أجهزة الاستخبارات الجزائرية في مواجهة نفسها: عندما تنكسر العلبة السوداء وتتطاير شظاياها
ثمة سؤال بسيط يطرحه المتأمل في بنية الأنظمة الاستبدادية: متى يتحول الجهاز الأمني من أداة لحماية الدولة إلى أداة لتهديد نفسه؟ الإجابة، في الحالة الجزائرية على الأقل، ليست نظرية. إنها حدث يتجدد كل بضعة أشهر، مُوثَّق بأسماء وتواريخ ورتب عسكرية وزنازين في سجن البليدة.
الجزائر اليوم تمتلك ثلاثة أجهزة استخباراتية كبرى: المديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI)، والمديرية العامة للتوثيق والأمن الخارجي (DGDSE)، ومديرية أمن الجيش (DCSA). ثلاثة أجهزة يُفترض أن تحمي الدولة من أعدائها، لكنها باتت في الواقع تستنزف طاقتها في مراقبة بعضها البعض، واصطياد قياداتها بالتناوب. مثلث لم يعد يُخيف الخارج بقدر ما بات يُخيف نفسه.
الأمن الداخلي: الكرسي الذي لا يهدأ
في غضون سبع سنوات لا أكثر، تعاقب على رأس المديرية العامة للأمن الداخلي ستة قيادات مختلفة. واسيني بوعزة، فعبد الغني راشدي، فجمال كحال مجدوب، فعبد القادر حداد الملقب بـ”ناصر الجن”، فعبد القادر آيت وعرابي “الجنرال حسان”، فمنير زاهي الذي نُصِّب في الحادي والعشرين من مايو 2026. معدل تناوب لا تعرفه حتى الشركات الناشئة التي تفشل في جولاتها التمويلية الأولى.
الرواية الرسمية لكل هذه التغييرات واحدة لا تتبدل: “عصرنة”، و”احترافية”، و “ضخ دماء شابة”، وكلام يستحق التأطير. لكن ما جرى على أرض الواقع يقول شيئاً مختلفاً تماماً.
خذ حالة “ناصر الجن”، عبد القادر حداد، الرجل الذي استُدعي من صفحات التسعينيات الدامية ليُعاد تدويره مديراً للأمن الداخلي عام 2024، ثم أُقيل في مايو 2025 وسُجن. لم يمض وقت طويل حتى فرّ في ليلة الثامن عشر من سبتمبر من العام نفسه، متجاوزاً الحراسة المفروضة عليه، ليصل إلى شاطئ كوستا بلانكا الإسباني على متن قارب من تلك القوارب التي يركبها اليائسون من مستقبل البلاد. ثماني وعشرون يوماً في المجهول، قبل أن يُعاد إلى الجزائر في أكتوبر 2025، ليستقر في زنزانة بسجن البليدة العسكري.
مدير مخابرات سابق يفرّ بطريقة “الحراقة”. دلالة هذه الصورة تفوق ألف تحليل.
أما خليفته، الجنرال حسان، عبد القادر آيت وعرابي، فقصته أشد إيلاماً من الناحية الرمزية. رجل من عشيرة التسعينيات، سُجن عام 2015 بموجب أحكام القائد الراحل أحمد قايد صالح، ثم أُعيد تأهيله ونُصِّب مديراً للأمن الداخلي في مايو 2025 كأن شيئاً لم يكن. وكأن النظام لما أعياه البحث عن كوادر موثوقة، لجأ إلى استيراد وجوه من مخازنه القديمة. لم تدم هذه الثقة المُعاد تدويرها سوى ثلاثمئة واثنين وأربعين يوماً، قبل أن يطاح به في الثامن عشر من مايو 2026، ليحل محله منير زاهي، الرجل الثاني في الجهاز الذي رقّته دوائر شنقريحة في ظروف لم يُفصح عنها بالكامل.
ما الذي يقوله هذا المسار؟ يقول إن السجن العسكري في البليدة بات يضم من الكفاءات الاستخباراتية ما لا يوجد منها في الخدمة الفعلية. وأن الدولة التي تحتاج إلى استعارة قياداتها من خلف القضبان لا تعيش أزمة أمنية بالمعنى الكلاسيكي، بل تعيش أزمة ثقة بنيوية متجذرة داخل مؤسساتها نفسها.
الأمن الخارجي: الجاسوس الذي فقد خريطة الطريق
منذ تولي تبون السلطة نهاية 2019، شهدت المديرية العامة للتوثيق والأمن الخارجي سبعة مدراء متعاقبين. سبعة. في ظرف ست سنوات. وهو رقم يقول، بصوت أعلى من أي تصريح رسمي، أن هذا الجهاز المفترض أنه يبني شبكات نفوذ استراتيجية طويلة الأمد، يعيد بناء قياداته كل سنة تقريباً.
آخر هذه التغييرات جاء في سبتمبر 2024، حين أُقيل اللواء جبار مهنا، الشخصية الاستخباراتية التي ارتبطت لعقود بمدرسة “الجنرال توفيق”، وحلّ محله العميد موساوي رشدي فتحي. خليفة وصفته تقارير استخباراتية فرنسية بأنه الرجل الذي رافق تبون من غرف المستشفيات الألمانية إلى قاعات القرار، إذ كان يشغل سابقاً موقع ممثل الاستخبارات الخارجية في السفارة الجزائرية ببرلين ثم باريس. وهي سيرة تكشف أن معيار التعيين لم يكن الكفاءة الميدانية، بل الولاء الشخصي.
لكن الأخطر في قصة الأمن الخارجي ليس تقلب قياداته، بل ما جرى في العمق الاستراتيجي الذي كان الجهاز يُفترض أنه يديره. فبينما كانت الجزائر تُعلن على الملأ أنها القوة المحورية في الساحل الأفريقي، وأنها الوسيط الضروري في أزمات المنطقة، كانت مالي تطرد دبلوماسييها وخبراءها ببيانات شديدة اللهجة. والنيجر قطعت الخيوط التي نسجتها الجزائر على مدى عقود. وبوركينا فاسو أدارت ظهرها لخطاب الوصاية الجزائري ومضت في طريقها.
الجهاز الذي كان يفاخر بإدارة ملفات الساحل عن بُعد، وجد نفسه في مواجهة واقع أفقده حضوره الميداني بالكامل. ليس لأن الأعداء كانوا أذكى منه بالضرورة، بل لأن العقلية البوليسية التي يشتغل بها لا تبني حلفاء؛ تبني عملاء، والفرق بين الاثنين يظهر حين تتغير الرياح.
أمن الجيش: حارس يراقب الحراس
أما مديرية أمن الجيش، فهي اللغز الأكثر صمتاً والأشد فاعلية في هذا المثلث. نادراً ما يُحكى عنها، وحين يُحكى يُقال إنها تحمي المنشآت العسكرية من التجسس الخارجي وتحافظ على الانضباط المؤسسي. هذه الرواية الرسمية صحيحة من حيث الشكل، لكنها تخفي وظيفة أخرى أكثر جوهرية.
الوظيفة الحقيقية لهذا الجهاز هي مراقبة الضباط أنفسهم. قادة النواحي العسكرية الست، أصحاب الرتب الرفيعة، الطامحون والمتذمرون والمحايدون على حد سواء، كلهم تحت عين هذا الجهاز. أي قائد تتجاوز شعبيته الخطوط المسموح بها، أو يُبدي استقلالية في القرار، أو يُسمع تذمره في اجتماعات مغلقة، يجد فجأة أن ملفاً قديماً يُفتح باسمه أمام القضاء العسكري.
هذا الجهاز لا يجمع المعلومات عن الأعداء أولاً، بل يجمعها عن الرفاق. الملفات التي يحتفظ بها ليست للمحاكمة بالضرورة، بل للابتزاز بالدرجة الأولى. الجنرال الذي يعلم أن في درج مدير أمن الجيش ما يكفي لسجنه، يُصبح أطوع من الحمل حين يحتاج منه قائد الأركان توقيعاً على ورقة بيضاء.
هكذا يعمل النظام الفعلي: ليس بالإقناع، ولا بالقانون، بل بالملف المحفوظ والتوقيت المناسب لفتحه.
الفوضى كمنهج حكم
قد يرى البعض في هذا الوصف مبالغةً أو تهويلاً. لكن الأرقام وحدها كافية للردّ. ستة مدراء للأمن الداخلي في سبع سنوات. سبعة للأمن الخارجي في ست سنوات. مدراء مخابرات في السجون. مدراء آخرون فرّوا على قوارب التهريب. كل هذا ليس فوضى عارضة، بل هو نتاج نظام يعتمد على توازن الرعب أداةً للحكم.
في هذا النظام، لا يُراد لأحد أن يجمع قوةً كافية تمكنه من التفكير في الانفراد. كل مدير استخبارات يُبنى حوله جدارا من الشك المُنظَّم: يتجسس عليه جهاز آخر، وتُراقب اتصالاته مؤسسة ثالثة، ويظل ملفه الأسود حاضراً في خزانة شخص آخر. والنتيجة أن الضابط الذي يُفترض أنه يخطط لحماية الأمن القومي يقضي معظم وقته يتساءل إذا كان الرجل الجالس أمامه مُكلَّفاً بمراقبته.
حين يكون الحارس مشغولاً بحراسة نفسه من حارسه، فمن يحرس البلاد؟
هذا هو السؤال الذي لا تجيب عنه بيانات وزارة الدفاع الجزائرية، ولا خطب تبون عن “الجزائر الجديدة”. وهو السؤال الذي يُلخّص بعمق حقيقي معادلة الحكم في الجزائر عام 2026: دولة تمتلك أجهزة كثيرة، لكنها تفتقر إلى الثقة التي تجعل هذه الأجهزة تعمل معاً لا ضد بعضها.
خلاصة
المواطن الجزائري الذي طُولب عقوداً بالثقة في تلك الأجهزة الصامتة التي “تسهر على حمايته” يتابع اليوم هروب مدير مخابراته على قارب تهريب، واعتقال سلفه في زنزانة عسكرية، واستدعاء سجين سابق لتولي رئاسة جهاز. يتابع كل هذا كمن يتابع مسلسلاً لم يختر مشاهدته، لكنه لا يستطيع إيقافه.
الأجهزة التي أُريد لها أن تكون علبة سوداء، باتت زجاجاً مكسوراً تتطاير شظاياه أمام الجميع.


