وجهات نظر

في مواجهة الائتلاف التضليلي: كيف فضحت مأساة “سبتة المحتلة” تحالف اليمين الإسباني والإعلام الجزائري ضد النموذج المغربي؟

لم تكن المشاهد الأليمة لمكابدات الشباب والأطفال الذين حاولوا العبور نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد حادثة هجرة أخرى تضاف إلى سجل المآسي الإنسانية التي تشهدها ضفاف المتوسط؛ بل تحولت، بقدرة قادر، إلى وقود لآلة إعلامية ضخمة أدارها تحالف غير مقدس، يجمع بين أجنحة الإعلام الإسباني المنحاز لطروحات اليمين المتطرف، وبين بوق الدعاية الرسمي والإلكتروني للعديد من الوسائل الإعلامية الجزائرية.

إنها بالفعل محاولة مكشوفة لاستغلال الأوجاع الإنسانية وتحويل الدوافع الاجتماعية والاجتماعية-الاقتصادية المركبة للشباب إلى “سلاح سياسي” يوجه نحو صدر الدولة المغربية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا الاستنفار الإعلامي المحموم:

لماذا يستهدف المغرب بهذه الشراسة كلما أثبت حضوره كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه؟

منذ أن أخذ المغرب زمام المبادرة في تنويع شراكته الاستراتيجية وثبيت حقوقه المشروعة على كامل ترابه الوطني، أُصيبت أطياف من اليمين المتطرف واليمين المحافظ في إسبانيا بـ “فوبيا المغرب القوي” ، بالنسبة لهؤلاء، فإن رؤية جيرانهم الجنوبيين يستقرون ويصنعون نموذجا تنمويا واعدا، ويتجاوزون عقدة التبعية الاقتصادية والسياسية، تشكل كابوسا جيو-سياسيا يهدد الصورة النمطية الاستعمارية القديمة.

لقد سارعت كبريات الصحف والمنصات التابعة لهذا التيار إلى استغلال مأساة سبتة المحتلة لتسويق خطاب يبث الرعب في الشارع الإسباني، مروجة لروايات مبسطة ومغلوطة تصوّر المغرب كـ “دولة تستخدم المهاجرين كأداة للضغط الجيوسياسي”.

إنه منطق يعاني من عور أخلاقي وسياسي؛ إذ يتجاهل عمدا المجهودات الجبارة والكلفة الباهظة التي يتحملها المغرب لضبط حدود ممتدة، وللعب دور “الحارس الأمين” لأمن أوروبا، في وقت تتملص فيه العواصم الأوروبية من التزاماتها التاريخية والأخلاقية تجاه أسباب الهجرة في دول الجنوب، ولقد تجلت ازدواجية المعايير الإسبانية في أبهى صورها عبر تحويل مأساة إنسانية إلى ملف للابتزاز المحلي والمزايدات الانتخابية، بدلا من البحث عن حلول جذرية بالشراكة مع الرباط.

على الضفة الأخرى، لم يجد الإعلام الرسمي وشبه الرسمي في الجزائر بداً من الانخراط الفوري والكامل في هذه الحملة الخبيثة ؛ حيث سارعت المنصات والقنوات التابعة لمنظومة الحكم العسكري الغاشم إلى التقاط الصور والفيديوهات القادمة من سبتة المحتلة، لتنسج حولها مأتم إعلاميا يخلو من أدنى مقومات الأمانة المهنية، وبدلا من تناول الظاهرة بكونها تحديا اقليميا يعاني منه شمال إفريقيا برمته – بما فيه الجزائر نفسها و الغنية بثروات البترول والغاز و التي تشهد موجات هجرة سرية متصاعدة ونشاطا مكثفا لشبكات الاتجار بالبشر – اختار الإعلام الجزائري منهجية “التشفي السياسوي الضيق”.

تم التركيز على استهداف الصورة المؤسساتية للمملكة، ومحاولة إظهار الاقتصاد المغربي وكأنه على وشك الانهيار، في مفارقة عجيبة تتجاهل واقع الأزمات الهيكلية والخنق الاقتصادي الذي يعيشه الشارع الجزائري نفسه رغم عائدات البترول و الغاز الضخمة وإن هذا التناغم العجيب بين الإعلام اليميني الإسباني والأبواق الجزائرية يثبت أن الغاية لم تكن يوما التعاطف مع المهاجرين أو البحث عن كرامتهم، بل كانت -ولا تزال- محاولة يائسة لكسر الزخم التنموي والدبلوماسي و الديمقراطي الذي حققته الرباط طيلة سنوات حكم محمد السادس نصره الله.

إن السعر السياسي الذي يدفعه المغرب اليوم إعلاميا ليس سوى ضريبة لنجاحه وتماسكه و بقوة تشبت المغاربة قاطبة ملكا وشعبا بوحدة و سيادة المملكة،في منطقة تتلاطم فيها أمواج الاضطرابات الأمنية، والحروب الأهلية، والانهيارات الاقتصادية، يقف المغرب كواحة للاستقرار السياسي والتطور المؤسساتي.

وتتعدد أبعاد هذا الاستهداف الممنهج لتشمل ضرب الصورة الاستثمارية للمملكة ومحاولة إظهارها كبيئة غير آمنة، إضافة إلى محاولة التقليل من الإنجازات الدبلوماسية والتغطية على الانتصارات المتتالية التي حققها المغرب في ملف وحدته الترابية والتأييد الدولي الواسع لمبادرة الحكم الذاتي، فضلا عن تصوير التحديات الاجتماعية الطبيعية لأي بلد نام على أنها فشل هيكلي للنموذج السياسي المغربي.

ومع ذلك، فإن ما يغفله مهندسو هذه الحملات المغرضة هو أن الدولة المغربية ليست كيانا طارئا أو هشا ينسف بالتقارير المغرضة أو الفيديوهات المجتزأة، بل إنها دولة ذات عمق تاريخي يمتد لقرون، وشعب يملك من الوعي والحس الوطني ما يجعله يفرق جليا بين النقد الذاتي البنّاء لإصلاح الاختلالات الاجتماعية، وبين الانسياق وراء أمنيات أعداء الوطن والخصوم الإقليميين.

ورغم كثافة الضخ الإعلامي والتزييف المنظم، أظهرت ردود أفعال أبناء الشعب المغربي وشعوب المنطقة وعيا عميقا بحقيقة ما يجري،وفي هذا السياق، يتجلى بشكل ساطع التضامن الأخوي الصادق لشعوب ودول الخليج العربي الشقيقة، التي لم تتردد في الوقوف إلى جانب المغرب في وجه هذه الهجمات الإعلامية المغرضة.

إن هذه المواقف النبيلة الصادرة من الخليج العربي تتجاوز حدود الدعم السياسي المعتاد لتعبر عن عمق الروابط التاريخية والوحدة المصيرية التي تجمع المملكة بأشقائها في الخليج؛ وهي مواقف تستوجب من الشعب المغربي خالص الشكر وأعمق عبارات الامتنان والتقدير لهذه الشعوب الأصيلة التي أثبتت مجددا أنها سند متين في الأوقات العصيبة، ووعيها بأن استهداف المغرب هو استهداف لنموذج الاستقرار العربي برمته.

إن هذا التضامن الأخوي يؤكد أن هذه الأساليب الإعلامية الرخيصة لم تعد تنخدع بها العقول الحرة،لقد استنكر المغاربة وشرفاء الأمة هذا الاستغلال الخسيس لصور الشباب والأطفال، مؤكدين أن تحديات التنمية والتشغيل هي ورش مفتوح يعيه المغرب ويشتغل عليه بكل شجاعة وشفافية، ولا يحتاج إلى دروس في الإنسانية أو الحكامة من أطراف غارقة في أزماتها الداخلية وتقتات على أزمات الآخرين.

إن التاريخ لا يكتبه المرجفون، والمستقبل لا تصنعه الأبواق المأجورة،قد تنجح حملات التشويه الممنهجة في صناعة “زوبعة في فنجان” عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شاشات القنوات المؤدلجة لعدة أيام، لكنها سرعان ما تتهاوى أمام صخرة الواقع المتمثلة في مغرب موحد و قوي يمضي بخطى واثقة نحو المستقبل، يمارس سيادته بثبات، ويبني اقتصاده ويقوي جبهته الداخلية، مسنودا بأصالة شعبه و مؤسسته الملكية وبوفاء حلفائه وأشقائه.

ستستمر محاولات النيل من المملكة المغربية كلما ازدادت قوة وتماسكا، فهذا قدر الدول العظيمة والناجحة في محيطها، لكن الرد المغربي كان وسيظل دائما بالعمل، والبناء، والمزيد من الإنجازات الميدانية، وسيبقى المغرب قاطرة للاستقرار والتنمية في إفريقيا وفي المنطقة المغاربية و العربية ايضا، شامخا وقويا رغم كيد الكائدين وحقد الحاقدين.

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى