
أمريكا اللاتينية تسحب الغطاء عن البوليساريو وتتركها ترتجف تحت “ملحفة” نيكاراغوا!
حين استضافت ماناغوا، في أواخر مايو 2026، الحلقة الدراسية الإقليمية لمنطقة الكاريبي التابعة للجنة الأربعة والعشرين بالأمم المتحدة، صعد ممثل جبهة البوليساريو إلى المنبر ليشكر “الشعب النيكاراغوي الشقيق وقيادته السياسية” على “موقفهم التاريخي المتضامن”، وتحدث وزير خارجية نيكاراغوا دينيس مونكادا عن “الروابط المتينة” بين ماناغوا و”جمهورية تندوف” المتخيلة. المشهد بدا، في ظاهره، احتفالاً بتحالف صامد. غير أن قراءة الخريطة اللاتينية كاملة تكشف أن هذا الاحتفال أقرب إلى سهرة عزاء جماعية يقيمها آخر خمسة نزلاء في فندق كان يضم، قبل عقد واحد فقط، عشرين دولة.
الحساب بسيط وقاسٍ في آن واحد. من بين عشرين أو أكثر من دول أمريكا اللاتينية والكاريبي التي عرفت في فترات متفرقة اعترافاً بـ”الجمهورية الصحراوية”، لم يبق اليوم سوى خمس دول، وحتى هذا الرقم متفائل بمعيار الجزائر ومتشائم بمعيار الواقع: نيكاراغوا وحدها تمارس الاعتراف فعلياً وبحرارة دبلوماسية ملموسة، بينما فنزويلا بعد مادورو تتحين اللحظة التي قد تأتي في أي لحظة لتمزيق هذه الورقة، لتتبقى رسميا كوبا والمكسيك وبيليز وترينيداد وتوباغو هي الدول الوحيدة التي لا تزال تعترف بالبوليساريو شكلياً بلا أي تفعيل سياسي حقيقي، أي أنها اعترافات مجمدة بحكم الواقع ولو لم تُجمد بحكم القرار الرسمي. خمس دول من نحو ثلاثين في القارة، أغلبها بلا تأثير اقتصادي أو دبلوماسي يُذكر على مسار الملف، هذا هو ميزان القوى الحقيقي خلف الخطابة الاحتفالية في ماناغوا.
الانهيار لم يحدث دفعة واحدة، بل بمنطق الدومينو الذي يميز كل التحولات الجيوسياسية الكبرى: قطعة تسقط فتُسقط التي تليها. بدأت بيرو الانحدار حين سحبت اعترافها مطولاً في عهد فوجيموري، ثم عاد اليسار فأحياه مع كاستيو، وتكرر السيناريو مع بوليفيا التي راقصت الاعتراف صعوداً ونزولاً تبعاً لميول كل رئيس، إلى أن حسمت الأمر نهائياً في يناير 2026 بتعليق متجدد هذه المرة بقرار سيادي صريح بعد اتصال مباشر بين وزيري خارجية الرباط ولاباز. ثم جاءت هندوراس في أبريل 2026 لتغلق الباب بصياغة لا تحتمل التأويل: تعليق “ينبع من قرارها السيادي” واحتراماً “لمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى”، مع تجديد الدعم الكامل لمساعي الأمين العام للأمم المتحدة ولقرار مجلس الأمن 2797. والمفارقة أن هندوراس وبوليفيا كلتاهما لم تكتفيا بالتراجع، بل صاغتا تراجعهما بلغة سيادية تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن الخطاب المغربي نفسه حول الحكم الذاتي وعدم التدخل، وهو أبلغ شكل من أشكال الإقرار غير المباشر بمشروعية الطرح المغربي.
والآن تأتي كولومبيا لتنقض آخر طوبة في هذا الجدار المتصدع. لم يكن فوز أبيلاردو دي لا إسبرييّا، اليميني المحافظ المدعوم صراحة من دونالد ترامب وخافيير ميلي ونجيب بوكيلي، تفصيلاً انتخابياً عابراً، بل قطيعة كاملة مع نهج غوستافو بيترو الذي بادر، في الأيام الثلاثة الأولى من رئاسته سنة 2022، إلى إحياء اعتراف بلاده بـ”الجمهورية الصحراوية”، ثم لم يتوقف عن استعراض هذا الدعم في كل منبر دولي ممكن، من خطابه في برشلونة أمام واحد وعشرين رئيساً إلى مقترحه في القمم الإيبيرو-أمريكية بمنح البوليساريو صفة مراقب. لكن حماسة بيترو لم تكن تعبر عن كولومبيا بقدر ما عبرت عن كولومبيا بيترو وحده: الكونغرس الكولومبي نفسه، وهو المؤسسة التشريعية المنتخبة، رفض اعترافه بنسبة تجاوزت السبعين في المائة من أعضاء مجلس الشيوخ في ملتمس صوّت عليه نوفمبر 2023، ورئيس الكونغرس إيفراين سيبيدا جدد علناً دعمه للمغرب وانتقد توجه الرئيس صراحة. أي أن الاعتراف الكولومبي بالبوليساريو لم يكن قراراً مؤسسياً راسخاً بقدر ما كان نزوة فردية يسارية صادفت لحظة سياسية مواتية، ومحكوماً سلفاً بالزوال مع أول تغيير في موازين القصر الرئاسي. وقد جاء هذا التغيير: برقية التهنئة التي بعثها الملك محمد السادس للرئيس المنتخب، والتي وصفها مكتب الأخير رسمياً بأنها “من أرفع رسائل التهنئة الدولية” التي تلقاها، ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل إشارة بدء لمسار يتوقع مراقبون عديدون أن ينتهي بالسحب الكامل للاعتراف، خاصة أن الرئيس المنتخب لم يخف توجهه نحو واشنطن، وهو محور لا تخدمه بالضرورة علاقة متوترة مع المغرب، الحليف الأطلسي للولايات المتحدة في شمال أفريقيا.
ما تكشفه هذه السلسلة، من بيرو إلى بوليفيا فهندوراس فكولومبيا، هو نمط أعمق من مجرد تذبذب دبلوماسي عابر: الاعتراف بالبوليساريو في أمريكا اللاتينية لم يكن قط قراراً مبنياً على مصلحة وطنية مدروسة أو معرفة دقيقة بتفاصيل النزاع، بل كان دائماً انعكاساً وفياً لموجة اليسار الراديكالي التي ضربت القارة في عقدين متعاقبين، وامتداداً أيديولوجياً لخطاب “مناهضة الإمبريالية” الذي يصنف القضايا حسب الحلفاء لا حسب الوقائع. حين صعد اليسار، عاد الاعتراف؛ وحين يتراجع اليسار، يتراجع معه الاعتراف بانضباط يكاد يكون آلياً. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تبقى نيكاراغوا، الدولة الأكثر التزاماً أيديولوجياً بهذا الخطاب اليساري المتشدد في القارة بأسرها والتي يحكمها اليسار م أزيد من أربعين سنة، منها العشرين سنة الأخيرة تحت حكم دانييل أورتيغا “وزوجته”. حليف وحيد يستثمر طاقة دبلوماسية حقيقية في الملف، في مواجهة قارة بأكملها تحولت اعترافاتها بجمهورية الوهم إلى جثث رسمية لم تُدفن بعد فقط لأن أحداً لم يجد وقتاً أو دافعاً لتوقيع شهادة وفاتها.
والمفارقة الأعمق أن انحسار اليسار اللاتيني لا يعكس فقط تغيراً انتخابياً عابراً، بل يتقاطع مع تحول بنيوي أوسع في موازين النفوذ الدولي: تصاعد الدعم الأمريكي والأوروبي لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وصدور القرار 2797 الذي يضع شروطاً ثلاثة للحل السياسي تنسجم مع الطرح المغربي، وتآكل الكتلة الجزائرية-الجنوب أفريقية الداعمة للانفصال حتى داخل أفريقيا نفسها. فالجزائر التي طالما اعتمدت على القارة اللاتينية بصفتها “احتياطاً أيديولوجياً” خارج محيطها الجغرافي المباشر، تجد نفسها اليوم أمام احتياط يتبخر بسرعة، تاركاً لها حليفاً وحيداً فعلياً يقيم على ضفة المحيط الأطلسي الآخر، في بلد يعاني هو نفسه من عزلة دولية متصاعدة ومن أزمات اقتصادية تجعل التضامن الأيديولوجي ترفاً يصعب تحمل تكلفته.
ما يبقى من خريطة الاعتراف اللاتيني بالبوليساريو اليوم ليس دليلاً على صمود قضية، بل شاهد قبر صغير منسي في ركن متآكل من القارة، تحرسه ماناغوا بحماسة من لا يدري أنه آخر من تبقى في الحفل. والجزائر، التي لطالما باعت لنفسها وهم “العمق الأممي” لقضية البوليساريو، توشك أن تكتشف أن هذا العمق لم يكن سوى صدى أيديولوجي عابر، سيخفت كما خفتت كل الأصداء التي لا يغذيها سوى الحنين إلى زمن سياسي انتهى.



