وجهات نظر

فتح بين الثورة والحزب: أزمة التحول المؤجل

د. إبراهيم نعيرات

Neirat BW 1

من حركة تحرر إلى سلطة سياسية

في السياسة الفلسطينية، لا تأتي الأسئلة الكبرى من فراغ، بل تولد غالبًا من لحظات التحول والتآكل وإعادة البحث عن المعنى. ومن بين أكثر الأسئلة حضورًا في السنوات الأخيرة: هل يمكن أن تتحول حركة فتح إلى حزب سياسي تقليدي؟ أم أن طبيعتها التاريخية كحركة تحرر وطني تجعل هذا التحول مستحيلًا أو على الأقل شديد التعقيد؟ وربما الأهم من ذلك: هل يمكن لفتح أن ترعى نشوء حزب سياسي قريب منها، يتولى العمل الحكومي والبرلماني، بينما تبقى هي إطارًا وطنيًا أوسع؟

منذ انطلاقتها، لم تكن فتح مجرد تنظيم سياسي عادي، بل مثلت الفكرة المركزية للحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة. فقد قادت المشروع الوطني لعقود، وأعادت إنتاج الهوية السياسية الفلسطينية في مرحلة كانت القضية مهددة بالتهميش. لكن الحركة، بعد تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، دخلت تدريجيًا في منطقة رمادية جمعت بين منطق الثورة ومنطق الدولة، وبين خطاب التحرر ومتطلبات الحكم والإدارة.

المعضلة التاريخية: هل تستطيع فتح أن تصبح حزبًا؟

هنا بدأت المعضلة. فحركات التحرر الوطني بطبيعتها واسعة ومرنة، تضم تيارات متعددة تحت سقف القضية الكبرى، بينما الأحزاب السياسية التقليدية تقوم على برامج تفصيلية وآليات مؤسساتية واضحة وانتخابات ومحاسبة وتنظيم صارم نسبيًا. ولذلك فإن الحديث عن تحول فتح إلى حزب سياسي لا يتعلق فقط بإعادة الهيكلة التنظيمية، بل بإعادة تعريف دور الحركة وموقعها داخل النظام الفلسطيني كله.

فتح تاريخيًا جمعت بين أكثر من وظيفة في آن واحد؛ فهي قادت منظمة التحرير الفلسطينية، وشكلت العمود الفقري للسلطة الوطنية الفلسطينية، وأصبحت في الوقت نفسه الإطار السياسي الأوسع داخل النظام الفلسطيني. ولهذا فإن أي انتقال كامل نحو نموذج “الحزب السياسي” يطرح أسئلة معقدة: ماذا سيحدث لدورها كحركة وطنية جامعة؟ وهل يمكن الفصل أصلًا بين الحركة والسلطة؟ وهل توجد بيئة سياسية فلسطينية مستقرة تسمح بحياة حزبية طبيعية؟

الانقسام والاحتلال كعائق أمام التحول

الواقع الفلسطيني الحالي لا يقدم إجابات سهلة. فالاحتلال ما زال العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل الحياة السياسية، والانقسام بين الضفة وغزة عطّل تطور نظام سياسي متماسك، فيما أدى التداخل بين فتح ومؤسسات السلطة والأجهزة الإدارية والأمنية إلى جعل الفصل بين “الحركة” و“الدولة” مسألة شديدة الحساسية.

ورغم ذلك، فإن التحولات داخل المجتمع الفلسطيني تدفع باتجاه التفكير بصيغ جديدة. فهناك جيل شاب أقل ارتباطًا بالبنية التنظيمية التقليدية، وأكثر اهتمامًا بقضايا الإدارة والإصلاح والاقتصاد والحكم الرشيد. كما أن حالة الترهل التنظيمي والصراعات الداخلية داخل فتح خلقت ضغوطًا متزايدة لإعادة الهيكلة وتوسيع الطابع المؤسسي وتعزيز الديمقراطية الداخلية.

رعاية فتح لنشوء حزب سياسي قريب منها: مخرج محتمل

من هنا تبدو فكرة رعاية فتح لنشوء حزب سياسي قريب منها أكثر واقعية من تحولها الكامل إلى حزب. فالكثير من حركات التحرر في العالم سلكت هذا المسار؛ إذ احتفظت الحركة الأم بطابعها الرمزي والوطني، بينما نشأت أحزاب سياسية تتولى إدارة الحكم وخوض الانتخابات والعمل البرلماني. ويمكن نظريًا أن يحدث الأمر نفسه في الحالة الفلسطينية، سواء عبر دعم تيار إصلاحي وشبابي يتحول إلى إطار انتخابي حديث، أو عبر نشوء حزب سياسي قريب من فتح في الرؤية والامتداد السياسي لكنه منفصل عنها تنظيميًا.

مثل هذا السيناريو قد يحقق عدة أهداف في آن واحد. فهو يخفف عن فتح عبء الجمع بين المشروع الوطني ومتطلبات الإدارة اليومية، ويسمح ببناء برامج سياسية واقتصادية أكثر وضوحًا، كما يفتح الباب أمام استقطاب تكنوقراط ومستقلين وشباب لا يرغبون بالانخراط في الإطار التنظيمي التقليدي، لكنهم قريبون من الرؤية السياسية للحركة.

أزمة فتح الانتخابية: حين تتحول القوة إلى عبء

لكن المفارقة الأهم تكمن في أن طبيعة فتح نفسها، بوصفها حركة واسعة متعددة المراكز والتيارات، قد تتحول في لحظة الانتخابات من مصدر قوة تاريخي إلى عنصر إرباك سياسي وتنظيمي. فالحركات الوطنية الكبرى تمتلك عادة حضورًا جماهيريًا واسعًا ورصيدًا رمزيًا كبيرًا، لكنها تعاني في المقابل من صعوبة الانضباط الداخلي مقارنة بالأحزاب العقائدية أو التنظيمات الأكثر مركزية.

وفي الحالة الفلسطينية، ظهر هذا الأمر بوضوح في أكثر من محطة انتخابية. فبينما تمتلك فتح تاريخًا وشرعية ورمزية تتجاوز معظم التنظيمات الفلسطينية الأخرى، فإن تعدد التيارات داخلها، وتشابك المصالح الشخصية والتنظيمية، والخلافات حول القيادة والتمثيل، يؤدي أحيانًا إلى إضعاف قدرتها على خوض انتخابات موحدة ومنضبطة. وفي كثير من الأحيان، تجد الحركة نفسها أمام منافسين أقل وزنًا تاريخيًا، لكنهم أكثر تماسكًا وانضباطًا وقدرة على إدارة المعركة الانتخابية بخطاب موحد وآليات تنظيمية أكثر صرامة.

من الشرعية الثورية إلى الشرعية الانتخابية

هذا التناقض يعكس أزمة الانتقال من “الشرعية التاريخية” إلى “الشرعية الانتخابية”. ففتح لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على إرثها الوطني ودورها التاريخي، بينما تتطلب الانتخابات الحديثة خطابًا سياسيًا وبرامج واضحة وآليات تعبئة وتنظيم دقيقة واستجابة أسرع لتحولات المزاج الشعبي، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة.

كما أن تداخل الحركة مع السلطة يخلق عبئًا إضافيًا عليها في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية. فالجمهور لا ينظر إلى فتح فقط كحركة وطنية، بل كجزء من النظام السياسي القائم بكل أزماته الاقتصادية والإدارية والأمنية. وهذا يجعلها تتحمل مسؤولية الإخفاقات العامة بدرجة أكبر من التنظيمات المعارضة أو الأقل حضورًا في مؤسسات الحكم.

إضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الفضفاضة للحركة تجعل عملية اختيار المرشحين وإدارة التحالفات أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل الحسابات المناطقية والتنظيمية والشخصية، ما قد ينتج قوائم متنافسة أو انقسامات داخلية تضعف الأداء الانتخابي حتى في مواجهة قوى أصغر حجمًا.

فتح في المنطقة الرمادية

ولهذا، فإن أي محاولة لتطوير أداء فتح السياسي والانتخابي لا تبدو منفصلة عن سؤال إعادة تعريف بنيتها نفسها. فالحركة تقف اليوم بين نموذجين: نموذج “الحركة الوطنية الجامعة” التي تستمد قوتها من التاريخ والرمزية والامتداد الشعبي، ونموذج “الحزب السياسي” الذي يقوم على الانضباط المؤسسي والبرامج الواضحة والقدرة على إدارة المنافسة الانتخابية الحديثة.

في العمق، لا تبدو القضية مجرد نقاش تنظيمي داخل فتح، بل انعكاسًا لأزمة أوسع يعيشها النظام السياسي الفلسطيني بأكمله؛ أزمة الانتقال من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة بناء الدولة والمؤسسات. وفتح، بوصفها الحركة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر، تجد نفسها اليوم أمام سؤال مصيري: كيف تحافظ على إرثها كحركة وطنية جامعة، دون أن تبقى أسيرة البنية القديمة التي لم تعد وحدها قادرة على الاستجابة لتحولات المجتمع والسياسة؟

خاتمة: التحول الذي لم يكتمل بعد

حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على قرار رسمي بتحويل فتح إلى حزب سياسي أو رعاية حزب قريب منها بشكل واضح، لكن النقاشات الداخلية حول الإصلاح والتجديد وتوسيع المشاركة السياسية تشير إلى أن الحركة تدرك أن الصيغة التقليدية لم تعد كافية. وربما لهذا السبب تستمر فتح اليوم في العيش داخل منطقة وسطى؛ ليست حركة تحرر خالصة كما كانت في بداياتها، وليست حزبًا سياسيًا تقليديًا مكتمل الملامح، بل كيانًا يحاول إعادة تعريف نفسه في ظل واقع فلسطيني لم يحسم بعد شكل مستقبله السياسي.

د. ابراهيم نعيرات

كاتب من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى