المملكة الشريفةالإشعاع الدوليمختارات

إمارة المؤمنين في عمقها الأفريقي: دبلوماسية روحية بأدوات مؤسسية متكاملة

استراتيجية مغربية ممنهجة تجمع بين العمق التاريخي والبناء المؤسسي والرؤية الاستشرافية

في السادس من مارس 2026، المصادف لسادس عشر رمضان 1447 هجرية، تُفتتح رسمياً في نجامينا معلمة دينية بمواصفات استراتيجية لافتة: مسجد محمد السادس، الممتد على مساحة ثلاثة وثلاثين ألف متر مربع، والمستوعب لأكثر من ثلاثة آلاف مصلٍ، والضامّ مركباً ثقافياً متكاملاً يشمل مكتبة علمية وقاعة للندوات وفضاءات للتأطير والتكوين. المشهد في ظاهره حفلُ افتتاح، وفي باطنه حلقة جديدة في مسار ممنهج يمتد عبر عقود.

الحديث هنا ليس عن مشروع معماري ديني معزول، بل عن منظومة أداتية متكاملة تعمل بانتظام مؤسسي ملحوظ، تجمع بين مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في إطار ما باتت تُعرَّف به الاستراتيجية المغربية تحت مفهوم “الأمن الشامل”، الذي يُقرّ صراحةً بأن المقاربة الأمنية التقليدية وحدها عاجزة عن تحقيق الاستقرار في المجتمعات الهشة.

ولفهم ثقل هذه المنظومة، لا بد من قراءتها في امتدادها التاريخي قبل تشريحها في أبعادها المؤسسية الراهنة.

أولاً: الجذر التاريخي: قبل أن تكون دبلوماسية

العلاقة بين المغرب وأفريقيا جنوب الصحراء لم تبدأ مع الخطاب الرسمي عن القوة الناعمة، بل تعود إلى شبكة الطرق الصوفية التي نسجت على مدى قرون خيوطاً روحية بين علماء المغرب ومجتمعات الساحل والغرب الأفريقي. الطريقة التيجانية التي انطلقت من عين ماضي لتتمركز روحياً في فاس، والطريقة القادرية الممتدة من موريتانيا إلى نيجيريا، وغيرها من الطرق المرتبطة بالمرجعية المالكية. كل هذا أرسى في الوعي الجمعي الأفريقي صورة المغرب بوصفه مرجعاً علمياً ودينياً راسخاً، قبل أن تظهر المؤسسات الحديثة.

هذا الإرث التاريخي ليس مجرد ذاكرة طيبة، بل رأس مال رمزي حقيقي يمنح الحضور المغربي الديني المعاصر مشروعية لا تستطيع الاستثمارات المالية وحدها اصطناعها. حين يصل خريج معهد الأئمة المغربي إلى داكار أو بانجول أو كوناكري، فهو لا يصل بوصفه ممثلاً لدولة أجنبية، بل يصل في إطار علاقة روحية وعلمية يَعرفها المجتمع المضيف قبل أن يتعلمها. هذا التمييز جوهري في فهم طبيعة القبول الذي يلقاه النموذج المغربي.

ثانياً: مؤسسة العلماء الأفارقة: شبكة العلم لا هيئة البروتوكول

african olama

أُسست مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في عام 2015 بموجب ظهير ملكي، وتضم في عضويتها علماء دين من ثمانية وأربعين دولة أفريقية موزعة على سبع مناطق جغرافية. غير أن ما يُميّز هذه المؤسسة أنها لا تكتفي بالتنسيق الرمزي، بل تضطلع بمهام ذات طابع علمي وعملي مباشر.

تعقد المؤسسة ندوات علمية دورية تُدرَّس فيها قضايا الفقه المعاصر في السياق الأفريقي، بما يشمل مسائل الفتوى في بيئات متعددة الأديان، وإشكاليات التشريع للأقليات المسلمة، ومواجهة الخطاب المتشدد بأدوات علمية لا إدارية. ويعمل فرع المؤسسة في كل دولة عضو بصفة تشاركية مع العلماء المحليين، مما يُجنّب إيحاء التوجيه من الأعلى، ويُرسّخ طابع الشراكة العلمية المتكافئة.

الأثر الأعمق لهذه المؤسسة لا يُقاس بعدد الندوات المنعقدة، بل بقدرتها على خلق شبكة من العلماء الأفارقة المتشاركين في مرجعية عقدية واحدة – العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي – التي تمثّل في الوقت ذاته الموروث الديني الأصيل لمجتمعات غرب أفريقيا وجزء واسع من وسطها. بعبارة أخرى، المغرب لا يُصدّر نموذجاً غريباً، بل يُعيد توطيد هوية دينية محلية كانت تتعرض لضغوط الإزاحة.

ثالثاً: معهد الأئمة: التكوين البشري كاستثمار استراتيجي

Aema formation

إذا كانت مؤسسة العلماء الأفارقة تستهدف النخب الدينية القائمة، فإن معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات – المنشأ في الرباط عام 2015 – يستهدف الجيل القادم. وهو في هذا يمثل نموذجاً استثنائياً في بنيته وطموحاته، إذ يستقبل الطلبة من دول أفريقية وأوروبية وخليجية ضمن برنامج تكوين ممتد على ثلاث سنوات.

منذ انطلاقه عام 2015، استقبل المعهد أزيد من 3300 طالب وطالبة أجانب من أكثر من 30 دولة، من بينها مالي وغينيا وكوت ديفوار والسنغال وتونس ونيجيريا وفرنسا وبلجيكا. ويمثّل الأفارقة جنوب الصحراء النسبة الأكبر من المنتسبين الأجانب.

ما يستحق التوقف عنده في بنية التكوين ذاتها هو هذا الدمج غير المسبوق بين العلوم الشرعية التقليدية، ومقررات في علم النفس الاجتماعي، وتقنيات التواصل، والسياق التاريخي للمجتمعات التي سيعمل فيها الخريجون. الأمر لا يتعلق بإعداد موظف ديني تقليدي، بل بتكوين وسيط اجتماعي قادر على اشتغال فعّال في البيئات المعقدة.

ويُعدّ توجيه المعهد نحو تكوين المرشدات بُعداً استراتيجياً بامتياز في السياق الأفريقي تحديداً. فبينما يتراجع دور المرأة في المجال الديني العام تحت وطأة التيارات المتشددة، يُقدّم المغرب نموذجاً مغايراً يمنح المرأة موقعاً رسمياً ومعترفاً به في التأطير الديني المجتمعي. هذا النموذج حاز اعترافاً واسعاً، دفع دولاً أوروبية في مقدمتها فرنسا وبلجيكا إلى إبرام اتفاقيات تكوين مع المعهد لإعداد أئمة مجتمعاتها المسلمة، وهو مؤشر لافت على مدى الاعتراف الدولي بجدية هذا النموذج.

رابعاً: وزارة الأوقاف وجغرافية الحضور المعماري

تولّت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية الإشراف على سلسلة مشاريع بنية دينية في القارة الأفريقية، تتوزع بين مساجد جامعة ومراكز ثقافية إسلامية وفضاءات للتكوين. ويُمثّل مسجد محمد السادس في أبيدجان – المُفتتح في أبريل 2024 بطاقة استيعابية تناهز سبعة آلاف مصلٍ – النموذج الأكثر اكتمالاً في هذا المسار، قبل أن يُضاف إليه مسجد نجامينا بمساحته وقدراته.

mosque Mohammed 6 Abidjan

ما يمنح هذه المنشآت طابعاً مميزاً ليس حجمها وحده، بل البنية المرافقة لكل مشروع: مكتبة علمية، قاعة ندوات، مركز تكوين، مكاتب إدارية للفرع المحلي لمؤسسة العلماء الأفارقة. هذا التصميم المتكامل يحوّل المسجد من فضاء للعبادة إلى مركز إشعاع ثقافي وعلمي، وهو ما يُجسّد الفلسفة الجامعة للاستراتيجية المغربية: الأمن الروحي لا ينبني بالشعائر وحدها، بل بالتكوين والمعرفة والانتماء المجتمعي.

المعمار ذاته يحمل رسالة. الصومعة المربعة والزليج والنقش على الجبس وعناصر النجارة الأندلسية-المغربية تجعل من هذه المنشآت علامات حضارية تحمل هوية بصرية أصيلة، تعكس عمق الموروث الحضاري المغربي المشترك مع غرب أفريقيا عبر قرون من التبادل العلمي والروحي. ليست هندسةً استيرادية، بل استعادة لحوار معماري تاريخي.

خامساً: الأمن الروحي في منظومة “الأمن الشامل”

مفهوم “الأمن الشامل” الذي يتبنّاه المغرب رسمياً في خطابه الاستراتيجي يقوم على قناعة مفادها أن الاستقرار في أفريقيا جنوب الصحراء لا يُبنى بالوسائل الأمنية التقليدية وحدها، وأن هشاشة الهويات الدينية أمام الغزو الأيديولوجي تمثّل رافداً رئيسياً لعدم الاستقرار بل ومشتلاً للتجنيد الإرهابي.

الساحل الأفريقي يُقدّم الدليل التجريبي الأصعب على هذه الفرضية. فمنطقة تمتد من موريتانيا إلى السودان، شهدت طوال العقد الماضي تمدّداً لجماعات مسلحة تتذرع بالدين، في حين تفتقر كثير من الدول المتضررة إلى مؤسسات دينية قادرة على الاضطلاع بوظيفة التحصين المجتمعي. هنا تتموضع الاستراتيجية المغربية بدقة: بناء قدرات محلية، وتمكين العلماء المحليين، وتوفير البنية المؤسسية التي تجعل الاشتغال الديني فعّالاً ومستداماً.

والحوكمة الملكية لهذا الملف تمنحه اتساقاً نادراً. فكون الملك محمد السادس يحمل صفة أمير المؤمنين، يُضفي على التعاون الديني المغربي-الأفريقي مشروعية روحية تتجاوز التفاهمات الحكومية المتقلبة، وتمنحه استمرارية لا تتأثر بتحولات الوزارات أو تغيرات الحكومات. هذا البُعد الدستوري فريد في نوعه، ويمنح المغرب قدرة فاعلة على الاضطلاع بدور المرجعية الدينية في القارة دون منافس على هذا المستوى من الشرعية التاريخية والدينية.

تجدر الإشارة إلى أن الدول التي ترتبط بشبكات التكوين الديني المغربي تمتد اليوم من غرب أفريقيا إلى القرن الأفريقي، وتشمل دولاً أوروبية ذات أقليات مسلمة كبيرة. هذا الامتداد يجعل من المغرب مورداً معترفاً به للخدمات الدينية المتخصصة على المستوى الدولي، في سياق يشهد طلباً متصاعداً على التكوين الديني المعتدل.

سادساً: القوة الناعمة : قراءة تفصيلية

يُستحضر مفهوم “القوة الناعمة” كثيراً في وصف هذه الاستراتيجية، وهو توصيف صحيح لكنه يحتاج تفصيلاً لأهم مكوناته. المكوّن الأول هو بناء الصورة: الحضور المعماري والتعليمي المغربي يرسم صورة عن المملكة كفاعل ديني مسؤول يُقدّم خدمة حضارية لا يسعى إلى هيمنة. المكوّن الثاني هو تشكيل شبكات الانتماء: خريجو معهد الأئمة يعودون إلى بلدانهم بروابط علمية وعاطفية مع المغرب قد تنعكس في مواقف دينية وثقافية داعمة تتجاوز الحسابات السياسية اللحظية. المكوّن الثالث هو تحصين الفضاء الديني المحلي: توطيد الهوية الدينية المحلية وفق المرجعية المالكية الأفريقية يُعزّز مناعة المجتمعات في مواجهة التيارات الوافدة.

ما يمنح هذه المكوّنات الثلاثة فاعليتها هو تضافرها لا تتابعها. فالمسجد الجامع يُوفّر الفضاء، والعالِم المكوَّن في الرباط يملأ ذلك الفضاء بخطاب رصين، ومؤسسة العلماء الأفارقة توفر الغطاء المؤسسي والشبكة العلمية التي تمنع العزلة وتُديم التواصل. ثلاثة مستويات تعمل في آنٍ واحد، وهذا ما يُميّز الاستراتيجية المغربية عن المبادرات المجزّأة التي تعمل على مستوى واحد فقط.

خلاصة: قراءة في الأفق

ما يُقدّمه المغرب عبر هذه المنظومة ليس مجرد بُعد إنساني أو خيري، بل هو استراتيجية دولة تُدرك أن نفوذها في القارة يرتكز على مشروعية تاريخية ودينية وحضارية يصعب استنساخها. مسجد نجامينا – كمسجد أبيدجان قبله – هو تجسيد مادي لهذه المشروعية الثلاثية في آنٍ واحد.

التقييم الموضوعي يستوجب في الوقت ذاته رصد تحديات المسار. فاستدامة هذه المشاريع الكبرى تستمر بفضل الموازنات الحكومية المغربية وإيقاعها. والقبول المجتمعي يتفاوت من دولة إلى أخرى، ويتأثر أحيانا بتحولات سياسية داخلية. كما أن الطلب على هذا النموذج يفوق حالياً قدرة المؤسسات المغربية على الاستجابة، مما يطرح تساؤلات حول الأولويات الجغرافية في المرحلة المقبلة.

في السادس من مارس 2026، حين تُرتَّل سورة الفاتحة لأول مرة في مسجد محمد السادس بنجامينا، تُضاف لبنة جديدة في بنية راسخة تعمل بصمت وانتظام. أثرها لن يُقرأ في عناوين الأخبار، بل في معادلات النفوذ والاستقرار التي ترسمها السنوات.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى