
اتحاد خليجي يضم اليمن!
تأخر انضمام اليمن إلى منظومة مجلس التعاون الخليجي بسبب تأييد الرئيس علي عبد الله صالح لصدام حسين الذي قام باحتلال الكويت. موقف أثار غضب السعودية وبقية دول الخليج، الأمر الذي تسبب في توتر العلاقات السعودية الخليجية اليمنية لفترة طويلة، وظل اليمن بمنأى عن الانضمام إلى دول الخليج، خصوصا عندما وفر علي عبد الله صالح حماية للهاربين من القاعدة من الملاحقة في أفغانستان والعراق وباكستان، وقدموا لهم ملاذا آمنا إلى جانب تقديم بعض الخدمات اللوجستية، مما أزعج السعودية التي عانت من الإرهاب فترة طويلة، قبل أن يزعج الولايات المتحدة، لأنهم يتخذون من اليمن قاعدة انطلاق نحو السعودية ونحو القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
عدم عناية حكومة الرئيس علي عبد الله صالح بتطوير الحياة السياسية في اليمن، أوجد فراغا استغله الانفصاليون الجنوبيون، وأدى إلى إقامة تحالف، انضم إليه لاحقا قوى إسلامية، ولم يعط أهمية كبرى إلى انشقاق الحوثيين عام 2005 عندما حصل انشقاق صغير في أقصى الشمال الغربي من اليمن في صعدة داخل الفرقة التي ينتمي إليها الرئيس علي عبد الله صالح، لم يدرك حينها تكلفة هذا الانشقاق سياسيا، وغض الطرف.
ارتكب الرئيس علي عبد الله صالح خطأين: الأول عدم تمكنه من إيجاد رعاية سياسية داخل اليمن أدى إلى استشراء الفساد وزيادة رقعة التذمر، والخطأ الثاني عدم تمكنه من إقامة تحالف قوي مع السعودية، بل اتجه إلى العكس عندما استخدم الحوثيين ورقة ضد السعودية، وغض الطرف عن تلقيهم الدعم من إيران، فيما دخل اليمن في أربعة حروب مع الحوثيين للهروب من الاستحقاقات الداخلية، أو على الأقل تأجيلها، وتنامت قوة القاعدة، إلى جانب أزمة الحراك الجنوبي، وظل اليمن في حالة ضعف وتفكك وبيئة جاهزة للإرهاب.
والمتتبع لتاريخ العلاقات السعودية – اليمنية التي تعود إلى العقد الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي يجد أنه كان يغلب عليها رغبة الطرفين في إيجاد مجتمع آمن ومستتب. ولهذه الغاية كانت تختفي كل الحواجز بما فيها الحدود الطبيعية نتيجة موقعها الجغرافي الاستراتيجي المشترك وتشابكها الاجتماعي.
وبتتبع تاريخ مناطق عسير وجيزان ونجران نجد أنها كانت في السابق إمارات ذات استقلال ذاتي، فإمارة عسير بلغت ذروة قوتها في القرن التاسع عشر، وأصبحت القوة التي تهدد الحكم العثماني والإنجليزي في جنوب الجزيرة العربية، ولكن الحكم العثماني تمكن من حشد جيش والقضاء على الإمارة عام 1889.
كانت جيزان إمارة مستقلة حتى بداية القرن العشرين، بل وتمكن محمد بن علي الإدريسي من توسيع نفوذ إمارته إلى خارج حدود جيزان الطبيعية على حساب الأراضي اليمنية، ووقع اتفاقية مع الحكم العثماني عام 1911 بمشاركة الإمام يحي حميد الدين، تم بموجبها اقتصار الحكم اليمني على الهضبة اليمنية المأهولة بأتباع المذهب الزيدي فقط.
ونجران كذلك منطقة قائمة بذاتها تملكها وتحكمها قبيلة قوية حتى دخلت في إطار الدولة السعودية الأولى والثانية ثم دخلت عن رضا تحت نفوذ الملك عبد العزيز عام 1920، فهذه الكيانات الثلاثة انضمت للدولة السعودية الحديثة.
أدار الملك عبد العزيز النزاعات مع اليمن من منطق الأخوة. حدث نزاع بين البلدين حول جبل عرو على أطراف عسير، فعقد الملك عبد العزيز معاهدة سميت باسم الجبل معاهدة العرو مع الامام يحي عام 1931، ومع تجدد النزاع جاءت معاهدة الطائف في عام 1934 لتنتهي حالة النزاع بين الجانبين بصورة نهائية.
وجاء في تعليق مجلة التايمز أن معاهدة الطائف أرست قواعد الصداقة العربية والأخوة الإسلامية، وأن الساسة الأوربيين يجب عليهم أن يقتدوا بمعاهدة الطائف، ولقد وصف سلفادور انتي الكاتب الإيطالي في عام 1934 معاهدة الطائف بالنشيد الوطني للوحدة العربية، واعتبر الغرب المعاهدة صورة لما يجب أن تقوم عليه العلاقات العربية والإسلامية في المستقبل. تطورت هذه الاتفاقية من الإطار الثنائي إلى البعد القومي، فعقدت الدولتان معاهدة مع العراق في إبريل عام 1936 تضمنت حل الخلافات بالطرق السلمية، تطورت فيما بعد إلى ميثاق الحلف الثلاثي العربي ( معاهدة الدفاع المشترك ) بين مصر والسعودية واليمن في إبريل 1956.
العلاقة بين السعودية واليمن علاقة قدرية وليست اختيارية، تحكمها حقائق التاريخ والجغرافيا والمجتمع والمستقبل ضمن إطار المصير المشترك، وتتم في إطار تحقيق المزيد من التنسيق والتكامل على كافة الصعد الاقتصادية والسياسية والأمنية وكل ما يهم البلدين.
هناك دعوات سابقة إلى قيام اتحاد خليجي يضم اليمن بعد استقرار الأوضاع فيه، وهي دعوة أتت من الأمير تركي الفيصل ومن آخرين، وسبق أن كتبت في مجلة أراء حول الخليج في أكتوبر 2009 بعنوان ( نحو استعادة اليمن لمكانته ضمن منظومة دول الخليج ) فيما وافق المجلس الأعلى على انضمام الجمهورية اليمنية إلى عشر من المنظمات المتخصصة العاملة في إطار مجلس التعاون، وقد كلف الاجتماع الوزاري المشترك الأول لجنة فنية مشتركة من دول المجلس والجمهورية اليمنية بدراسة الاحتياجات التنموية لليمن في الفترة 2006-2015، وقد أنجزت اللجنة مهمتها فيما يتعلق بالفترة 2006-2010، وتجتمع اللجنة بصفة دورية وعقدت اللجنة اجتماعها الرابع عشر في الرياض يومي 21و22 أبريل 2014.
أيضا هناك دول خليجية أيدت انضمام اليمن إلى المنظومة الخليجية، جاءت أبرزها في 2022 على لسان ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة بتأييد بلاده منح اليمن العضوية الكاملة في مجلس التعاون، ورئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم أشار إلى أن اليمن لابد أن يكون جزءا من مجلس التعاون، نظرا للتاريخ المشترك والنسيج المجتمعي والشعبي الواحد.
منح اليمن العضوية الكاملة في مجلس التعاون، يمكن أن يحدث نقلة إيجابية كبيرة في العلاقة بين الجانبين، وسبق أن وافق الملك سلمان بن عبد العزيز على انضمام اليمن مستقبلا إلى مجلس التعاون الخليجي في 2016 بشرط عدم وجود الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح. وتحدث الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي عن إمكانية نشوء دولة اتحادية وأن تقوم على 3 أو 4 أو 5 أقاليم مؤكدا أنه يصعب قيام نظام في اليمن أو تطويره من دون وجود دولة اتحادية.
واتهم هادي في ذلك الوقت علي عبد الله صالح بانه ينوي اغتياله للقضاء على المبادرة الخليجية، وتولية عبد الملك الحوثي المرجع الديني لليمن، وأن يكون أحمد علي عبد الله صالح المرجع السياسي، من أجل اعتماد التجربة الإيرانية كمرجع للحكم في اليمن.
اليوم الظروف جاهزة خصوصا بعدما أصبحت السعودية تدير ملف اليمن والسيطرة على جنوبه وشرقه، وفتحت أبواب الحوار للشعب الجنوبي، وهناك حديث للأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع ان السعودية تسعى مع دول الخليج ليكون اليمن ضمن المنظومة الخليجية لينعم شعبه بالأمن والاستقرار والتنمية، وكشف رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي عن خطة استراتيجية عمرها 24 عاما ليست وليدة الظروف الراهنة، بل تعود جذورها إلى عام 2000 كهدف استراتيجي ثابت للدولة، لانضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي، محذرا من أن المرحلة الراهنة فرصة تاريخية قد لا تتكرر لعقود أخرى، ويعتبر المنعطف الأهم في مسار العلاقات الإقليمية منذ عقود، وتعميق الشراكة مع دول الخليج العربي هو المفتاح لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والأمني المستدام في اليمن.




