وجهات نظر

الجزائر: من طوابير الحليب والغاز إلى طوابير العجلات… سقوط دولة الشعارات الكبرى

في الدول التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة، يفترض أن تكون حياة المواطن أكثر استقرارا، وأن تتحول الموارد إلى رفاه اجتماعي، وتنمية اقتصادية، ومؤسسات قوية تحمي كرامة الإنسان،غير أن المشهد في دولة الجزائر العسكرية يبدو معكوساً بشكل صادم؛ بلد يطفو على بحار من الغاز والنفط، لكنه يغرق منذ سنوات في طوابير لا تنتهي، حتى أصبحت صورة المواطن الذي ينتظر في الصف جزءاً من المشهد اليومي الذي يختزل أزمة نظام بأكمله، لا مجرد اختلالات ظرفية عابرة أو مؤقتة .

فبعد طوابير الحليب والزيت والسميد والغاز، ظهرت مؤخرا طوابير العجلات، في مشهد عبثي يكشف حجم الاختناق الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد حيث المواطن الجزائري لم يعد يصطف فقط من أجل المواد الأساسية، بل أصبح يصطف من أجل أبسط مستلزمات الحياة اليومية، وكأن الدولة التي رفعت لعقود شعارات “القوة الإقليمية” و”الجزائر الجديدة و الكبرى ” عاجزة حتى عن ضمان انسيابية الأسواق أو حماية القدرة الشرائية لمواطنيها.

المفارقة المؤلمة أن هذه الأزمات تتكرر داخل بلد يعد من أكبر مصدري الغاز في إفريقيا، ويمتلك احتياطات مالية وطبيعية كان من الممكن أن تجعل منه قوة اقتصادية حقيقية، لو وضعت الثروة الوطنية في خدمة التنمية بدل توظيفها في صناعة الأزمات السياسية وتغذية الصراعات الإيديولوجية والدعاية العسكرية الرسمية.

إن مشهد الطوابير في الجزائر لم يعد مجرد أزمة تموين أو خلل إداري محدود، بل تحول إلى رمز سياسي واجتماعي عميق،فالطابور في الأنظمة المغلقة الديكتاتورية ليس مجرد انتظار للحصول على سلعة، بل هو تعبير عن حالة جماعية من العجز وفقدان الثقة وانهيار العلاقة الطبيعية بين المواطن والدولة،عندما يقف المواطن ساعات طويلة من أجل قارورة غاز أو إطار سيارة، فهذا يعني أن الدولة فقدت قدرتها على تدبير أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

والأخطر من ذلك أن السلطة في الجزائر لا تبدو منشغلة فعليا بجذور الأزمة، بقدر انشغالها بإنتاج خطاب إعلامي يحمل المسؤولية لـ”المؤامرات الخارجية” و”المضاربة” و”الأيادي الخفية” و “دولة من هوك”، وهي الأسطوانة التي استهلكت حتى فقدت معناها،فكلما انفجرت أزمة جديدة، خرجت الأبواق الرسمية لتوزيع الاتهامات، دون أن يجرؤ أحد على طرح السؤال الحقيقي: كيف لدولة بكل هذه الإمكانيات أن تتحول إلى جمهورية الطوابير اليومية ؟

لقد أصبح واضحا أن المشكلة في الجزائر ليست مشكلة موارد، بل مشكلة حكامة ورؤية سياسية لنظام عسكري شمولي،فالنظام الذي بنى شرعيته لعقود على التحكم الأمني و العسكري والإعلامي، أهمل بناء اقتصاد منتج ومؤسسات قوية قادرة على امتصاص الأزمات ولذلك، كل هزة بسيطة في السوق تتحول بسرعة إلى أزمة وطنية، لأن البنية الاقتصادية نفسها هشة وتعتمد بشكل شبه كامل على مداخيل المحروقات.

ولعل ما يزيد من حدة الغضب الشعبي هو التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي لرئيس الدولة الثاني “تبون” و لخطاب الرئيس الفعلي “شنقريحة” والواقع المعيشي ،ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطة عن “الجزائر القوية” و”النهضة الاقتصادية”، يجد المواطن الجزائري نفسه محاصرا بغلاء الأسعار، ونقص المواد، وتراجع الخدمات، والبطالة، وانسداد الأفق بشتى أشكاله و أنواعه ،إنها فجوة خطيرة بين الصورة التي تحاول السلطة تسويقها، والحقيقة التي يعيشها الشارع يوميا.

إن طوابير العجلات ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإخفاقات المتراكمة،لكنها تحمل دلالة رمزية مختلفة؛ لأنها تمس وسيلة الحركة والتنقل والعمل، وكأن الرسالة غير المعلنة هي أن البلاد نفسها بدأت تفقد عجلاتها السياسية والاقتصادية و الديمقراطية ، وتسير نحو مزيد من التآكل الداخلي.

وعندما تتحول الطوابير إلى ظاهرة مزمنة، فإن الأمر يتجاوز الاقتصاد ليصل إلى البنية النفسية و السيكولوجية للمجتمع الجزائري ،فالشعوب التي تستنزف يوميا في البحث عن الضروريات تفقد تدريجيا ثقتها في المؤسسات، ويتحول الإحباط إلى شعور جماعي صامت قد ينفجر في أي لحظة والتاريخ السياسي يعلمنا أن الأنظمة لا تسقط دائما بسبب الحروب، بل أحيانا بسبب تراكم الإهانات الصغيرة التي يعيشها المواطن في حياته اليومية.

وفي خضم هذا الوضع، تبدو السلطة العسكرية الجزائرية وكأنها تدير الزمن السياسي بعقلية قديمة، تعتمد على التحكم الأمني وصناعة العدو الخارجي لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية. لكن الواقع أثبت أن خطاب التخوين والبروباغندا لم يعد قادرا على إخفاء صور الطوابير المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا على إسكات حالة التذمر المتصاعدة داخل كل ولايات الجزائر .

فالشباب الجزائري اليوم لا يقارن نفسه بخطابات الستينات والسبعينات، بل يقارن واقعه بما يراه في العالم من نماذج تنموية حديثة ولذلك، فإن استمرار العقلية السياسية المغلقة على نفسها، مع تراجع الأوضاع الاجتماعية، يخلق حالة احتقان متزايدة قد تكون أخطر من كل الأزمات الاقتصادية الظرفية.

إن أخطر ما في المشهد الجزائري ليس فقط الطوابير، بل اعتياد الناس عليها،حين يصبح الانتظار من أجل أبسط الحقوق أمرا عاديا، فذلك يعني أن الأزمة أصبحت بنيوية،وهنا تكمن خطورة الأنظمة الشمولية؛ فهي لا تكتفي بإنتاج الأزمات، بل تدفع المجتمع تدريجيا إلى التعايش معها وكأنها قدر محتوم.

لكن التاريخ أيضا يؤكد أن الشعوب لا تبقى صامتة إلى الأبد،فكل طابور جديد يراكم مزيداً من الأسئلة المؤجلة، ومزيداً من الغضب المكتوم، ومزيداً من الشك في جدوى الخطابات الرسمية،ومن هنا، فإن الحديث اليوم لم يعد فقط عن طوابير الحليب أو الغاز أو العجلات، بل عن طوابير أكبر قد تتشكل مستقبلا : طوابير المطالبين بالتغيير السياسي الحقيقي، وببناء دولة المؤسسات الحقيقية التي تعتمد على الحرية و الديمقراطية بدل دولة الشعارات الكاذبة والانغلاق السياسي و الاقتصادي .

فالبلدان لا تقاس بعدد الخطب الرنانة، بل بقدرتها على ضمان كرامة مواطنيها،والدولة القوية ليست تلك التي  تمنع مواطنيها من الوقوف في طوابير الذل والعار.

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى