منبر الرأي

«أنا فهمتكم»… حين تتحول اللغة السياسية إلى أداة لإدارة الصمت

إن استحضار مقولة الرئيس التونسي السابق، رحمه الله، «أنا فهمتكم»، لا يندرج في هذا المقال ضمن أي تدخل في الشأن الداخلي للجمهورية التونسية الشقيقة، ولا يحمل أي تقييم لمسارها السياسي أو خيارات شعبها، وإنما يستعمل هذا التعبير حصريا كنموذج رمزي في تحليل الخطاب السياسي العربي، وتحديدًا في إسقاطه على الحالة الجزائرية، من زاوية لغوية–سياسية بحتة، لما تحمله هذه العبارة من حمولة دلالية عميقة في علاقة السلطة العسكرية بالمجتمع الجزائري .

في التجربة السياسية الجزائرية، لم تعد عبارة «أنا فهمتكم» تعبيرًا عن الإصغاء أو مقدّمة طبيعية للاستجابة، بل تحولت تدريجيا إلى أداة سياسية وظيفتها الأساسية تخدير الوعي الجماعي للشعب ،كلمة قيلت كثيراً ، وتكررت بصيغ مختلفة، من طرف نظام شنقريحة و تبون لكنها استُعملت لا لفتح مسار جاد لتحقيق المطالب المتنوعة للشعب الجزائري ، بل لتجزئتها، وتفريغها من مضمونها، وتأجيلها تحت عناوين فضفاضة بلا سقف زمني ولا التزام فعلي.

بهذا المعنى، لم يكن المقصود من «أنا فهمتكم» بالصيغة الجزائرية ،أن يُطالب الشعب بكل حقوقه، ولا أن تُطرح القضايا الجوهرية دفعة واحدة وبوضوح و حرية، بل أن يكتفي بسماع الاعتراف اللفظي بها، لم يكن الهدف بناء حراك مدني قوي، منظم، واعٍ بمطالبه وأدواته، بل إبقاء الشارع في حالة ترقب دائم، تهدئه الكلمات و الشعارات و خطابات تبون ، كلما ارتفع منسوب الغضب، ويعاد احتواؤه كلما اقترب من طرح الأسئلة الحاسمة و المصيرية .

الأخطر من ذلك، أن هذا الاستخدام الممنهج للغة الطمأنة ساهم في حجب النقاش الحقيقي حول طبيعة الخيارات السياسية الكبرى للنظام العسكري الجزائري ، لا سيما ما يتصل بعلاقاته المتوترة مع محيطه الإقليمي، فخلف خطاب « نحن تبون و شنقريحة :فهمناكم»، ظلّت تُدار سياسات قائمة على منطق الصدام والعداء بدل منطق التعاون والتكامل، دون فتح نقاش عمومي شفاف حول كلفة هذه السياسات، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، على المواطن الجزائري.

وفي خضم هذا المشهد، تبرز مفارقة مؤلمة يصعب تجاهلها:

دولة تزخر بالنفط والغاز، وتمتلك إمكانيات بشرية ومالية هائلة، لكنها تعيش أزمات يومية في أبسط أساسيات العيش ،طوابير يومية من اجل المواد الغذائية في المقابل، دول لا تتوفر على هذه الثروات الطبيعية، ومع ذلك تنعم بمستويات أعلى من الرفاه، والحرية، والديمقراطية، ولا تعرف طوابير الخبز ولا طوابير الحليب و لا طوابير الغاز ولا طوابير الانتظار.

هنا، لم تعد «أنا فهمتكم» مجرد جملة سياسية عابرة، بل تحوّلت إلى آلية لإعادة إنتاج الصمت، وتدبير القبول القسري بالوضع القائم، وصرف الأنظار عن الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن الهروب منها:

لماذا لا تترجم الثروة إلى كرامة؟

ولماذا لا يحول الفهم المعلن إلى سياسات تُنهي الأزمات بدل إدارتها؟

إن الكلمة “أنا فهمتكم”، حين تُستعمل لمنع الشعب من معرفة الحقيقة كاملة، تفقد معناها الأخلاقي والسياسي،لا تعود وسيلة تواصل، بل تتحول إلى ستار لغوي يُخفي ما لا يُراد له أن يُناقش، ويُجمّل واقعًا لا يُراد تغييره و هذا  حال دولة الجزائر القمعية .

فالتاريخ لا يُحاسب الأنظمة على ما قالت، بل على ما فعلت بعد أن قالت.

و« أنا فهمتكم» التي لا تفتح افقا ، ولا تُعيد كرامة، ولا تُنهي أزمة، ليست فهمًا… بل إدارة مؤجلة للانسداد على شتى المستويات.

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى