
الذكاء الاصطناعي في التكتيكات العسكرية: نحو توطين المعرفة وبناء منظومات دفاعية ذكية في الدولة الحديثة
د. محمد الكيالي (رئيس الاتحاد الدولي للتكنولوجيا والاتصالات IFGICT-U.S.A
مقدمة
يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة في بنية القوة الدولية، حيث لم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بحجم الجيوش أو تطور العتاد التقليدي، بل أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالقدرة على دمج التكنولوجيا المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، ضمن منظومات اتخاذ القرار والتخطيط والتنفيذ. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم العناصر المؤثرة في إعادة تشكيل المفاهيم العسكرية الحديثة، خاصة في ما يتعلق بالتكتيكات الميدانية، وأنظمة القيادة والسيطرة، وتحليل البيانات في الزمن الحقيقي.
إن إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري لا يهدف فقط إلى رفع الكفاءة العملياتية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف مفهوم “القرار العسكري” ذاته، من كونه قراراً بشرياً بحتاً إلى قرار هجين يجمع بين الإنسان والخوارزمية. ومن هنا تبرز أهمية توطين المعرفة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل مؤسسات الدولة، بما يضمن استقلالية القرار السيادي، ويقلل من التبعية التكنولوجية، ويعزز القدرة الدفاعية الوطنية.
جدول المحتويات
أولاً: الذكاء الاصطناعي كتحول بنيوي في الفكر العسكري
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة في المجال العسكري، بل أصبح عنصراً بنيوياً يعيد تشكيل طريقة التفكير في إدارة العمليات. فهو يساهم في:
- تحليل كميات ضخمة من البيانات في وقت قصير ،
- دعم اتخاذ القرار في الزمن الحقيقي ،
- تحسين الوعي الميداني عبر أنظمة الاستشعار والتحليل ،
- تعزيز قدرات التنبؤ بالسيناريوهات المحتملة .
هذا التحول يعني أن الجيوش الحديثة لم تعد تعتمد فقط على “الخبرة البشرية الميدانية”، بل على منظومات تحليل ذكية قادرة على معالجة معطيات معقدة في لحظات حاسمة.
غير أن هذا التطور يطرح أيضاً إشكاليات تتعلق بالسيادة التكنولوجية، ودرجة الاعتماد على الخارج في تطوير الخوارزميات والبنى التحتية الرقمية، وهو ما يجعل مسألة “توطين الذكاء الاصطناعي” ضرورة استراتيجية وليست خياراً ثانوياً.
ثانياً: توطين الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الدفاعية
يقصد بتوطين الذكاء الاصطناعي نقل المعرفة التقنية وتطويرها محلياً داخل مؤسسات الدولة، بدلاً من الاعتماد الكامل على مصادر خارجية. ويشمل ذلك:
- تطوير مراكز بحث عسكرية ومدنية مشتركة ،
- إنشاء بنية تحتية للبيانات الوطنية ،
- تدريب الكفاءات المحلية في علوم الذكاء الاصطناعي ،
- بناء نماذج خوارزمية مخصصة للبيئة الوطنية .
إن أهمية هذا التوطين تكمن في تقليل الفجوة التكنولوجية بين الدول، وضمان عدم تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة خاضعة بالكامل للهيمنة الخارجية. كما أنه يتيح للدولة التحكم في البيانات الحساسة المرتبطة بالأمن والدفاع.
ثالثاً: العنصر البشري والتكنولوجيا في منظومة التصنيع العسكري الذكي
رغم التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن العنصر البشري يظل محورياً في أي منظومة عسكرية ذكية، حيث لا يمكن فصل التكنولوجيا عن الإطار البشري الذي يقوم بتشغيلها وتطويرها وتوجيهها. وفي هذا السياق، يمكن التأكيد على أن العنصر البشري في عملية التصنيع يعتمد على مجموعة من المهارات والأدوات المستخدمة، بينما يُعدّ العنصر التكنولوجي، بما في ذلك الشرائح المتقدمة للذكاء الاصطناعي المستخدمة في التكتيكات العسكرية، محوراً أساسياً في عملية التصنيع، والتي قد تواجه مجموعة من التحديات لدى الدولة إذا كانت غير مستعدة من الناحية التقنية.
وانطلاقاً من ذلك، فإن التكنولوجيا لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى:
- مهندسين ومبرمجين ذوي كفاءة عالية،
- ضباط تحليل وتشغيل قادرين على فهم النماذج الذكية،
- خبراء في الأمن السيبراني وحماية البيانات،
- باحثين في الذكاء الاصطناعي التطبيقي العسكري.
وفي المقابل، تعتمد المنظومة التكنولوجية على مكونات مادية متقدمة مثل الشرائح الإلكترونية عالية الأداء، ووحدات المعالجة المتخصصة، وأنظمة الاتصال السريع. ويشكل هذا التكامل بين الإنسان والآلة جوهر مفهوم “التصنيع العسكري الذكي”.
غير أن التحدي الأساسي يكمن في أن بعض الدول قد تمتلك التكنولوجيا دون امتلاك الكفاءات البشرية القادرة على تشغيلها وتطويرها، أو تمتلك الكفاءات البشرية دون بنية تكنولوجية متقدمة، مما يخلق فجوة هيكلية داخل المنظومة الدفاعية ويؤثر على فعاليتها الشاملة.
رابعاً: عامل الزمن والسرعة في اتخاذ القرار العسكري الذكي

من أهم الخصائص التي تميز استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري هو عنصر الزمن. فالمعارك الحديثة لا تُدار فقط على مستوى القوة النارية، بل على مستوى السرعة في معالجة المعلومات واتخاذ القرار.
في بيئات الاشتباك المعقدة، يمكن أن تكون الفروقات الزمنية في معالجة البيانات أو اتخاذ القرار حاسمة للغاية. فكل تأخير، حتى وإن كان جزءاً من الثانية، قد يؤدي إلى:
- فقدان ميزة التكتيك اللحظي ،
- انخفاض القدرة على الاستجابة السريعة ،
- اضطراب في سلسلة القيادة والسيطرة ،
- ضعف في التنسيق بين الوحدات الميدانية .
ولهذا فإن الأنظمة العسكرية الحديثة تعتمد على ما يسمى بـ “الاستجابة الفورية المعززة بالذكاء الاصطناعي”، حيث يتم تقليص زمن التحليل واتخاذ القرار إلى أدنى مستوى ممكن.
ومع ذلك، فإن الوصول إلى هذا المستوى يتطلب بنية تحتية قوية للغاية من حيث المعالجة الحاسوبية، والاتصال الشبكي، ونقل البيانات في الزمن الحقيقي.
خامساً: تحديات البنية التكنولوجية والاعتماد الخارجي
تُعدّ عملية إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري من أكثر التحولات تعقيداً في بنية الجيوش الحديثة، إذ لا تتعلق فقط بتبني أدوات رقمية جديدة، بل بإعادة هندسة المنظومة الدفاعية برمتها على أسس معرفية وتقنية متقدمة. وفي هذا السياق، تواجه العديد من الدول النامية والعربية جملة من التحديات البنيوية والاستراتيجية التي تحدّ من قدرتها على تحقيق استقلالية تكنولوجية في هذا المجال الحيوي. ويمكن تفصيل هذه التحديات على النحو التالي:
1. ضعف البنية التحتية الرقمية
يمثل ضعف البنية التحتية الرقمية أحد أبرز العوائق أمام تطوير منظومات عسكرية قائمة على الذكاء الاصطناعي. فهذه التقنيات تعتمد بشكل أساسي على توفر شبكات اتصال فائقة السرعة، وقدرات حوسبة عالية، ومراكز بيانات ضخمة قادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات في الزمن الحقيقي.
في العديد من الدول النامية، لا تزال البنية الرقمية تعاني من محدودية في التغطية الجغرافية، وضعف في سرعات الإنترنت، إضافة إلى غياب مراكز بيانات سيادية متطورة (Data Centers) تُعدّ العمود الفقري لأي منظومة ذكاء اصطناعي عسكري. هذا القصور يجعل من الصعب تشغيل تطبيقات متقدمة مثل أنظمة القيادة والسيطرة الذكية، أو الطائرات المسيّرة ذاتية التوجيه، أو أنظمة تحليل البيانات الاستخباراتية في الزمن الفعلي.
كما أن ضعف البنية السحابية المحلية (Cloud Infrastructure) يدفع بعض المؤسسات الدفاعية إلى الاعتماد على حلول خارجية، وهو ما يفاقم من إشكالات الأمن السيبراني ويحدّ من مرونة اتخاذ القرار العسكري المستقل.
2. الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية
يشكل الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأجنبية تحدياً استراتيجياً بالغ الحساسية، لأنه لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يمتد إلى البعد السيادي والأمني للدولة.
فكثير من الدول النامية تستورد البرمجيات الدفاعية، وأنظمة الرادار الذكية، وخوارزميات التحليل العسكري من شركات أجنبية، ما يجعلها في موقع التبعية التكنولوجية. هذا الوضع يثير عدة مخاطر، من بينها احتمال وجود “أبواب خلفية” (Backdoors) في البرمجيات، أو إمكانية تعطيل الأنظمة في حالات التوتر السياسي أو النزاع الدولي.
إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد على المورد الخارجي يحد من قدرة الدولة على تطوير منظومة معرفية محلية، ويُضعف من تراكم الخبرة الوطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي الدفاعي. كما يؤدي إلى تبعية طويلة الأمد في سلاسل الإمداد التكنولوجي، ما يجعل الاستقلال الاستراتيجي في المجال العسكري أمراً صعب التحقيق.
3. نقص الكفاءات المتخصصة

يُعدّ العنصر البشري أحد أهم ركائز تطوير الذكاء الاصطناعي العسكري، إلا أن العديد من الدول تعاني من نقص واضح في الكفاءات المتخصصة في هذا المجال الدقيق.
فالذكاء الاصطناعي الدفاعي يتطلب خبرات متقدمة تجمع بين علوم الحاسوب، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والهندسة العسكرية، وهو ما لا يتوفر بسهولة في السوق المحلي للعديد من الدول النامية. كما أن هجرة العقول (Brain Drain) نحو الدول المتقدمة تزيد من تعميق هذه الفجوة، حيث يغادر العديد من الخبراء للعمل في شركات تكنولوجية عالمية توفر بيئة بحثية وتمويلية أكثر جاذبية.
هذا النقص ينعكس مباشرة على محدودية القدرة على الابتكار المحلي، ويجعل معظم المشاريع الدفاعية في مجال الذكاء الاصطناعي تعتمد على نقل التكنولوجيا بدل إنتاجها. كما يؤدي إلى ضعف في القدرة على تطوير حلول مخصصة تتناسب مع البيئة الأمنية والجغرافية المحلية.
4. التكلفة العالية للتطوير
يمثل العامل المالي أحد أبرز القيود التي تواجه إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، نظراً للتكاليف المرتفعة المرتبطة بعمليات البحث والتطوير (R&D).
فبناء أنظمة عسكرية ذكية يتطلب استثمارات ضخمة تشمل إنشاء مراكز بحث متقدمة، وتوفير أجهزة حوسبة عالية الأداء (High-Performance Computing)، وتطوير خوارزميات معقدة، فضلاً عن تدريب الكوادر البشرية بشكل مستمر. كما أن تحديث هذه الأنظمة بشكل دوري لمواكبة التطور السريع في التكنولوجيا يزيد من الأعباء المالية على ميزانيات الدفاع.
وفي ظل محدودية الموارد الاقتصادية في العديد من الدول النامية، يصبح من الصعب تخصيص ميزانيات كافية لمثل هذه المشاريع الاستراتيجية، خاصة في ظل وجود أولويات تنموية أخرى مثل التعليم والصحة والبنية التحتية. هذا التوازن الصعب بين التنمية والأمن يفرض قيوداً واقعية على سرعة تبني الذكاء الاصطناعي العسكري.
5. التحديات القانونية والأخلاقية
إلى جانب التحديات التقنية والمالية، تبرز مجموعة من الإشكالات القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وهي إشكالات لا تزال قيد النقاش على المستوى الدولي.
فمن أبرز هذه القضايا مسألة “حدود القرار الآلي” في العمليات العسكرية، أي إلى أي مدى يمكن السماح للأنظمة الذكية باتخاذ قرارات تتعلق باستخدام القوة أو تحديد الأهداف دون تدخل بشري مباشر. هذا يثير جدلاً واسعاً حول مسؤولية القرار في حال وقوع أخطاء أو خسائر بشرية غير مقصودة.
كما تطرح هذه التكنولوجيا إشكالية المسؤولية القانونية: هل تُحمَّل للمطورين؟ أم للقادة العسكريين؟ أم للدولة؟ في ظل غياب إطار قانوني دولي واضح ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري، تظل هذه الأسئلة مفتوحة ومعقدة.
إضافة إلى ذلك، هناك اعتبارات أخلاقية تتعلق بمبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ومدى قدرة الخوارزميات على احترام قواعد القانون الدولي الإنساني. فحتى مع التطور الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي، تبقى مسألة “الضمير الأخلاقي الآلي” محل نقاش عميق بين الخبراء.
يتضح من خلال هذه التحديات أن إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري لا يمكن اعتباره مجرد خيار تقني، بل هو مشروع استراتيجي شامل يتطلب بنية تحتية رقمية متقدمة، واستقلالية تكنولوجية، ورأس مال بشري مؤهل، إلى جانب أطر قانونية وأخلاقية واضحة.
وبالتالي، فإن الدول التي تسعى إلى دخول هذا المجال تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تقوم على مبدأ “التوطين التكنولوجي”، وليس مجرد الاستيراد، بما يضمن تحقيق توازن بين متطلبات الأمن القومي ومقتضيات السيادة الرقمية في عصر تتسارع فيه التحولات التكنولوجية بشكل غير مسبوق.
سادساً: نحو نموذج وطني للذكاء الاصطناعي الدفاعي
إن بناء نموذج وطني للذكاء الاصطناعي الدفاعي لا يمكن أن يتم بشكل ارتجالي أو ظرفي، بل يتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على إدماج البعد التكنولوجي ضمن عقيدة الأمن القومي للدولة. ويُفترض أن يرتكز هذا النموذج على مجموعة من الدعائم المتكاملة التي تضمن الانتقال من مرحلة الاستهلاك التكنولوجي إلى مرحلة الإنتاج والابتكار السيادي.
1. الاستثمار في البحث العلمي
يمثل البحث العلمي القاعدة الصلبة لأي منظومة ذكاء اصطناعي دفاعي. فالدول التي استطاعت تحقيق تقدم في هذا المجال اعتمدت على منظومات بحثية قوية وممولة بشكل مستمر.
ومن ثمّ، فإن دعم الجامعات ومراكز البحث لا ينبغي أن يقتصر على التمويل التقليدي، بل يجب أن يشمل إنشاء مختبرات متخصصة في الذكاء الاصطناعي الدفاعي، وتشجيع الأبحاث التطبيقية المرتبطة بالاحتياجات العسكرية الواقعية، إضافة إلى ربط البحث العلمي بالسياسات الدفاعية للدولة.
2. الشراكة بين القطاعين المدني والعسكري
إن تطوير الذكاء الاصطناعي الدفاعي لم يعد حكراً على المؤسسات العسكرية وحدها، بل أصبح يتطلب انفتاحاً على القطاع الخاص، خاصة الشركات التكنولوجية الناشئة.
فالشراكة بين القطاعين المدني والعسكري تتيح نقل المعرفة والخبرة بسرعة أكبر، كما تساهم في تسريع الابتكار وتقليص الفجوة الزمنية بين التطوير والتطبيق. ويُعدّ هذا النموذج (Dual-use Technology) أحد أهم الاتجاهات الحديثة في الصناعات الدفاعية العالمية.
3. تطوير التعليم التقني
يُعتبر العنصر البشري محور أي تحول تكنولوجي ناجح. لذلك، فإن إدراج تخصصات الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والأمن السيبراني ضمن البرامج الأكاديمية يمثل خطوة أساسية لبناء جيل جديد من الكفاءات الوطنية.
كما ينبغي إعادة هيكلة المناهج التعليمية لتكون أكثر ارتباطاً بالتطبيقات العملية، مع تعزيز التدريب الميداني داخل مؤسسات الدفاع والتكنولوجيا، بما يضمن تكوين خبرات قادرة على التعامل مع بيئات عسكرية رقمية معقدة.
4. إنشاء منظومة بيانات وطنية آمنة
تُعد البيانات الوقود الأساسي لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وبدونها تفقد هذه الأنظمة فعاليتها. ومن ثم، فإن إنشاء منظومة بيانات وطنية آمنة يشكل ركيزة مركزية في أي نموذج دفاعي حديث.
ويتطلب ذلك بناء قواعد بيانات محمية سيبرانياً، تُستخدم في تدريب الخوارزميات دون تعريض المعلومات الحساسة لأي اختراق أو تسريب. كما يجب وضع أطر قانونية صارمة لتنظيم جمع البيانات وتخزينها واستخدامها، بما يضمن التوازن بين الفعالية الأمنية وحماية السيادة الرقمية.
5. تعزيز السيادة الرقمية
تُعد السيادة الرقمية أحد أهم أبعاد الاستقلال الاستراتيجي في العصر الحديث. فالدولة التي لا تتحكم في بنيتها التكنولوجية تظل عرضة للتبعية والاختراق.
لذلك، فإن تطوير حلول محلية بديلة للأنظمة الأجنبية، سواء في البرمجيات أو البنية التحتية أو الخدمات السحابية، يمثل خطوة جوهرية نحو بناء منظومة دفاعية مستقلة. كما أن تعزيز السيادة الرقمية يتيح للدولة مرونة أكبر في إدارة بياناتها العسكرية وحمايتها من التدخلات الخارجية.
سابعاً: الذكاء الاصطناعي وإعادة تعريف مفهوم القوة العسكرية
إن إدماج الذكاء الاصطناعي في التكتيكات العسكرية لا يقتصر على تحسين أدوات الحرب التقليدية، بل يؤدي إلى تحول جذري في طبيعة مفهوم القوة ذاته. فالقوة العسكرية لم تعد تُقاس فقط بالمؤشرات الكلاسيكية، بل أصبحت تتحدد وفق معايير أكثر تعقيداً وديناميكية.
فبدلاً من التركيز على:
• عدد الجنود،
• حجم المعدات العسكرية،
• القدرات التقليدية للقوة النارية،
أصبح يُنظر إلى عناصر جديدة أكثر تأثيراً في موازين الردع والصراع، من بينها:
• سرعة معالجة المعلومات واتخاذ القرار،
• دقة التحليل التنبؤي للتهديدات،
• كفاءة أنظمة القيادة والسيطرة الذكية،
• القدرة على العمل في بيئات رقمية مترابطة ومعقدة،
وبهذا المعنى، تتحول القوة العسكرية من مفهوم مادي تقليدي إلى منظومة معرفية-تكنولوجية متكاملة، يصبح فيها الذكاء الاصطناعي عنصراً محورياً في إنتاج القوة وليس مجرد أداة مساعدة. كما أن هذا التحول يعيد تشكيل العقائد العسكرية، حيث تصبح السيطرة على المعلومات لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية امتلاك البنية التحتية الرقمية المتقدمة كشرط أساسي لتحقيق التفوق. كما أن التفوق لم يعد مرتبطاً بالكمّ، بل بالكيف والسرعة في معالجة المعطيات. ويؤدي ذلك إلى بروز أنماط جديدة من الردع تعتمد على الذكاء الاصطناعي أكثر من الاعتماد على التفوق العددي التقليدي. كما أن هذا التحول يفرض إعادة النظر في استراتيجيات التخطيط العسكري بما يتلاءم مع طبيعة الحروب الرقمية الحديثة.
ثامناً: البعد الاستراتيجي لتوطين الذكاء الاصطناعي
إن توطين الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الدفاعية لا يُعد مجرد خيار تقني أو إداري، بل هو مشروع استراتيجي وسيادي بامتياز، يرتبط مباشرة بمستقبل الأمن القومي للدول.
فهذا التوطين يهدف بالأساس إلى:
- تقليل مستويات الاعتماد على الخارج في المجالات الحساسة،
- تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية في اتخاذ القرار الدفاعي،
- حماية الأمن القومي الرقمي من الاختراقات والتدخلات الخارجية،
- وبناء قدرة تنافسية تكنولوجية تمكّن الدولة من مواكبة التحولات العالمية،
كما أن توطين هذه التكنولوجيا يتيح للدولة فرصة تطوير حلول مخصصة تتناسب مع خصوصياتها الجغرافية والسياسية والأمنية، بدلاً من الاعتماد على نماذج جاهزة ومستوردة قد لا تعكس طبيعة التهديدات المحلية أو متطلبات البيئة العملياتية.
وبذلك، يصبح التوطين ليس فقط وسيلة للتحديث، بل أداة لإعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية وتعزيز مكانة الدولة في النظام الدولي المعاصر.
خاتمة
إن الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري يمثل نقطة تحول جوهرية في تاريخ التطور التكنولوجي للدول. فهو ليس مجرد أداة دعم، بل منظومة متكاملة تعيد تشكيل طريقة التفكير في الأمن والدفاع، وتفرض إعادة تعريف شاملة لمفهوم القوة والسيادة. غير أن هذا التحول العميق يفرض على الدول تحديات متزايدة تتعلق بالبنية التحتية الرقمية، والموارد البشرية المؤهلة، ومستوى السيادة التكنولوجية القادر على ضمان الاستقلالية في اتخاذ القرار الدفاعي.
ومن هنا، فإن النجاح في هذا المجال لا يعتمد فقط على امتلاك التكنولوجيا أو استيرادها، بل يرتبط أساساً بالقدرة على توطينها وتطويرها داخل مؤسسات الدولة، بما يضمن بناء منظومة دفاعية ذاتية قادرة على التكيف مع التحولات المتسارعة في بيئة الصراع الحديثة. كما أن إدماج الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال يساهم في تعزيز مناعة الدولة، ورفع كفاءة أنظمتها الدفاعية، وتطوير قدرتها على الاستجابة للتهديدات المعقدة وغير التقليدية.
وفي النهاية، فإن مستقبل القوة العسكرية للدول لن يُحسم فقط في ميادين المواجهة التقليدية، بل في ميادين المعرفة والذكاء الاصطناعي، حيث تصبح السرعة والدقة والتحليل الذكي عناصر حاسمة في إعادة تشكيل موازين القوة على المستوى الدولي.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة تفرض حسم المنطق في تطوير أدوات قادرة على تفعيل هذه السرعة المتباينة أثناء المعركة، والعمل في الوقت ذاته على استقطاب المعرفة وتوطينها في تطوير الأجهزة التقنية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، بما يضمن تعزيز الفاعلية العملياتية وترسيخ الاستقلالية التكنولوجية للدول.




