوجي ووظيفي أوسع:

  • تنظيم الهيدرولوجيا: تعمل الغابات الكثيفة للأرز والبلوط كـ سفنجة طبيعية عملاقة، فهي تثبت التربة وتقلل من سرعة الجريان السطحي للمياه، وتنظم تدفق الأودية (مثل وادي بوزملان)، مما يغذي الطبقات الجوفية ويسهم بشكل مباشر في تخفيف حدة الجفاف وتوفير الموارد المائية لمنطقة تازة.
  • المورد الحيوي للمجتمع: إلى جانب دوره الإيكولوجي، يُشكل المنتزه موردًا حيويًا ومحركًا اقتصاديًا لسكان المنطقة المحيطة به. فهو يوفر فرصًا لتنويع مصادر الدخل عبر السياحة البيئية المستدامة، وتثمين وتسويق المنتجات المجالية (كالعسل والأعشاب الطبية)، مما يربط بشكل عضوي بين الحفاظ على البيئة والتنمية الاجتماعية.

وبهذا، يُعتبر منتزه تازكة الوطني بمثابة مختبر جيولوجي وإيكولوجي حي، يعكس عراقة الطبيعة المغربية وأهميتها الاستراتيجية، ويسلط الضوء على العلاقة المتداخلة بين الجغرافيا، التاريخ، والمستقبل الاقتصادي للمنطقة.

حول الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *