
متلازمة الشتات الفلسطيني… حين يسكن المنفى في السياسة
ليس أصعب على شعب أن يفقد وطنه، إلا أن يضطر إلى أن يحمل وطنه معه لعقود طويلة، في الذاكرة واللغة والأسماء والحكايات، وفي صورة الأبناء عن مكان لم يروه، وفي سؤال دائم لا يجد إجابة نهائية: من نحن، ومن يمثلنا، وأين يبدأ الوطن وأين تنتهي غربتنا عنه؟ لهذا لم يكن الشتات الفلسطيني مجرد مأساة جغرافية بدأت بالاقتلاع وانتهت باللجوء، وإنما كان تجربة تاريخية أعادت تشكيل الفلسطيني فردًا وجماعة، وأثرت في علاقته بالمكان والهوية والقيادة والسلطة والمستقبل. ومع مرور الزمن، لم يبقَ الشتات خارج السياسة الفلسطينية، بل دخل إليها تدريجيًا، حتى أصبح جزءًا من الطريقة التي يفكر بها الفلسطيني في السياسة نفسها. ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ«متلازمة الشتات الفلسطيني»؛ لا بمعناها الطبي أو النفسي، وإنما باعتبارها مجموعة من الآثار السياسية المتراكمة التي تركتها تجربة الاقتلاع والتشتت وطول أمد الصراع في الوعي الفلسطيني وفي بنية النظام السياسي الذي نشأ في ظله.
في البداية كان الشتات مكانًا. ثم أصبح ذاكرة. ثم أصبح هوية. ثم تحول إلى قضية سياسية. لكن ما حدث بمرور العقود هو أن بعض خصائص الشتات انتقلت من حياة الفلسطيني إلى بنية السياسة الفلسطينية ذاتها. فالشعب الذي توزع جغرافيًا احتاج إلى قيادة تجمعه، وحين غابت الدولة أصبحت الحركة الوطنية بديلًا عنها، وحين غاب الإطار الجامع أصبحت الشرعية التاريخية للقيادة أكثر أهمية من آليات التجديد، وحين طال الصراع أصبحت الاستثناءات السياسية تبدو طبيعية، وحين أصبحت العودة والدولة والتحرير مؤجلة، أصبح المستقبل نفسه يعيش في حالة انتظار. وهكذا لم يعد الفلسطيني يعيش فقط في الشتات؛ أصبح جزء من النظام السياسي الفلسطيني يعيش بمنطق الشتات أيضًا: تعدد في المراكز، وتباعد بين الجغرافيا والسياسة، وتداخل بين التمثيل والحكم، وبين الثورة والدولة، وبين الشرعية التاريخية والشرعية الانتخابية.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالفلسطينيون شعب واحد، لكنهم لم يعيشوا تجربة سياسية واحدة. اللاجئ حمل فلسطين باعتبارها وطنًا مفقودًا وحقًا لا يسقط، والفلسطيني في الضفة وغزة عاشها باعتبارها أرضًا محتلة ومساحة للحياة اليومية والصراع، والفلسطيني في الخارج حملها باعتبارها هوية وذاكرة وقضية ومسؤولية. هذه التجارب كلها فلسطينية، لكنها لم تتحول بعد إلى مجتمع سياسي واحد بالمعنى المؤسسي. لقد حافظ الفلسطينيون على وحدتهم في الوعي أكثر مما نجحوا في تحويل هذه الوحدة إلى نظام سياسي جامع، يستطيع أن يجعل الفلسطيني، أينما كان، شريكًا فعليًا في صناعة القرار الوطني.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إيلامًا في التجربة الفلسطينية: الفلسطيني قد يكون شديد الانتماء إلى فلسطين، لكنه لا يملك بالضرورة مكانًا واضحًا في النظام السياسي الذي يفترض أن يمثل فلسطين. قد يعيش في الشتات، ويدافع عن القضية ويمولها ويورث أبناءه هويتها، لكنه يبقى بعيدًا عن آليات القرار. وقد يعيش في الداخل، لكنه لا يمتلك سيادة كاملة على حياته أو مستقبله السياسي. وبين الاثنين تتسع فجوة خطيرة بين الانتماء والمشاركة، وبين الهوية والمواطنة، وبين الشعب والقرار.
ولعل هذا هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم أزمة النظام السياسي الفلسطيني. فالنظام لم ينتقل بصورة مكتملة من مرحلة الحركة الوطنية التي تمثل شعبًا موزعًا وتكافح من أجل استعادة الوطن، إلى مرحلة النظام السياسي الذي ينظم مجتمعًا سياسيًا متعدد الجغرافيا ويؤسس للشرعية والمواطنة والمشاركة والدولة. لقد نشأت السلطة، وأقيمت مؤسسات، وأجريت انتخابات، وظهرت وظائف حكومية، لكن الوظيفة التاريخية للحركة الوطنية لم تختفِ، كما لم تُحسم بصورة نهائية العلاقة بين منطق التحرر ومنطق الدولة. وبقي النظام معلقًا بين عالمين: عالم الثورة الذي يستمد شرعيته من التاريخ والتضحيات، وعالم الدولة الذي يحتاج إلى المؤسسات والمساءلة والتجديد وتداول السلطة.
هذه الازدواجية تفسر كثيرًا مما يبدو لنا اليوم أزمات منفصلة. أزمة القيادة ليست منفصلة عن أزمة الشرعية، وأزمة الشرعية ليست منفصلة عن أزمة التمثيل، وأزمة التمثيل ليست منفصلة عن الشتات، والانقسام ليس منفصلًا عن غياب قواعد مستقرة لإدارة الاختلاف. لقد نشأت القيادة الفلسطينية في ظروف كان فيها الحفاظ على الوحدة ضرورة وجودية، ولذلك أصبحت القيادة مع الوقت أكثر من مجرد جهة سياسية؛ أصبحت رمزًا للاستمرارية الوطنية. لكن حين تتحول القيادة من أداة لخدمة المشروع الوطني إلى أحد مكونات تعريفه، يصبح تغييرها أصعب، ويصبح الاعتراض عليها قابلًا لأن يُفهم باعتباره تهديدًا للوحدة، وتتحول الوحدة تدريجيًا من قيمة تحمي التعدد إلى ذريعة تؤجل التغيير.
ومن هنا يمكن فهم أحد أعمق أوجه أزمة السياسة الفلسطينية: الخوف من أن يؤدي التغيير إلى فقدان ما تبقى. فالشتات الطويل لا ينتج الحنين فقط، وإنما ينتج الخوف أيضًا؛ الخوف من تكرار النكبة، ومن ضياع الهوية، ومن انهيار الوحدة، ومن فقدان ما تبقى من القضية. وهذا الخوف مفهوم تاريخيًا، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول إلى قاعدة سياسية تمنع التجديد. عندها يصبح الماضي مصدرًا للشرعية أكثر مما يصبح المستقبل هدفًا للسياسة، وتصبح حماية الموجود أهم من بناء الجديد، ويصبح السؤال ليس كيف نعيد إنتاج النظام، وإنما كيف نحافظ عليه رغم عجزه عن إنتاج المستقبل.
ومن الخطأ، في هذا السياق، أن نختزل الأزمة الفلسطينية في الانقسام بين فتح وحماس. فالانقسام عميق وخطير، لكنه في جانب مهم منه نتيجة لأزمة أوسع: غياب نظام سياسي قادر على إدارة التعدد والاختلاف. في الأنظمة السياسية المستقرة، يمكن أن تختلف القوى حول الحكومة، ثم تتغير الحكومة، وتبقى الدولة. أما عندما يكون النظام نفسه غير محسوم الوظائف والمرجعيات، يصبح التنافس على السلطة تنافسًا على تعريف الشرعية، ويصبح الاختلاف السياسي صراعًا على النظام، ثم يتحول الصراع على النظام إلى انقسام جغرافي ومؤسسي. ولهذا فإن إنهاء الانقسام لا ينبغي أن يكون مجرد اتفاق بين القوى المتنافسة على تقاسم النفوذ، بل يجب أن يكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء القواعد التي تجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يتحول إلى انقسام وطني.
والاحتلال، بطبيعة الحال، هو العامل الأكبر في تعطيل الحياة الفلسطينية وتشويهها. فهو يمنع السيادة، ويجزئ الجغرافيا، ويضعف الاقتصاد، ويقيد الحركة، ويحول دون قيام دولة مكتملة الأركان. لكن الاحتلال لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير شامل لكل ما يحدث داخل النظام السياسي. فهو يفسر غياب السيادة، لكنه لا يفسر وحده غياب التجديد السياسي، ولا يمنع بناء قواعد للمساءلة، ولا يفرض استمرار التباعد بين مؤسسات الحكم والمؤسسات الوطنية، ولا يحول دون صياغة علاقة أكثر وضوحًا بين الداخل والشتات. بل ربما يكون الاحتلال سببًا إضافيًا يجعل بناء النظام السياسي أكثر إلحاحًا؛ لأن شعبًا يخوض صراعًا طويلًا يحتاج إلى مؤسسات أكثر قوة وشرعية، لا أقل.
وهنا تتغير طريقة النظر إلى الانتخابات. فالسؤال الفلسطيني لا ينبغي أن يكون فقط: متى ستجرى الانتخابات؟ بل: أي نظام سياسي ستجدد الانتخابات شرعيته؟ ومن هم الذين يشاركون فيها؟ وكيف سيمثل الفلسطينيون الذين يعيشون خارج المجال الجغرافي للسلطة؟ وما العلاقة بين نتائج الانتخابات وبين منظمة التحرير؟ وكيف تُحمى نتائجها؟ وكيف تتحول من مجرد اختيار حكومة إلى آلية لتجديد الشرعية الوطنية؟ فالانتخابات، إذا جرت داخل نظام لم يُحسم بعد، يمكن أن تعيد إنتاج الأزمة بدل أن تنهيها. أما إذا جاءت جزءًا من إعادة بناء النظام، فإنها يمكن أن تصبح نقطة تحول حقيقية في السياسة الفلسطينية.
ولهذا فإن المسألة لا تتعلق فقط بإجراء انتخابات جديدة، وإنما بإعادة تعريف معنى التمثيل الفلسطيني. فالشعب الفلسطيني أكبر من السلطة، وأوسع من الضفة وغزة، ولا يمكن اختزاله في مؤسسة حكم واحدة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تبقى منظمة التحرير أسيرة شرعية تاريخية لا تتجدد بما يكفي لتستوعب أجيالًا جديدة ومجتمعًا فلسطينيًا تغيرت تركيبته وتوزعت جغرافيته أكثر. المطلوب ليس إلغاء المنظمة لصالح السلطة، ولا إلغاء السلطة لصالح المنظمة، وإنما إعادة بناء العلاقة بينهما ضمن نظام سياسي فلسطيني واضح الوظائف، تكون فيه منظمة التحرير إطارًا وطنيًا جامعًا للشعب الفلسطيني، وتكون مؤسسات الحكم جزءًا من النظام الوطني لا بديلًا عنه.
وهنا يصبح الشتات جزءًا من الحل بدل أن يبقى جزءًا من المشكلة. فالفلسطينيون في الخارج ليسوا فقط ذاكرة فلسطينية موزعة، بل يمثلون رأس مال بشريًا ومعرفيًا واقتصاديًا وسياسيًا هائلًا. المشكلة ليست في وجود الشتات، وإنما في أن هذا الشتات لم يتحول بصورة كافية إلى قوة وطنية مؤسسية. المطلوب أن ينتقل الفلسطيني في الخارج من موقع الجمهور إلى موقع الشريك، ومن التضامن إلى المشاركة، ومن التمثيل الرمزي إلى الحضور المؤسسي. فاللاجئ ليس ملفًا، والفلسطيني في الخارج ليس متبرعًا، والداخل ليس وحده المجال الذي يحق له إنتاج السياسة الفلسطينية. الشعب الفلسطيني بكل مكوناته هو صاحب المشروع الوطني، ولذلك يجب أن يجد كل مكون مكانه في النظام السياسي الذي يفترض أن يمثله.
وهذا يقود إلى السؤال الأعمق: هل نريد أن نبقى شعبًا موحدًا في الهوية ومجزأً في السياسة، أم نريد أن نبني مجتمعًا سياسيًا فلسطينيًا واحدًا متعدد الجغرافيا؟ إن الوحدة السياسية لا تعني أن يتفق الفلسطينيون على كل شيء، وإنما أن يتفقوا على قواعد الاختلاف. أن يستطيعوا تغيير الحكومة دون أن تتغير الدولة، وتغيير القيادة دون أن تتغير القضية، والاختلاف حول الوسائل دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع على الوجود. الديمقراطية في الحالة الفلسطينية ليست مجرد صندوق اقتراع؛ إنها آلية لإدارة شعب موزع جغرافيًا وتاريخيًا، وحماية وحدته من أن تتحول إلى جمود، وحماية اختلافه من أن يتحول إلى انقسام.
ربما لهذا فإن الخروج من متلازمة الشتات لا يعني نهاية الشتات، ولا يعني التخلي عن حق العودة، ولا يعني تجاوز اللاجئين أو إغلاق صفحة التاريخ. على العكس، يعني أن نحرر السياسة الفلسطينية من بعض الآثار التي تركها المنفى الطويل فيها. أن نحفظ الذاكرة دون أن نسكن فيها، وأن نحمي الحق دون أن نؤجل المستقبل، وأن نحترم التاريخ دون أن نجعل التاريخ بديلًا عن الشرعية المتجددة، وأن نحافظ على الوحدة دون أن نخاف من الديمقراطية، وأن نحول الشتات من حالة تشتت إلى شبكة وطنية عابرة للحدود.
لقد نجح الفلسطيني طوال عقود في الحفاظ على فلسطين في الذاكرة، وربما آن الأوان للانتقال إلى مرحلة أخرى: أن يحول هذه الذاكرة إلى قدرة سياسية، وهذه الهوية إلى مواطنة، وهذا الانتشار إلى شبكة قوة، وهذا التاريخ إلى مؤسسات، وهذه التضحيات إلى نظام أكثر قدرة على حماية الحقوق وصناعة المستقبل. فبناء النظام السياسي الفلسطيني ليس شأنًا داخليًا منفصلًا عن التحرر الوطني، بل هو أحد شروطه. والشعب الذي لا يستطيع تنظيم نفسه وإنتاج شرعيته وتجديد قيادته وإدارة اختلافاته، سيكون أكثر عرضة لأن يدير الآخرون مستقبله.
لهذا فإن السؤال الفلسطيني لم يعد فقط: كيف ننهي الاحتلال؟ بل أيضًا: كيف نبني الشعب والنظام والمؤسسات القادرة على مواجهة الاحتلال وصناعة ما بعده؟ ولم يعد السؤال فقط: من يمثل الفلسطيني؟ بل: كيف يصبح كل فلسطيني، في الداخل والشتات، جزءًا من عملية إنتاج القرار الوطني؟ ولم يعد السؤال: متى تقوم الدولة؟ بل: كيف نبدأ بناء وظائف الدولة ومؤسساتها وشرعيتها منذ الآن، حتى وإن ظلت السيادة الكاملة مؤجلة؟
في النهاية، ربما لا تكمن المشكلة الفلسطينية فقط في أن الشعب موزع على الجغرافيا، بل في أن النظام السياسي الذي يفترض أن يجمع هذا الشعب ما زال موزعًا بين وظائف تاريخية لم تُحسم علاقتها ببعضها: التحرير والتمثيل، المقاومة والحكم، الثورة والدولة، الشرعية التاريخية والشرعية الديمقراطية، الداخل والشتات. وهذه ليست مجرد تعقيدات مؤسسية؛ إنها جوهر الأزمة السياسية الفلسطينية.
لذلك فإن المطلوب ليس فقط مصالحة بين قوى سياسية، ولا انتخابات جديدة، ولا إعادة ترتيب للمواقع داخل النظام القديم. المطلوب هو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني نفسه؛ نظام يعترف بأن الشعب الفلسطيني واحد، وأن جغرافيته متعددة، وأن شرعيته يجب أن تكون تاريخية ومتجددة في آن واحد، وأن منظمة التحرير والسلطة والدولة والشتات يجب أن تنتظم داخل رؤية سياسية واحدة، وأن الاختلاف حق، وأن التداول ضرورة، وأن المشاركة ليست ترفًا، وأن الدولة لا تبدأ فقط عندما تتحقق السيادة الكاملة، بل تبدأ عندما يصبح للشعب نظام سياسي يعبّر عنه ويحاسب قياداته ويجدد شرعيته ويمنح كل فلسطيني موقعًا حقيقيًا في صناعة مستقبله.
عندها فقط يمكن أن يصبح الشتات تاريخًا نحمله، لا نظامًا يسكننا.
وعندها فقط ينتقل الفلسطيني من سؤال «من يمثلني؟» إلى السؤال الأكثر أهمية: «كيف أشارك في صناعة القرار الذي يصنع مستقبلي؟» وربما تكون هذه هي الخطوة السياسية التي لم ننجزها بعد: أن ننتقل من شعب حافظ على وطنه في الذاكرة، إلى شعب يمتلك النظام السياسي القادر على بناء مستقبله




