أرشيف

الزوايا الصوفية التخصصية | حين يكون الشيخ أكثر تأثيراً من السفير

إمبراطورية الأرواح | خريطة نفوذ الزوايا الصوفية المغربية في أفريقيا (الحلقة السادسة)


في سياق الحديث عن النفوذ الروحي المغربي في أفريقيا، يميل الاهتمام دائماً إلى الأرقام الكبيرة والأسماء الأوسع صدىً. مئة مليون تيجاني، وعشرات الملايين من القادريين والشاذليين، هذه الأرقام تُهيمن على الخطاب وتصرف الأنظار عن حقيقة أن بعض أهم القرارات السياسية المتصلة بالمصالح المغربية في أفريقيا لم تُصنَع في اجتماعات مع شيوخ الطرق الكبرى، بل في مجالس أكثر خصوصية، وعبر قنوات أكثر رهافة، وبأدوات لا يُقيسها الإحصاء ولا يرصدها الصحفيون.

هذه هي الحلقة المخصصة لما أسميناه وحدات النخبة الروحية: الزوايا التخصصية التي لا تقيس قوتها بحجم أتباعها بل بنوعية تأثيرها. حين يُصدر مفتٍ شرعي في أبيدجان فتوى تُضفي الشرعية على مسألة خلافية، وحين يتحرك شيخ قبيلة في شمال مالي لوضع حد لنزاع مسلح، وحين يستأنس سياسي أفريقي كبير برأي عالم من المجامع الفقهية قبل اتخاذ موقف حساس، في كل هذه اللحظات تحضر هذه الزوايا وإن لم يُكتب اسمها في أي وثيقة رسمية.


الناصرية: حين تكون الكتب سلاحاً ناعماً لا يصدأ

zaouia nasiriya
الزاوية الناصرية بتمكروت

في قلب واحة درعة جنوب المغرب تقبع زاوية تمكروت الناصرية، التي أسسها الشيخ محمد بن ناصر في القرن السابع عشر الميلادي. هي لا تبدو بالوصف الخارجي مؤسسة نفوذ أفريقي، موقعها ناء وحضورها الإعلامي شبه معدوم، ولا تُنظّم مواسم جماهيرية حاشدة ولا تصدر بيانات سياسية. غير أن أي باحث متخصص في تاريخ الإسلام في غرب أفريقيا لن يجرؤ على تجاهلها.

ما بنته الناصرية عبر قرون هو الأمر الذي لا تستطيع أي مؤسسة بناؤه في عقود قليلة: شبكة من الصلات العلمية والفقهية مع أرقى العقول الدينية في أفريقيا الغربية والصحراء الكبرى، مبنية على قاعدة صلبة من المبادلة العلمية وتكوين الطلاب وحفظ التراث المخطوط. مكتبة تمكروت تضم آلاف المخطوطات التي جمعتها الزاوية على مدى قرون من التبادل العلمي مع العلماء الأفارقة، وهي اليوم إرث مشترك يجعل عالماً في تمبكتو أو نواكشوط يشعر بأن جزءاً من ذاكرته العلمية مودَع في زاوية في درعة.

هذا البُعد في الذاكرة العلمية المشتركة هو ما يمنح الناصرية قدرة تأثير فريدة لا تملكها الطرق الجماهيرية. العالم الأفريقي الذي تلقّى جزءاً من تكوينه على مخطوطات تمكروت أو الذي يعرف أن أجداده العلميين كانوا على صلة بالزاوية الناصرية لا يحتاج إلى حجج إضافية ليقبل المرجعية المغربية، هي جزء من هويته العلمية قبل أن تكون خياراً سياسياً.

لكن الناصرية اليوم تواجه تحدياً وجودياً صامتاً: مخطوطاتها النفيسة في سباق مع الزمن والإهمال والمناخ القاسي. مبادرات الرقمنة التي انطلقت في السنوات الأخيرة بدعم مغربي ودولي تمثّل استثماراً استراتيجياً حقيقياً، لأن المخطوط المرقمَن الذي يصل إلى طالب علم في داكار أو كانو يمتد أثره إلى ما هو أبعد مما يبلغه أي برنامج دبلوماسي تقليدي.


الكتانية: سلطة المجامع الفقهية ونفوذ العلماء المحترفين

zaouia kittania
الزاوية الكتانية

الزاوية الكتانية مرتبطة بفاس التي تحتضن مقرها الرئيسي، وبأسرة شريفة امتهنت العلم جيلاً بعد جيل في صميم الحضارة العلمية لعاصمة المملكة الروحية. ما يميزها عن غيرها أنها طريقة العلماء المحترفين بامتياز، فمريدوها في أفريقيا ليسوا في الغالب من عامة الناس بل من طلاب العلم الشرعي وأساتذة الجامعات الإسلامية والمفتين والقضاة الشرعيين.

هذا التموضع النخبوي يمنح الكتانية نفوذاً في بيئات محددة جداً لكنها بالغة الأهمية: كليات الشريعة الأفريقية، والمجامع الفقهية، ولجان الفتوى الوطنية، والمؤتمرات العلمية الإسلامية. في هذه البيئات يكون التأثير عبر المرجعية المغربية، عبر مدرستها المالكية الأشعرية وعبر علاقاتها بالأوساط الأكاديمية الإسلامية المغربية، أمضى بكثير من أي حضور دبلوماسي رسمي.

السنغال هي الرقعة الجغرافية الأكثر أهمية للكتانية في أفريقيا جنوب الصحراء، وذلك لأن السنغال تمتلك إلى جانب تجذرها التيجاني الضخم تقليداً علمياً إسلامياً راسخاً ورثه عن علمائها الشنقيطيين وصلاته بالمغرب وثيقة عبر قرون من التبادل والتكوين. هذا يجعل النخبة العلمية السنغالية مفترق طريقين: هي تيجانية الهوية الجماعية الشعبية، وكتانية الميول الأكاديمية في حالات كثيرة.

لكن ما يجعل الكتانية ذات أهمية استراتيجية تتجاوز السنغال هو دورها في صياغة الفتاوى والمواقف الفقهية التي تحكم حياة الملايين في أفريقيا. الفتوى التي يصدرها عالم كتاني في كلية شريعة أفريقية تستند إلى المرجعية الفقهية المالكية المغربية تعني في آخر المطاف أن المغرب يحضر في أدق تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين الأفارقة، من أحكام المعاملات إلى مسائل الأسرة إلى المواقف من القضايا الكبرى، وهذا النوع من الحضور لا يُقاس بأعداد المريدين ولا يُرصد في استطلاعات الرأي.


الوزانية: الأشراف الذين أرعبوا فرنسا الاستعمارية

zaouia ouazzania
الزاوية الوزانية

لا توجد زاوية مغربية تمثّل شاهداً تاريخياً أكثر فصاحة على القوة الاستثنائية للبُعد الروحي في السياسة كالزاوية الوزانية. مدينة وزان في شمال المغرب احتضنت منذ القرن السابع عشر شيوخ أشراف أدارسة يتوارثون سلطة روحية عابرة للحدود امتدت جنوباً إلى موريتانيا ومالي وشرقاً إلى تلمسان وتوات.

غير أن ما يجعل الوزانية ظاهرة استثنائية في التاريخ السياسي للمنطقة هو أن سلطتها الروحية بلغت درجة جعلت القوى الاستعمارية الأوروبية، وفرنسا تحديداً، تحسب لها حساباً دقيقاً في خططها التوسعية. المقيم الفرنسي العام كان يعرف أن قرار شريف وزان تتحرك قبله آلاف القلوب في مستعمرات لم تتفتح بعد أمام مرسوم باريس. وقد وثّقت التقارير الفرنسية في القرن التاسع عشر قلقاً صريحاً من نفوذ شريف وزان في عمق المستعمرات الأفريقية، مما جعل فرنسا تسعى أحياناً إلى استمالة الزاوية بدلاً من مواجهتها، وهو اعتراف ضمني بأن قوتها تتجاوز ما تستطيع أي قوة عسكرية احتواءه.

هذا التاريخ الاستثنائي ليس مجرد إرث متحفي. العائلات الموريتانية الكبرى والنخب التقليدية في مالي والنيجر التي تربطها بالوزانية صلات روحية موروثة تتوارثها الأجيال هي بالضبط الطبقة الاجتماعية التي يصعب الوصول إليها بالأدوات الدبلوماسية الاعتيادية. حين يستأنس زعيم قبلي موريتاني كبير بشيخ وزاني في قرار مصيري، فإن هذا الاستئناس يحمل في طياته موقفاً من المرجعية المغربية لا يحتاج إلى تفسير.

الوزانية اليوم تعمل بصورة أهدأ مما كانت عليه في ذروة نفوذها التاريخي، لكن صمتها لا يعني غيابها. هي تحتفظ بوظيفة خزان الذاكرة المشتركة بين النخب التقليدية الأفريقية والمرجعية المغربية، وهذا الخزان لا يفرغ لأن مادته ليست الأموال أو البرامج بل الذاكرة الجماعية الحية.


هذه الزوايا في المنظومة الكبرى: الفاعلية النوعية التي لا تُعوَّض

يصف بعض الباحثين هذه الزوايا التخصصية بـ”دبلوماسية الظل” في الفضاء الروحي الأفريقي، وهو وصف دقيق من حيث المكانة الخفية لكنه قد يقلل من الفاعلية التي تتمتع بها هذه الزوايا. إنها ليست في الظل لأنها ضعيفة، بل لأنها تختار الظل منهجاً.

الفارق الجوهري بين هذه الزوايا التخصصية والطرق الكبرى كالتيجانية والقادرية هو في طبيعة التأثير لا في حجمه. التيجانية والقادرية تحرّكان الكتل الشعبية وتؤثران في المزاج العام وفي الانتخابات وفي الرأي العام الواسع. أما الناصرية والكتانية والوزانية فتتحرك في مستوى آخر تماماً: مستوى الفتوى المؤثرة في القرار الديني، ومستوى الرأي الذي يسمعه السياسي قبل اتخاذ موقف حساس، ومستوى الوساطة التي تحلّ ما عجزت عنه الدبلوماسية الرسمية.

تجدر الإشارة إلى أن الزاوية الشيخية أو الكنتية، التي تناولناها في سياق الفروع القادرية، تشترك مع هذه الزوايا في طبيعة عملها النخبوي القبلي وفي وظيفتها التحكيمية في مناطق الساحل والصحراء الكبرى، وإن كان انتسابها القادري يضعها في خانة مختلفة من حيث الأصل والإسناد.

كخلاصة، فالمنظومة المغربية المتكاملة في أفريقيا لا تستقيم دون المستويين معاً: التيجانية توفر القاعدة العريضة، وهذه الزوايا توفر الفاعلية النوعية في المفاصل الحرجة. التفريط في أيٍّ من المستويين إضعاف للمنظومة بأسرها، والتركيز على العدد وحده دون الاهتمام بالنوع خطأ استراتيجي يُشبه من يحسب جيشه بالرأس لا بالكفاءة.

في الحلقة السابعة والأخيرة نحاول الإجابة على الأسئلة الأصعب: كيف يدير المغرب اليوم هذا الرأسمال الروحي الهائل؟ وما هي الأدوات المعاصرة لهذه الإدارة؟ ومن هم المنافسون الجدد الساعون إلى اقتطاع نصيبهم من الخريطة الروحية الأفريقية؟

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى