
إلى أي حد تؤثر نتائج انتخابات الأندلس 2026 في إعادة تشكيل العلاقات المغربية-الإسبانية؟
تشكل الانتخابات الجهوية في إسبانيا أحد أهم المؤشرات الكاشفة لتحولات المزاج السياسي الوطني، ليس فقط باعتبارها استحقاقات محلية مرتبطة بتدبير الشأن الترابي، بل لكونها تعكس بصورة مباشرة اتجاهات الرأي العام الإسباني وتوازنات القوى الحزبية المؤثرة في مستقبل الحكم والسياسات العامة. وفي هذا السياق، اكتسبت انتخابات إقليم الأندلس في اسبانيا لسنة 2026 أهمية استثنائية، بالنظر إلى الوزن السياسي والديمغرافي والاقتصادي للإقليم، وباعتباره أحد أبرز مختبرات التحول السياسي داخل إسبانيا خلال السنوات الأخيرة.
فالأندلس ليست مجرد جهة إدارية جنوبية، بل تمثل فضاءً جيوسياسياً حساساً يتقاطع فيه البعد الداخلي الإسباني مع رهانات المتوسط والهجرة والأمن والطاقة والعلاقات مع المغرب. ومن ثم، فإن أي تحول في الخريطة السياسية الأندلسية يحمل بالضرورة دلالات تتجاوز المجال المحلي نحو التأثير في اتجاهات السياسة الخارجية الإسبانية، خاصة تجاه الرباط التي أضحت خلال السنوات الأخيرة شريكاً استراتيجياً مركزياً في الحسابات الإسبانية والأوروبية على حد سواء.
وقد جاءت انتخابات الأندلس 2026 في سياق أوروبي وإسباني شديد التعقيد، يتسم بتنامي الشعبوية اليمينية، وتصاعد النقاشات المرتبطة بالهجرة والهوية والأمن، إلى جانب استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها القارة الأوروبية منذ تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية وأزمات الطاقة والتضخم. كما أظهرت هذه الانتخابات استمرار التحول البنيوي الذي يعرفه المشهد السياسي الإسباني، والمتمثل أساساً في صعود اليمين المحافظ واليمين القومي، مقابل تراجع الأحزاب الاشتراكية واليسارية التقليدية.
وفي ضوء هذه التحولات، تبرز تساؤلات مركزية تتعلق بمستقبل العلاقات المغربية-الإسبانية:
إلى أي حد يمكن لنتائج انتخابات الأندلس 2026 أن تؤثر في توجهات السياسة الإسبانية تجاه المغرب؟ وهل نحن أمام تحول ظرفي مرتبط بالسياق الانتخابي، أم أمام إعادة تشكل أعمق للمقاربات الإسبانية تجاه قضايا الجوار الجنوبي؟ ثم كيف ستتفاعل مدريد مع التوازن الدقيق بين الضغوط الداخلية ذات النزعة القومية وبين ضرورات الشراكة الاستراتيجية مع الرباط؟
أولاً: انتخابات الأندلس 2026 في سياق التحولات البنيوية داخل إسبانيا
جاءت انتخابات الأندلس في سياق داخلي يتسم بارتفاع منسوب الاستقطاب السياسي داخل إسبانيا، حيث تعيش البلاد منذ سنوات على وقع إعادة تشكل النظام الحزبي التقليدي الذي كان قائماً على الثنائية الكلاسيكية بين الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني والحزب الشعبي المحافظ. وقد أسهمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة، إلى جانب تصاعد التوترات المرتبطة بالهجرة والهوية والنزعات الانفصالية، في إضعاف الأحزاب التقليدية وفتح المجال أمام صعود قوى سياسية جديدة ذات خطاب أكثر راديكالية.
ويتميز المشهد السياسي الإسباني اليوم بهيمنة حزبين رئيسيين يشكلان العمود الفقري للتنافس السياسي وتوجيه السياسات العامة. يتمثل الأول في الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني ، بقيادة بيدرو سانشيز، والذي يعبر عن تيار يسار-وسط ذي مرجعية اشتراكية ديمقراطية، يركز على تعزيز الدولة الاجتماعية وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، مع تبني مقاربة براغماتية ومنفتحة في السياسة الخارجية، خصوصاً في علاقات إسبانيا مع محيطها المتوسطي، حيث يحتل المغرب موقعاً محورياً في اعتبارات الأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي.
في المقابل، يبرز الحزب الشعبي ، بقيادة ألبرتو نونييث فيخو، باعتباره القوة الرئيسية لليمين المحافظ في إسبانيا. ويقوم على توجه اقتصادي ليبرالي محافظ، مع تأكيد قوي على قيم الوحدة الوطنية والأمن الداخلي، وتشديد أكبر في مقاربة قضايا الهجرة والحدود. ورغم هذا الطابع المحافظ، يعتمد الحزب مقاربة براغماتية في السياسة الخارجية، تحكمها اعتبارات المصالح الاستراتيجية لإسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي وفي محيطها الجنوبي، ما يجعل العلاقة مع المغرب ملفاً محورياً في حساباته السياسية.
وفي هذا السياق، عزز الحزب الشعبي موقعه داخل المشهد السياسي باعتباره القوة الرئيسية القادرة على قيادة مرحلة ما بعد التراجع النسبي لليسار، مستفيداً من تراجع شعبية الحكومة المركزية ومن تنامي المخاوف الاجتماعية المرتبطة بالقدرة الشرائية والهجرة والأمن. كما يبرز في الخلفية السياسية تصاعد حضور حزب فوكس اليميني المتطرف فوكس، الذي نجح في ترسيخ موقعه كفاعل مؤثر في إعادة تشكيل التوازنات الحزبية، خاصة في القضايا المرتبطة بالهوية والهجرة والعلاقة مع الجنوب المتوسطي.
ويعكس هذا الصعود تحولاً أعمق داخل المجتمع الإسباني، يتمثل في تنامي النزعات القومية والمحافظة، وتزايد الخطابات الرافضة للهجرة، إلى جانب تأثر إسبانيا بالموجة اليمينية الأوروبية الممتدة عبر عدة دول. وفي هذا الإطار، تكتسب انتخابات الأندلس أهمية مضاعفة، باعتبار الإقليم يشكل الواجهة الجنوبية لإسبانيا والبوابة الأقرب إلى المغرب، حيث حضرت قضايا الهجرة والحدود والعلاقات مع الرباط بقوة في الخطاب الانتخابي، بشكل مباشر أو ضمني، ما يمنح نتائج هذه الانتخابات بعداً استراتيجياً يتجاوز نطاقها المحلي.

ثانياً: صعود المغرب كقوة إقليمية وإعادة تعريف ميزان العلاقة مع إسبانيا
في سياق إعادة تشكيل موازين القوى في غرب المتوسط، لم يعد المغرب ذلك الفاعل الإقليمي التقليدي الذي تُقاس علاقاته الخارجية بمنطق عدم التكافؤ أو التبعية النسبية، بل برز خلال العقدين الأخيرين كقوة إقليمية صاعدة تمتلك عناصر تأثير متزايدة على المستويات الإفريقية والأطلسية والمتوسطية. فقد عزز المغرب حضوره في العمق الإفريقي من خلال انخراطه المكثف في المبادرات الاقتصادية والاستثمارية والبنيوية، كما وسّع نطاق تحركاته الدبلوماسية نحو الفضاء الأطلسي باعتباره مجالاً استراتيجياً ناشئاً لإعادة تموقعه الجيوسياسي.
وفي موازاة ذلك، رسّخ المغرب شراكة استراتيجية متنامية مع الولايات المتحدة الأمريكية الولايات المتحدة الأمريكية، تقوم على تعاون متعدد الأبعاد يشمل الأمن ومكافحة الإرهاب والتنسيق الإقليمي، وهو ما أضفى على موقعه الدولي بعداً إضافياً يعزز من قدرته التفاوضية داخل محيطه الإقليمي، وخاصة في تفاعله مع القوى الأوروبية وعلى رأسها إسبانيا.
هذا التحول البنيوي جعل من المغرب فاعلاً ندّياً في علاقاته مع إسبانيا، حيث لم تعد الرباط مجرد طرف مرتبط بحسابات الجوار والهجرة، بل أصبحت شريكاً استراتيجياً يملك أوراق تأثير حقيقية في ملفات الأمن الحدودي، وتدبير الهجرة غير النظامية، والتعاون الاقتصادي، واستقرار غرب المتوسط. وبناءً على ذلك، فإن أي قراءة مستقبلية للعلاقات المغربية-الإسبانية، بصرف النظر عن طبيعة الحكومة المتعاقبة في مدريد، تفرض إدراكاً جديداً لطبيعة موازين القوة القائمة، حيث أصبح التعامل مع المغرب يستوجب مقاربة براغماتية قائمة على الندية والاعتراف بالمصالح المتبادلة، بدل منطق التفوق أو إدارة الأزمات الظرفية.
ثالثا : : الأندلس والمغرب… ترابط جغرافي واستراتيجي عابر للسياسة الظرفية
يصعب فهم دينامية العلاقات المغربية-الإسبانية دون استحضار الموقع الخاص لإقليم الأندلس داخل هذه المعادلة. فالإقليم يشكل الامتداد الجغرافي الأقرب للمغرب، كما يرتبط معه بعلاقات اقتصادية وتجارية وإنسانية كثيفة ومتداخلة.
وتعتبر الأندلس إحدى أكثر الجهات الإسبانية ارتباطاً بالاقتصاد المغربي، سواء من خلال المبادلات التجارية أو الاستثمارات أو حركة النقل البحري والموانئ. كما أن جزءاً مهماً من تدفقات الهجرة المغربية نحو إسبانيا يمر عبر هذا الفضاء الجغرافي، ما يجعل الأندلس معنية بشكل مباشر بكل التحولات المرتبطة بسياسات الهجرة والأمن الحدودي.
إلى جانب ذلك، يمثل المغرب بالنسبة لإسبانيا شريكاً محورياً في قضايا مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. وقد أظهرت التجربة خلال العقدين الأخيرين أن التعاون الأمني المغربي-الإسباني يشكل أحد أهم أعمدة الاستقرار في غرب المتوسط.
ومنذ الأزمة الدبلوماسية الحادة التي اندلعت سنة 2021 على خلفية استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو، أدركت النخب السياسية الإسبانية حجم الكلفة الاستراتيجية لأي توتر مع الرباط. لذلك، جاء التحول الذي قاده رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز سنة 2022 عبر دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتباره محاولة لإعادة بناء الثقة مع المغرب وفق مقاربة أكثر براغماتية وواقعية.
وقد سمح هذا التحول بإطلاق مرحلة جديدة من التعاون الثنائي شملت ملفات الأمن والهجرة والطاقة والاقتصاد، كما أعادت الدفء إلى العلاقات السياسية بين البلدين بعد سنوات من التوترات المتقطعة.
رابعا: صعود اليمين الإسباني وحدود التأثير على العلاقات مع المغرب
رغم التقدم النسبي للقوى المحافظة واليمينية في انتخابات الأندلس، فإن الحديث عن تحول جذري في السياسة الإسبانية تجاه المغرب يظل أمراً يحتاج إلى قدر كبير من الحذر التحليلي. ذلك أن العلاقات المغربية-الإسبانية لم تعد رهينة فقط بالتوازنات الحزبية أو الحسابات الانتخابية، بل أصبحت محكومة باعتبارات جيواستراتيجية أعمق تفرض نوعاً من البراغماتية المؤسساتية على صناع القرار في مدريد.
صحيح أن صعود اليمين القومي قد يدفع نحو تشديد الخطاب السياسي المرتبط بالهجرة والحدود، وقد يعيد توظيف بعض الملفات الحساسة مثل سبتة ومليلية أو مراقبة تدفقات الهجرة كورقة للمزايدة السياسية الداخلية، غير أن هامش المناورة الفعلية يبقى محدوداً بفعل تشابك المصالح الثنائية.
فإسبانيا تدرك جيداً أن أي تدهور حاد في العلاقات مع المغرب ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها الداخلي وعلى استقرار حدودها الجنوبية. كما أن الاتحاد الأوروبي نفسه بات ينظر إلى المغرب باعتباره شريكاً استراتيجياً أساسياً في تدبير قضايا المتوسط وإفريقيا والهجرة والطاقة.
ومن هنا، تبدو المؤسسات الإسبانية، بما فيها المؤسسة الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، أكثر ميلاً إلى الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي للعلاقة مع الرباط، حتى في حال تغير الحكومات أو صعود قوى أكثر تشدداً داخل المشهد السياسي.
وفي المقابل، يظل التحدي الأكبر مرتبطاً بإمكانية تصاعد الخطاب الشعبوي داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، بما قد يؤدي إلى خلق مناخ من التوتر الرمزي أو الإعلامي، دون أن يصل بالضرورة إلى حد القطيعة السياسية أو إعادة إنتاج أزمات شبيهة بأزمة 2021.
خامسا : المغرب في العقيدة الجيوسياسية الإسبانية الجديدة
تكشف التحولات الأخيرة داخل السياسة الإسبانية عن انتقال تدريجي في طريقة إدراك مدريد للمغرب، من مجرد جار جنوبي معقد إلى شريك استراتيجي لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.
فالمغرب اليوم لم يعد فقط فاعلاً مغاربياً، بل تحول إلى قوة إقليمية صاعدة ذات امتداد إفريقي ومتوسطي وأطلسي، وهو ما جعل عدداً من النخب الإسبانية ينظر إلى العلاقة معه من منظور المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
كما أن التحولات الدولية الراهنة، بما فيها إعادة تشكيل سلاسل الطاقة والتنافس الجيوسياسي في إفريقيا ومنطقة الساحل، دفعت إسبانيا إلى إعادة تقييم موقع المغرب داخل استراتيجيتها المتوسطية والإفريقية.
وفي هذا السياق، تبدو مدريد معنية بالحفاظ على شراكة مستقرة مع الرباط لعدة اعتبارات:
- ضمان أمن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.
- تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والهجرة.
- حماية المصالح الاقتصادية والتجارية.
- الاستفادة من الموقع المغربي كممر استراتيجي نحو إفريقيا.
- الحفاظ على استقرار غرب المتوسط في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
ومن ثم، فإن أي حكومة إسبانية مقبلة، سواء كانت محافظة أو اشتراكية، ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع المغرب باعتباره شريكاً استراتيجياً لا يمكن القفز عليه أو الدخول معه في مواجهات مفتوحة طويلة الأمد.
سادسا : السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقات المغربية-الإسبانية
في ضوء نتائج انتخابات الأندلس والتحولات الجارية داخل المشهد الإسباني، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل العلاقات الثنائية.
- سيناريو الاستمرارية البراغماتية
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر مدريد في الحفاظ على التوازن القائم بين الضغوط السياسية الداخلية ومتطلبات الشراكة الاستراتيجية مع المغرب. وفي هذا الإطار، ستواصل إسبانيا دعم التعاون الأمني والاقتصادي مع الرباط، مع تجنب أي خطوات تصعيدية كبرى.
- سيناريو التشدد الرمزي
يقوم هذا السيناريو على تصاعد الخطابات القومية والضغوط المرتبطة بملفات الهجرة والحدود، خاصة في حال تعاظم نفوذ اليمين المتطرف داخل التحالفات الحكومية. وقد يؤدي ذلك إلى توترات إعلامية وسياسية ظرفية، دون أن يصل إلى قطيعة استراتيجية.
3. سيناريو إعادة التموضع الاستراتيجي
ويرتبط باحتمال تعميق الشراكة المغربية-الإسبانية في إطار رؤية متوسطية جديدة، خاصة في مجالات الطاقة والربط الاقتصادي والاستثمار والأمن البحري. وهو سيناريو تدعمه التحولات الدولية الراهنة والحاجة الأوروبية المتزايدة إلى شركاء إقليميين مستقرين.
خاتمة
تكشف انتخابات الأندلس 2026 عن استمرار التحولات العميقة داخل المشهد السياسي الإسباني، خاصة مع تصاعد نفوذ اليمين المحافظ والقومي وتراجع الأحزاب التقليدية. غير أن هذه التحولات، رغم أهميتها، لا تبدو كافية لإحداث قطيعة جذرية في السياسة الإسبانية تجاه المغرب.
ذلك أن العلاقات المغربية-الإسبانية انتقلت خلال السنوات الأخيرة من مستوى التدبير الظرفي للأزمات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المرتبطة باعتبارات الأمن والاستقرار والمصالح المتبادلة. كما أن التطورات الإقليمية والدولية جعلت من المغرب فاعلاً محورياً في الحسابات الجيوسياسية الإسبانية والأوروبية.
وعليه، فإن مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد سيظل محكوماً بمنطق البراغماتية الاستراتيجية أكثر من خضوعه للتقلبات الانتخابية الظرفية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة قادرة على إنتاج توترات سياسية أو خطابية مرحلية. وفي المقابل، سيبقى التحدي الأساسي أمام الطرفين هو القدرة على بناء شراكة طويلة المدى تتجاوز منطق إدارة الأزمات نحو تأسيس فضاء متوسطي أكثر استقراراً وتكاملاً.




