
أبريل 2026: ماذا ينتظر المغرب من مجلس الأمن تتويجا لمسار “الواقعية الجديدة”؟
ثمة لحظات في التاريخ الدبلوماسي تبدو في ظاهرها امتداداً رتيباً لما سبقها، بينما تنطوي في جوهرها على تحولات هيكلية عميقة لا تُلمس إلا بعد مرور الوقت. جلسة أبريل 2026 في مجلس الأمن الدولي حول الصحراء المغربية تنتمي إلى هذا الصنف النادر من اللحظات الفارقة؛ إذ تأتي هذه المرة محمّلة بثقل من نوع مختلف، ثقل الإرادة الدولية التي بلغت حدّ النضج، والمعطيات الميدانية التي تجاوزت مرحلة التراكم لتصل إلى مرحلة الاشتعال. ما يجري تحت سقف الأمم المتحدة في هذه المرحلة ليس مجرد مراجعة دورية لتقرير الأمين العام، بل هو في الحقيقة اختبار لمدى قدرة المنظومة الأممية على اللحاق بقطار الواقعية السياسية الذي انطلق دون انتظارها.
الحكم على هذه الجلسة يستوجب استيعاب السياق التفاوضي الذي سبقها، لا سيما الدور المحوري الذي أدّاه مسعد بولص، المبعوث الرئاسي الأمريكي، في عملية يصفها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بأنها “ضغط هادف” تجاوز الأطر البروتوكولية المعتادة. الجولات التفاوضية التي قادها بولص بين الرباط ومدريد وواشنطن خلال الأشهر الماضية أسست لمنطق جديد في التعامل مع هذا الملف؛ منطق يفترض أن الوقت الذي كانت فيه كل الخيارات مطروحة على الطاولة قد انتهى، وأن المرحلة القادمة ليست مرحلة تسوية بل مرحلة إجراء. ما يُسرَّب من كواليس الخارجية الأمريكية يكشف عن إصرار واشنطن على تضمين لغة في بيان مجلس الأمن تصف خطة الحكم الذاتي بوصفها “المسار الوحيد الممكن”، وهي صياغة ثورية بكل المقاييس إذا قِيست بالصيغ الحذرة التي كانت تتبناها المنظومة الأممية طيلة العقود الماضية.
الإدارة الأمريكية لا تعمل في فراغ، بل تستند إلى واقع جيوسياسي يمنحها نفوذاً حقيقياً على معادلة المجلس. فالتحولات التي شهدتها مواقف القوى الغربية الكبرى، من التأييد الإسباني الصريح إلى الانعطافة الفرنسية الاستراتيجية، رسّخت قناعة مفادها أن بقاء هذا الملف في حالة “اللاحسم المزمن” لم يعد مقبولاً، لا أخلاقياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً. مؤسسة هيريتيج، وهي من أكثر مراكز التفكير المحافظة تأثيراً في رسم توجهات الإدارة الجمهورية الحالية، تتبنى صراحةً الموقف القائل بأن “الصخرة الأمريكية” وراء المبادرة المغربية هي المتغير الوحيد القادر على كسر الجمود الأممي. وهذا الموقف يتقاطع مع تحليلات الدوائر الأكاديمية في جامعة جونز هوبكنز حول ما باتت تسميه “الواقعية الأطلسية الجديدة”، التي ترى في مشروع الحكم الذاتي المغربي نموذجاً لحل النزاعات يصلح للتعميم في مناطق أخرى من العالم.
في إسبانيا، تنظر الدوائر المقربة من المونكلوا والمراكز البحثية كمركز ماريانو لويولا إلى هذه المراجعة الأممية باعتبارها لحظة التصديق الجماعي على قرار بدأ تشكّله في مدريد قبل سنوات. إسبانيا التي كانت تاريخياً محور الثقل الأوروبي المتردد في هذا الملف، باتت اليوم تُعرّف موقفها منه بوصفه “ركيزة من ركائز استراتيجيتها في جنوب المتوسط”. المحللون الإسبان لا يخفون توقعهم بأن تفتح موافقة أممية صريحة على مسار الحكم الذاتي الباب أمام تدفق استثمارات أوروبية كبرى نحو الأقاليم الجنوبية، لا سيما في قطاعات الطاقة الشمسية والرياح البحرية وبنية موانئ الداخلة، التي باتت تُوصف في بعض التقارير الأوروبية بأنها “روتردام الأطلسية المستقبلية”. الرؤية الإسبانية تذهب إلى أن إقفال ملف الصحراء المغربية لن يُنهي نزاعاً فحسب، بل سيُطلق مشروع تكامل اقتصادي أطلسي بحجم استراتيجي غير مسبوق، تكون فيه مدريد شريكاً محورياً لا مجرد جار جنوبي حذر.
الموقف الفرنسي، الذي يخضع للمتابعة والتحليل بالدقة التي يستحقها، يُضيف طبقة أخرى من العمق إلى هذا المشهد. المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI)، الذي يُعدّ منذ عقود صوت المؤسسة الدبلوماسية الباريسية غير الرسمي، يُقرأ منه بوضوح أن فرنسا انتقلت من مرحلة “التأييد الكلامي الودّي” إلى مرحلة “الضمانة القانونية الفعلية” داخل أروقة مجلس الأمن. وبينما كانت باريس في السابق تتمسك بلغة التوازن الدبلوماسي التي تُرضي الجميع ولا تُلزم أحداً، فإنها اليوم تضغط باتجاه ترجمة قرار مجلس الأمن رقم 2797 إلى خطوات إجرائية متسلسلة. فرنسا لديها ما تربحه من هذا التحول؛ فالمصالحة المغربية الفرنسية الشاملة تحتاج إلى سقف دولي يُشرعنها ويُحوّلها من اتفاق ثنائي مؤقت إلى شراكة استراتيجية راسخة يُباركها القانون الدولي، وهذا بالضبط ما تسعى باريس للحصول عليه من جلسة أبريل.
تقرير ستيفان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام، يحظى في هذه الدورة بترقب استثنائي يتخطى الاهتمام المعتاد بمثل هذه الوثائق. التسريبات المتداولة في أروقة الدبلوماسية الأممية تشير إلى أن التقرير سيحمل نبرة أكثر صراحة وأقل تحوطاً مما اعتاده المراقبون، ولا سيما في ما يخص وصف الواقع التنموي في العيون والداخلة. هذا التوجه التحليلي لا يخلو من دلالة سياسية بالغة؛ فتسليط الضوء على التنمية الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية يعني ضمنياً تفكيك أطروحات الانفصال من داخلها، إذ يُظهر أن السكان المحليين يعيشون في إطار مشروع تنموي متقدم، لا في ظل احتلال جامد. التحليلات الفرنسية تذهب أبعد من ذلك لتقول إن هذا المسار يُحوّل الحكم الذاتي من مجرد تسوية سياسية للنزاع إلى حاجة تنموية تستجيب لتطلعات السكان، وهو تحويل في السياق الخطابي له أثر هائل على ديناميكية المفاوضات.
المغرب من جهته يدخل هذه الجلسة بمعادلة توقعات تكاد تكون قد تجاوزت مرحلة “ماذا نريد” إلى مرحلة “متى نُنجز”. الرباط لا تبحث عن اعتراف خطابي جديد، فمخزونها من الاعترافات بلغ رقماً قياسياً يقترب من الثلثين ضمن منظومة الأمم المتحدة. ما تريده الدبلوماسية المغربية بدقة من هذه المراجعة هو تحريك اللغة الأممية من فضاء “التشجيع” إلى فضاء “الإلزام”؛ أي أن يتضمن القرار الأممي ما يجعل رفض الجزائر الجلوسَ على طاولة المفاوضات تحدياً للشرعية الدولية لا مجرد موقف مؤسف يُسجَّل في التقرير ويُنسى. هذا يستلزم تحقيق ما باتت تسميه الدبلوماسية المغربية “التأطير الصريح”، أي الاعتراف الأممي بأن الجزائر طرف أصيل في النزاع لا مجرد “دولة مجاورة معنية”، وهو تحديد قانوني وسياسي سيُغير بشكل جذري صلاحيات الوساطة الأممية وآليات الضغط المتاحة.
النقطة الثانية التي ينتظرها المغرب هي ما يمكن تسميته “الجدول الزمني الإجرائي”؛ وثيقة أو آلية متفق عليها تُحدد خطوات تقنية متسلسلة نحو تطبيق الحكم الذاتي، تبدأ من تحديد صلاحيات المجلس الجهوي للأقاليم الجنوبية وتمر بهيكلة التمثيل المحلي وتنتهي عند آليات الرقابة الدولية. مثل هذه الوثيقة ستُفرغ “الاستفتاء” المزعوم من معناه القانوني تماماً، إذ ستُحيله من “خيار مطروح” إلى “أثر من آثار ما فات” لا قيمة عملية له في سياق تمضي فيه الحياة السياسية والاقتصادية في الأقاليم الجنوبية بكامل حيويتها تحت السيادة المغربية.
غير أن ثمة متغيراً لا يمكن تجاهله ويُضيف توتراً من نوع آخر إلى هذا المشهد: الجزائر ذاتها. النظام العسكري الجزائري، الذي يواجه أزمات اقتصادية بنيوية متفاقمة وضغوطاً داخلية متزايدة، يبدو غير قادر على تقديم تنازلات دبلوماسية في ملف الصحراء دون أن يدفع ثمناً سياسياً باهظاً في الداخل. جنرالات الجزائر استثمروا هذه القضية طوال عقود بوصفها ورقة توحيد وطني وتصريفاً للاستياء الشعبي، وأي انكفاء من هذا الموقف سيُخلّ بمعادلة حساسة في بنية شرعيتهم الهشة. لهذا السبب، يذهب كثير من المحللين إلى أن الضغط الحقيقي على الجزائر لن يأتي من خلال القرارات الأممية وحدها، بل من خلال التقاطع بين ثلاثة مسارات متزامنة: الضغط الأمريكي الاقتصادي والدبلوماسي، والعزلة الأوروبية المتصاعدة للجزائر في قضايا الطاقة، وتراجع الدعم الروسي الذي يبدو مُكلِفاً في ظل الأولويات الروسية الراهنة.
ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً عن كل أبريل سابق هو أن معادلة القوى المحيطة بهذا الملف لم تكن يوماً بهذا الوضوح والحسم في آنٍ معاً. القوة الأولى في العالم تضغط بمبعوث رئاسي شخصي. القوة الغربية التاريخية ذات الثقل القانوني في المجلس، فرنسا، تعمل بوصفها ضامناً لا مجرد مؤيد. والشريك الأوروبي الإقليمي الأكثر تأثيراً، إسبانيا، حوّل دعمه من حسابات براغماتية إلى قناعة استراتيجية راسخة. في هذا الثلاثي من الثقل الدولي يجد المغرب السند الذي يُحوّل مواقفه من مطالب مشروعة إلى وقائع قابلة للتنفيذ.
تبقى القراءة الأكثر صواباً لهذه المرحلة هي أن أبريل 2026 لن يكون نهاية النزاع في جلسة واحدة، لكنه سيُرسي منطق نهايته بصورة لا رجعة فيها، في أكتوبر المقبل على الأغلب. الصافرة التي طالما انتظرها المغرب لن تُعلن اكتمال البناء، بل ستُعلن أن الأساس قد تم إرساؤه بالاتجاه الصحيح، وأن الزمن الدبلوماسي يسير الآن في خط واحد لا يعود إلى الوراء. من العيون إلى الداخلة، ومن مجلس الأمن إلى مكاتب صناع القرار في باريس ومدريد وواشنطن، تتشكل معالم عهد جديد لشمال أفريقيا والحوض الأطلسي، عهد لا تقرره آراء مندوبين يتبادلون النصوص الدبلوماسية، بل تُحدده إرادة القوى الكبرى حين تجتمع على هدف واحد.



