دراسات وتقارير

الأخبار المفبركة والزائفة : كأداة استراتيجية لهندسة الوعي والتأثير في الرأي العام

مقاربة تحليلية ـ استراتيجية في اليات التضليل وصناعة الراي العام

مقدمة الدراسة

أصبحت الأخبار المفبركة إحدى أبرز الظواهر المؤثرة في المجال العام المعاصر، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الإعلامي بفعل الثورة الرقمية وتنامي دور المنصات الاجتماعية. فلم يعد الخبر الزائف مجرد انحراف مهني أو خطأ إعلامي عابر، بل تحوّل إلى أداة ممنهجة تُستخدم في توجيه الإدراك الجماعي، والتأثير في مواقف الأفراد والجماعات، وإعادة تشكيل الرأي العام بما يخدم مصالح سياسية واستراتيجية محددة.

وفي هذا السياق، برز مفهوم «هندسة الوعي العام» ليعكس انتقال التضليل الإعلامي من مستوى نشر معلومات غير صحيحة إلى مستوى أكثر تعقيدًا، يقوم على إدارة الإدراك، واستثمار العوامل النفسية والثقافية، وتوظيف الخوارزميات الرقمية من أجل صناعة قناعات وسلوكيات سياسية واجتماعية بعينها. وهو ما جعل الأخبار المفبركة عنصرًا فاعلًا ضمن منظومة التأثير والنفوذ في العلاقات السياسية المعاصرة، سواء على المستوى الداخلي للدول أو في سياق الصراعات الإقليمية والدولية.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة بالنظر إلى تداعياتها العميقة على الثقة في الإعلام والمؤسسات، وعلى تماسك المجتمعات واستقرارها السياسي، فضلًا عن دورها في تأجيج الاستقطاب والانقسام، وتقويض النقاش العمومي الرشيد. من هنا، تأتي هذه الدراسة في إطار مقاربة تحليلية–استراتيجية تسعى إلى تفكيك آليات التضليل المرتبطة بالأخبار المفبركة، وفهم كيفية توظيفها في صناعة الرأي العام، واستشراف سبل مواجهتها من منظور سياساتي ومؤسساتي.

إشكالية الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن الأخبار المفبركة لم تعد ظاهرة إعلامية هامشية، بل غدت أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الوعي العام وممارسة التأثير والنفوذ، في سياق تتقاطع فيه التكنولوجيا الرقمية مع السياسة والاتصال الجماهيري. وتتمثل الإشكالية الأساسية في التساؤل حول كيف تُستخدم الأخبار المفبركة كآلية لهندسة الوعي العام، وما حدود تأثيرها في توجيه الرأي العام وصناعة القناعات السياسية؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسية مجموعة من الأسئلة الفرعية، من بينها:

  • ما المقصود بالأخبار المفبركة، وما الذي يميزها عن غيرها من أشكال التضليل الإعلامي؟
  • ما الآليات التواصلية والنفسية والتقنية التي تُعتمد في إنتاج الأخبار المفبركة ونشرها؟
  • من هم الفاعلون الرئيسيون في توظيف الأخبار المفبركة كأداة للتأثير والنفوذ؟
  • إلى أي حد تسهم الأخبار المفبركة في زعزعة الثقة العامة وتعميق الاستقطاب المجتمعي؟
  • ما هي الاستجابات الممكنة، إعلاميًا ومؤسساتيًا وتشريعيًا، للحد من تأثير هذه الظاهرة دون المساس بحرية التعبير؟
  • ومن خلال معالجة هذه الإشكالية، تسعى الدراسة إلى تقديم فهم أعمق لديناميات التضليل الإعلامي في العصر الرقمي، وإلى بلورة مقاربات عملية وتوصيات موجهة لصنّاع القرار ومراكز التفكير، بهدف تحصين الرأي العام وتعزيز الأمن المعرفي في مواجهة الأخبار المفبركة

المحور الأول: الإطار المفاهيمي والنظري

أولًا: مفهوم الأخبار المفبركة وتمييزه عن المفاهيم ذات الصلة

يُعدّ مفهوم الأخبار المفبركة (Fake News) من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الأدبيات الإعلامية والسياسية المعاصرة، نظرًا لتداخله مع مفاهيم أخرى مثل التضليل الإعلامي، والدعاية السياسية، والمعلومات الزائفة غير المقصودة. ويُقصد بالأخبار المفبركة تلك المضامين الإعلامية التي تُنتج وتُروَّج عمدًا على أساس معلومات غير صحيحة أو مضلِّلة، مع إلباسها قالبًا خبريًا يوحي بالمصداقية، بهدف التأثير في إدراك المتلقي وتوجيه مواقفه أو سلوكه.

ويختلف هذا النمط من الأخبار عن الأخطاء المهنية أو المعلومات غير الدقيقة التي قد تنتج عن ضعف التحقق أو ضيق الوقت في العمل الصحفي، كما يختلف عن الرأي المتحيّز أو التحليل المؤدلج، إذ تقوم الأخبار المفبركة على القصدية والتخطيط المسبق، وعلى استغلال الثقة العامة في الأشكال الخبرية. كما ينبغي التمييز بينها وبين الدعاية السياسية التقليدية، التي غالبًا ما تكون معلنة المصدر والغاية، في حين تتسم الأخبار المفبركة بالغموض والتلاعب بالمصادر والسياقات.

ثانيًا: من التضليل الإعلامي إلى هندسة الوعي العام

يمثل الانتقال من مفهوم التضليل الإعلامي إلى مفهوم هندسة الوعي العام تحولًا نوعيًا في فهم طبيعة التأثير الإعلامي المعاصر. فالتضليل، في صيغته الكلاسيكية، كان يقتصر على بث معلومات غير صحيحة أو مجتزأة، بينما تقوم هندسة الوعي العام على إدارة الإدراك الجمعي بصورة أكثر تعقيدًا، من خلال تراكم الرسائل، وتكرار السرديات، والتحكم في ترتيب الأولويات داخل المجال العمومي.

وتستند هندسة الوعي العام إلى توظيف معارف متعددة التخصصات، تشمل علم النفس الاجتماعي، ونظريات الاتصال الجماهيري، وتحليل البيانات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي. ويتم ذلك عبر استهداف الفئات الاجتماعية المختلفة بخطابات مصمَّمة خصيصًا لميولها ومخاوفها، بما يجعل المتلقي شريكًا غير واعٍ في إعادة إنتاج الخطاب المضلِّل. وفي هذا السياق، تتحول الأخبار المفبركة إلى أداة فاعلة في تشكيل التمثلات الذهنية والاتجاهات السياسية على المدى المتوسط والطويل.

ثالثًا: الرأي العام بين المقاربات الكلاسيكية والتحولات الرقمية

شكّل مفهوم الرأي العام محورًا أساسيًا في الفكر السياسي والاجتماعي منذ بدايات القرن العشرين، حيث اعتُبر تعبيرًا عن مواقف واتجاهات جماعية تتبلور عبر النقاش العمومي ووسائل الإعلام. وقد ركزت المقاربات الكلاسيكية على دور الصحافة والمؤسسات الوسيطة في بلورة الرأي العام، وعلى أهمية النقاش العقلاني في الفضاء العام.

غير أن التحولات الرقمية أعادت صياغة هذا المفهوم، إذ بات الرأي العام أكثر تفتتًا وتجزؤًا، وخاضعًا لمنطق الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي. ففي هذا السياق، لم يعد الأفراد يتلقون المعلومات من مصادر مشتركة، بل من فضاءات رقمية مغلقة نسبيًا، تُعرف بـ«فقاعات الترشيح»،  او Filter Bubbles وهي مصطلح يُستخدم لوصف الظاهرة الرقمية التي يعيش فيها الأفراد عندما تعرض لهم خوارزميات الإنترنت (مثل محركات البحث، وسائل التواصل الاجتماعي، أو منصات الفيديو) محتوى يتوافق مع اهتماماتهم السابقة أو آرائهم، مع تقليل أو استبعاد المعلومات التي تتعارض معها. ( li Pariser (2011). The Filter Bubble: What the Internet Is Hiding from You.)  ما يعزز التحيّز التأكيدي ويُضعف فرص النقاش العمومي المتوازن. وتجد الأخبار المفبركة في هذا السياق بيئة خصبة للانتشار والتأثير، نظرًا لقدرتها على إثارة الانفعال وتغذية السرديات القائمة.

رابعًا: الأطر النظرية المفسِّرة لتأثير الأخبار المفبركة

تستند دراسة تأثير الأخبار المفبركة على الرأي العام إلى عدد من الأطر النظرية، من أبرزها نظرية ترتيب الأولويات (Agenda Setting)، التي تفسر قدرة وسائل الإعلام على تحديد القضايا التي تحظى باهتمام الجمهور، ونظرية التأطير (Framing)، التي توضح كيف يؤثر عرض الخبر في تفسيره وفهمه. كما تسهم نظرية دوامة الصمت في تفسير تراجع الأصوات المخالفة عندما يُصوَّر رأي معين بوصفه سائدًا.

إلى جانب ذلك، تبرز مقاربات حديثة تركز على الاقتصاد العاطفي للمعلومات، حيث يُنظر إلى المحتوى المضلِّل بوصفه منتجًا يُصمَّم لإثارة الانفعال وتعظيم التفاعل، بغضّ النظر عن صدقيته. وتساعد هذه الأطر النظرية في فهم الكيفية التي تتحول بها الأخبار المفبركة إلى عنصر مؤثر في توجيه الرأي العام وصناعة القناعات السياسية.

خامسًا: الأخبار المفبركة كفاعل غير مرئي في المجال العام

في ضوء ما سبق، يمكن النظر إلى الأخبار المفبركة بوصفها فاعلًا غير مرئي في المجال العام، يتجاوز دوره مجرد نقل معلومات خاطئة إلى التأثير البنيوي في أنماط التفكير والنقاش العمومي. فهي تسهم في إعادة تشكيل حدود المقبول والمرفوض، وتوجيه النقاش نحو قضايا مصطنعة، وإضعاف الثقة في الحقائق المشتركة التي يقوم عليها النقاش الديمقراطي.

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر معالجة الأخبار المفبركة على الجانب التقني أو القانوني، بل تستدعي مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد المفاهيمية والنظرية، بوصفها مدخلًا لفهم أعمق لديناميات التأثير والنفوذ في العصر الرقمي.

المحور الثاني: آليات صناعة الأخبار المفبركة وانتشارها

أولًا: الفاعلون في صناعة الأخبار المفبركة

لا تُنتَج الأخبار المفبركة في فراغ، بل تقف وراءها شبكة معقدة من الفاعلين تتباين دوافعهم وأهدافهم. فمنهم فاعلون سياسيون يسعون إلى التأثير في اتجاهات الرأي العام أو إضعاف خصومهم، ومنهم جماعات ضغط أو شبكات منظمة تعمل على توجيه النقاش العمومي حول قضايا محددة. كما برز فاعلون اقتصاديون يستثمرون في المحتوى المضلِّل بهدف تحقيق أرباح عبر جذب التفاعل والإعلانات، فضلًا عن أفراد أو مجموعات تسعى إلى إثارة الجدل أو تحقيق حضور رقمي.

ويُلاحظ أن هذه الفئات قد تعمل أحيانًا بصورة متقاطعة، حيث تتلاقى المصالح السياسية والاقتصادية في إنتاج خطاب مضلِّل عالي الانتشار، ما يجعل من الأخبار المفبركة جزءًا من منظومة أوسع للتأثير المنهجي في المجال العام.

ثانيًا: تقنيات إنتاج الأخبار المفبركة

تعتمد صناعة الأخبار المفبركة على جملة من التقنيات الاتصالية والمهنية التي تهدف إلى إضفاء طابع المصداقية على المحتوى المضلِّل. من أبرز هذه التقنيات محاكاة القوالب الصحفية المعروفة، مثل العناوين الخبرية، والصور الداعمة، والاقتباسات المنسوبة لمصادر مجهولة أو مفبركة. كما يُستغل الخلط بين الخبر والرأي، أو توظيف معلومات صحيحة ضمن سياق مضلِّل، لإرباك المتلقي وتعقيد عملية التحقق.

إلى جانب ذلك، يتم اللجوء إلى أساليب أكثر تطورًا، من بينها التلاعب بالصور والفيديوهات، وإعادة تدوير محتوى قديم خارج سياقه الزمني، أو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج نصوص أو مواد بصرية يصعب تمييزها عن المحتوى الحقيقي. وتُظهر هذه الممارسات أن الأخبار المفبركة ليست نتاجًا عشوائيًا، بل نتيجة تخطيط واعٍ يستهدف نقاط الضعف في منظومة التلقي الإعلامي.

ثالثًا: دور المنصات الرقمية والخوارزميات في الانتشار

تلعب المنصات الرقمية دورًا محوريًا في تسريع انتشار الأخبار المفبركة، نظرًا لطبيعة عمل الخوارزميات التي تعطي الأولوية للمحتوى الأكثر تفاعلًا، بغضّ النظر عن دقته أو مصداقيته. فالمحتوى المثير للانفعال، الذي يعتمد على الخوف أو الغضب أو الصدمة، يحظى بفرص أكبر للانتشار، ما يمنح الأخبار المفبركة أفضلية تنافسية في الفضاء الرقمي.

كما تسهم خاصية التخصيص في تعميق أثر الأخبار المفبركة، حيث يتلقى المستخدم محتوى يتوافق مع ميوله السابقة، ما يعزز التحيّز التأكيدي ويُقلّل من فرص التعرض لوجهات نظر مغايرة. وفي هذا السياق، تتحول المنصات الرقمية من مجرد وسائط تواصل إلى فاعل غير مباشر في إعادة إنتاج التضليل وتضخيم أثره.

رابعًا: الآليات النفسية والاجتماعية للتأثير

لا يمكن فهم انتشار الأخبار المفبركة دون التوقف عند العوامل النفسية والاجتماعية التي تجعل الأفراد أكثر قابلية لتصديقها وتداولها. فالأفراد يميلون إلى تصديق المعلومات التي تؤكد قناعاتهم المسبقة، ويُظهرون استعدادًا أكبر لمشاركة المحتوى الذي يثير مشاعر قوية أو يعزز شعور الانتماء الجماعي.

كما تلعب الثقة المنخفضة في المؤسسات والإعلام دورًا مهمًا في خلق بيئة حاضنة للأخبار المفبركة، حيث يبحث الأفراد عن مصادر بديلة للمعلومة، ولو كانت غير موثوقة. ويسهم هذا السياق في تسريع تداول الأخبار المفبركة بوصفها تعبيرًا عن الشك أو الاحتجاج، لا مجرد نقل للمعلومة.

خامسًا: شبكات الترويج والتضخيم الاصطناعي

إلى جانب التفاعل العضوي، تعتمد الأخبار المفبركة على شبكات ترويج منظمة، تشمل حسابات وهمية، وجماعات رقمية منسَّقة، وبرمجيات آلية تعمل على إعادة نشر المحتوى وتضخيمه في زمن قياسي. وتُستخدم هذه الشبكات لخلق انطباع زائف بوجود إجماع أو اهتمام واسع بقضية معينة، ما يدفع المستخدمين الحقيقيين إلى التفاعل معها باعتبارها موضوعًا ذا أولوية.

وتُعدّ هذه الآليات جزءًا من استراتيجيات التأثير غير المباشر، التي تهدف إلى توجيه النقاش العمومي دون الظهور كطرف فاعل مباشر، وهو ما يزيد من تعقيد عملية الرصد والمساءلة.

سادسًا: تفاعل الإعلام التقليدي مع الأخبار المفبركة

على الرغم من التراجع النسبي لدور الإعلام التقليدي في البيئة الرقمية، فإن تفاعله مع الأخبار المفبركة يظل عاملًا حاسمًا في توسيع دائرة انتشارها أو الحد منها. ففي بعض الحالات، يسهم التسرع في التغطية أو السعي وراء السبق الصحفي في إعادة إنتاج الأخبار المفبركة ومنحها شرعية غير مقصودة. وفي حالات أخرى، يؤدي غياب التحقق المهني إلى تكريس السرديات المضلِّلة بدل تفكيكها.

وفي المقابل، يمكن للإعلام التقليدي، عندما يلتزم بالمعايير المهنية، أن يلعب دورًا محوريًا في كبح انتشار الأخبار المفبركة، من خلال التحقيق والتدقيق وتوفير سياق تفسيري يساعد الجمهور على التمييز بين الخبر الحقيقي والمضلِّل.

المحور الثالث: الأخبار المفبركة كأداة للتأثير والنفوذ

أولًا: من الظاهرة الإعلامية إلى الأداة الاستراتيجية

لم تعد الأخبار المفبركة تُفهم بوصفها مجرد اختلال في المنظومة الإعلامية أو نتاجًا لانفلات الفضاء الرقمي، بل تحوّلت إلى أداة استراتيجية تُوظَّف بوعي ضمن مشاريع التأثير والنفوذ. فالقيمة الحقيقية للأخبار المفبركة لا تكمن فقط في محتواها الزائف، بل في قدرتها على إعادة توجيه الإدراك العام، والتحكم في مسارات النقاش العمومي، والتأثير في موازين القوة الرمزية داخل المجتمعات.

في هذا السياق، تتقاطع الأخبار المفبركة مع منطق القوة الناعمة، لكنها تتجاوزها أحيانًا نحو ما يمكن تسميته بـ«القوة الإدراكية»، التي تستهدف العقول والتمثلات قبل استهداف السياسات أو المؤسسات. وهو ما يجعلها أداة منخفضة الكلفة، عالية الأثر، وقابلة للتوظيف في سياقات متعددة، داخلية وخارجية.

ثانيًا: توظيف الأخبار المفبركة في الصراعات السياسية الداخلية

تلعب الأخبار المفبركة دورًا متزايدًا في الصراعات السياسية الداخلية، حيث تُستخدم لتقويض شرعية الفاعلين السياسيين، وتشويه صورتهم، أو تأليب الرأي العام ضدهم. وغالبًا ما تُصاغ هذه الأخبار في شكل فضائح أخلاقية، أو اتهامات فساد، أو تهديدات وهمية، بما يستثير المخاوف والانفعالات الجماعية.

كما تُستعمل الأخبار المفبركة للتأثير في المسارات الانتخابية، عبر توجيه الناخبين، أو تثبيط المشاركة السياسية، أو خلق شعور عام بانعدام الثقة في العملية الديمقراطية برمتها. وفي هذا الإطار، لا يكون الهدف دائمًا دعم طرف بعينه، بل أحيانًا إضعاف الثقة العامة وإرباك المجال السياسي، بما يخدم مصالح فاعلين يسعون إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية.

ثالثًا: الأخبار المفبركة في الصراعات الإقليمية والدولية

على المستوى الإقليمي والدولي، تُعدّ الأخبار المفبركة جزءًا لا يتجزأ من حروب المعلومات، حيث تُوظَّف للتأثير في الرأي العام داخل الدول المستهدفة، أو لتشويه صورة الخصوم على الساحة الدولية. ويتم ذلك عبر حملات منسقة تستهدف قضايا حساسة، مثل الأمن، والهوية، والسيادة، وحقوق الإنسان.

وتكمن خطورة هذا التوظيف في كونه يتم غالبًا دون إعلان مباشر، ما يتيح للفاعلين المنخرطين فيه هامشًا واسعًا من الإنكار والمناورة. كما تسهم الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمي في تعقيد عملية المساءلة، وتحويل الأخبار المفبركة إلى أداة نفوذ غير تقليدية في العلاقات الدولية المعاصرة.

رابعًا: التأثير في الرأي العام وصناعة القبول أو الرفض

تعمل الأخبار المفبركة على إعادة تشكيل الرأي العام من خلال التأثير في منظومة القيم والتصورات، وليس فقط في المواقف الآنية. فهي تسهم في صناعة القبول تجاه سياسات أو ممارسات معينة، أو في بناء الرفض تجاه خيارات بديلة، عبر تكرار سرديات محددة وتقديمها بوصفها حقائق راسخة.

وفي هذا السياق، تُستخدم الأخبار المفبركة لتطبيع أفكار متطرفة، أو لتبرير سياسات مثيرة للجدل، أو لإعادة تعريف العدو والصديق في المخيال الجمعي. ومع مرور الوقت، يتحول هذا التأثير التراكمي إلى عنصر حاسم في توجيه السلوك السياسي والاجتماعي، حتى في غياب قناعة واعية لدى الأفراد.

خامسًا: الأخبار المفبركة كوسيلة لإضعاف الثقة والمؤسسات

من أبرز أوجه النفوذ المرتبطة بالأخبار المفبركة قدرتها على تقويض الثقةفي المؤسسات السياسية والإعلامية والقضائية. فعبر التشكيك المستمر في نزاهة هذه المؤسسات، أو تصويرها كأدوات تلاعب وخداع، تُسهم الأخبار المفبركة في إضعاف المرجعيات المشتركة التي يقوم عليها النظام السياسي والاجتماعي.

ويؤدي هذا التآكل في الثقة إلى خلق فراغ معرفي، تصبح فيه السرديات المضلِّلة أكثر قابلية للانتشار، ويغدو الرأي العام أكثر هشاشة أمام محاولات التوجيه والسيطرة. ومن ثمّ، يتحول التضليل الإعلامي إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ داخل المجتمع، بعيدًا عن الآليات الديمقراطية والمؤسساتية التقليدية.

سادسًا: حدود التأثير ومقاومات الرأي العام

على الرغم من الفعالية الكبيرة للأخبار المفبركة، فإن تأثيرها لا يكون مطلقًا أو حتميًا. إذ تظل هناك مقاومات اجتماعية ومعرفية تحدّ من قدرتها على الهيمنة الكاملة على الرأي العام، من بينها ارتفاع مستوى الوعي الإعلامي، ووجود إعلام مهني قوي، وتعدد مصادر المعلومة.

غير أن هذه المقاومات تظل غير كافية في غياب استراتيجيات شاملة لمواجهة التضليل، ما يجعل من الأخبار المفبركة أداة نفوذ مستمرة ومرنة، تتكيف مع السياقات المختلفة وتستثمر نقاط الضعف البنيوية في المجال العام.

المحور الرابع : الأخبار المفبركة: نماذج وتجارب من العالم إلى الإقليم والعالم العربي

1ـ  الانتخابات الرئاسية  الأمريكية

شهدت الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016 انتشارًا واسعًا للأخبار المفبركة عبر مواقع وصفحات رقمية، مستفيدة من البيئة الرقمية المفتوحة على منصات التواصل الاجتماعي. اعتمدت هذه الأخبار على عناوين مثيرة ومشحونة عاطفيًا لتعزيز الاستقطاب السياسي والتأثير في الناخبين، خاصة الفئات غير المتابعة للمصادر الإعلامية التقليدية. ساهمت خوارزميات المنصات الرقمية في سرعة انتشار هذه الأخبار، بينما استفادت بعض الجهات من العائدات الإعلانية، مما كشف هشاشة النظام الإعلامي الرقمي أمام التضليل خلال الانتخابات.ومن الامثلة العملية من انتخابات  2016:

  • انتشار أخبار مزيفة عن المرشحة  هيلاري كلينتون حيث تم تداول مقالات تزعم أنها قامت ببيع أسلحة أو تآمرت مع حكومات أجنبية،.كما انتشرت نظرية مؤامرة “بيتزا غيت” عندما  ادّعت مواقع مزيفة أن شبكة من السياسيين كانت متورطة في جرائم سرية، ما أثار ضجة كبيرة على الإنترنت رغم أن التحقيقات نفت ذلك.

لقد كانت الأخبار المفبركة  تستخدم عناوين تجذب الانتباه وتحفز المشاعر والهدف منها  جذب المتابعين للتفاعل مع المحتوى، حتى لو لم يتحققوا من صحته.

شهدت جائحة كورونا انتشارًا واسعًا للأخبار والمعلومات المفبركة المضللة، خصوصًا حول فعالية الإجراءات الصحية واللقاحات. استُخدمت فيديوهات وشهادات مزيفة، إلى جانب تطبيقات المراسلة مثل WhatsApp وTelegram، لنشر محتوى مضلل بسرعة. أسهمت هذه الحملات في تعزيز الشكوك تجاه المؤسسات الصحية وتأخير التطعيمات، مما أظهر هشاشة النظام الإعلامي الرقمي وأهمية تعزيز التدابير التنظيمية والتثقيفية لضمان وصول معلومات دقيقة للجمهور أثناء الأزمات الصحية العالمية.

 2ـ جائحة كورونا والاخبار المضللة

شهدت جائحة كورونا انتشارًا واسعًا للأخبار والمعلومات المفبركة المضللة، خصوصًا حول فعالية الإجراءات الصحية واللقاحات. استُخدمت فيديوهات وشهادات مزيفة، إلى جانب تطبيقات المراسلة مثل WhatsApp وTelegram، لنشر محتوى مضلل بسرعة. أسهمت هذه الحملات في تعزيز الشكوك تجاه المؤسسات الصحية وتأخير التطعيمات، مما أظهر هشاشة النظام الإعلامي الرقمي وأهمية تعزيز التدابير التنظيمية والتثقيفية لضمان وصول معلومات دقيقة للجمهور أثناء الأزمات الصحية العالمية.3ـ  إسرائيل والأخبار المفبركة

تعتمد إسرائيل على الأخبار المفبركة كأداة استراتيجية لتبرير سياساتها الإقليمية والتأثير على الرأي العام المحلي والدولي. تشمل الأساليب: تضخيم التهديدات، إعادة استخدام صور وفيديوهات قديمة، وتقديم معلومات ملفقة عن المدنيين. كما تُستغل المنصات الرقمية لتسريع نشر هذه الأخبار وتوجيه السردية الدولية، مما يبرز دور التضليل الإعلامي كأداة فعّالة في الصراعات المعاصرة.

3ـ الثورات العربية

منذ 2010، انتشرت الأخبار المفبركة خلال الثورات العربية لتوجيه الرأي العام، باستخدام صور وفيديوهات قديمة وشهادات مزيفة. لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا مزدوجًا: التوعية وحشد التأييد، ونشر الأكاذيب التي زادت الانقسامات. تظهر الحاجة لتعزيز التحقق من المعلومات والثقافة الرقمية، وقد استُخدمت أساليب مشابهة لاحقًا في حملات التضليل ضد المغرب.

4ـ الأخبار المفبركة ضد المغرب: الحملات الجزائرية الممنهجة واستراتيجيات التضليل الإعلامي

تشير التحليلات إلى أن تيارات جزائرية ووسائل إعلام مرتبطة بهاتستخدم الأخبار المفبركة بشكل ممنهج لاستهداف المغرب داخليا وخارجيا من خلال اخبار مفبركة زائفة ، خصوصًا فيما يتعلق بـ الصحراء المغربية ، المبادرات الاقتصادية، والرياضة الدولية.  وتعتمد الحملات الجزائرية على تقنيات متقدمة، منها الوثائق المفبركة، الحسابات الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي، وإعادة استخدام المحتوى خارج سياقه. وتحليل الفترة 2024–مطلع 2026 يبرز نماذج محددة، ويمكن تقسيم هذه الحملات إلى عدة محاور:

اـ  التضليل العسكري والأمني

  • المزاعم: تداول أخبار عن “انشقاقات داخلية” و”استنفار أمني” في الصحراء المغربية، أو وقوع اشتباكات وخسائر بشرية وهمية.
  • الوسائل: وثائق مزورة، رسائل إدارية مفبركة، وحسابات وهمية على منصات رقمية.
  • الأمثلة الحديثة (2024–2025): نشر تقارير تزعم مقتل ضباط مغاربة في مناطق نزاع خارجية، بينما أكدت بعثة الأمم المتحدة (المينورسو) استقرار الوضع.
  • الأهداف: زعزعة الثقة الداخلية في المؤسسة العسكرية، وإيحاء ضعف الاستقرار أمام المجتمع الدولي.

ب ـ  التضليل الاقتصادي والدبلوماسي

  • المزاعم: تصوير المشاريع المغربية في إفريقيا على أنها أدوات للسيطرة والنفوذ غير المشروع.
  • الوسائل: مقالات وصور مفبركة، إعادة استخدام محتوى خارج سياقه، تضخيم قصص محدودة لتبدو شاملة.
  • الأمثلة: بعض الأخبار حاولت تصوير المشاريع التنموية المغربية كخطر على سيادة دول الجوار، رغم تأكيد التقارير الدولية على طبيعتها التنموية.
  • الأهداف: التأثير على الرأي العام الإقليمي والدولي وتقويض مصداقية المغرب كفاعل تنموي.

ج ـ  التضليل الرياضي والدبلوماسية الرمزية

  • المزاعم: مشاكل تنظيمية، مضايقات للبعثات الأجنبية، إصابات وهمية للاعبين، حوادث لم تحدث.
  • الأمثلة: خلال بطولة كأس أمم إفريقيا 2025–2026، تداولت صور وفيديوهات قديمة على أنها من البطولة لتصوير المغرب على أنه يعاني فوضى أو ضعف تنظيم.
  • الوسائل: حسابات وهمية، الذباب الإلكتروني، منصات التواصل الاجتماعي X، فيسبوك.
  • اعداد  تقارير تلفزيونية وأخبار متحيزة ومغلوطة في الصحف والقنوات التلفزيونية الرسمية بهدف تشويه صورة المغرب وإثارة الشكوك حول قدرته على تنظيم البطولة.
  •   الذباب الإلكتروني: مجموعة من الحسابات المجهولة على منصات التواصل الاجتماعي، تقوم بترويج الأخبار الكاذبة والاشاعات بهدف تضليل الرأي العام والتأثير النفسي على المتابعين.
  •  التضليل المعلوماتي: استخدام بيانات ومعلومات مضللة أو غير دقيقة لنشر انطباعات سلبية حول المغرب، بما في ذلك ادعاءات غير مثبتة تتعلق بالبنية التحتية للبطولة والتنظيم اللوجستي.
  • الأهداف: التأثير على الصورة الدولية للمغرب وتقويض الثقة في قدرته على إدارة الأحداث الكبرى.

دـ  التضليل الجيوسياسي والدبلوماسي

  • المزاعم: ربط السياسة المغربية بأجندات خارجية، مثل موقف المغرب من حرب غزة أو التعاون مع إسرائيل.
  • الوسائل: محتوى إعلامي جزائري رقمي، مقالات ومقاطع فيديو مفبركة، حملات ترويجية على الوسوم (Hashtags).
  • الأهداف: تأليب الرأي العام العربي والإسلامي ضد المغرب، وتشويه سياساته الخارجية.

هـ ـ  الآليات التكنولوجية المستخدمة

  • الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني لنشر الأخبار بسرعة، وزيادة الانطباع الشعبي عن صحتها.
  • إعادة استخدام فيديوهات وصور قديمة أو من دول أخرى ونسبها للواقع المغربي الحالي.
  • استهداف منصات التواصل الاجتماعي بخوارزميات تضخيم المحتوى الأكثر تداولًا.

وـ  النتائج والتأثيرات

  • خلق انطباع واسع حول وجود أزمات داخلية أو إخفاقات مؤسسية.
  • التأثير على سمعة المغرب الإقليمية والدولية.
  • الحاجة إلى استراتيجيات مواجهة إعلامية ورقمية وقانونية متكاملة لحماية الرأي العام الوطني وتعزيز القدرة على التعامل مع التضليل الإعلامي الذي تقوده الجزائ
  •  

المحور الخامس : تداعيات الأخبار المفبركة على المجال العام والاستقرار

أولًا: تآكل الثقة في الإعلام والمؤسسات

تمثل الأخبار المفبركة تهديدًا مباشرًا للثقة العامة في الإعلام التقليدي والمؤسسات الرسمية، إذ يعمل التضليل المستمر على إضعاف مصداقية المصادر المعلومة. وعندما يشك الجمهور في نزاهة المؤسسات الإعلامية أو السياسية، تتراجع قدرة هذه المؤسسات على ممارسة دورها الرقابي أو التوجيه الرشيد للرأي العام.
هذا التآكل في الثقة يولد بيئة خصبة للانفلات المعلوماتي، حيث يصبح المتلقي أكثر استعدادًا لتصديق أي محتوى، بغض النظر عن صحته أو مصداقيته، ما يؤدي إلى تعزيز الفراغ المعرفي واستغلاله من قبل فاعلين سياسيين أو رقميين.

ثانيًا: تعزيز الاستقطاب والانقسام المجتمعي

تلعب الأخبار المفبركة دورًا في تغذية الانقسامات السياسية والاجتماعية، إذ غالبًا ما تصمّم لتأكيد تحيزات محددة أو لإثارة الصراعات بين مجموعات المجتمع المختلفة. ومن خلال إعادة إنتاج سرديات متناقضة ومتطرفة، تتحول المجتمعات إلى فضاءات منقسمة، تضعف فيها القدرة على النقاش العقلاني والتفاهم المشترك.
ويؤدي هذا الاستقطاب إلى تفاقم الانقسامات السياسية، وإضعاف اللحمة الاجتماعية، ويزيد من صعوبة التوصل إلى توافقات حول القضايا العامة، بما يضعف آليات اتخاذ القرار الديمقراطي.

ثالثًا: التأثير على الاستقرار السياسي والأمني

تساهم الأخبار المفبركة في زعزعة الاستقرار السياسي من خلال إضعاف الثقة في القيادات والمؤسسات، وإثارة الشكوك حول نزاهة الانتخابات أو مصداقية السياسات العامة. في الحالات المتقدمة، يمكن أن تشجع الحملات المضللة على مظاهرات احتجاجية أو اضطرابات اجتماعية، مما يخلق بيئة غير مستقرة قد تُستغل لتحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية.
وعلى المستوى الأمني، يمكن للتضليل الإعلامي أن يصبح أداة في الحروب السيبرانية والصراعات الإقليمية، حيث يُستخدم لزعزعة استقرار خصوم محددين أو التأثير في مواقفهم الدولية.

رابعًا: إعادة تشكيل الأولويات العامة

تعمل الأخبار المفبركة على إعادة ترتيب الأولويات في النقاش العام، من خلال تسليط الضوء على قضايا مصطنعة أو مبالغ فيها، بينما تُهمش القضايا الحيوية والضرورية. هذا التحويل الممنهج للانتباه العام يجعل السياسات العامة والمناقشات المجتمعية غير متوازنة، ويؤثر على القدرة على التعامل مع المشكلات الحقيقية بفاعلية.

خامسًا: تأثير طويل المدى على المجال العام

تتجاوز تداعيات الأخبار المفبركة التأثير اللحظي، لتشمل تحولات طويلة المدى في الإدراكالجمعي والسلوك السياسي. إذ تساهم في تغيير معايير ما يُعتبر حقيقة أو مقبولًا، وتعزز القبول بسرديات موجهة، حتى لو كانت مضللة، مما يؤثر على الثقافة السياسية، ويضعف الأسس المعرفية للنقاش الديمقراطي.

سادسًا: أبعاد اجتماعية ونفسية للتداعيات

دور الإعلام المهني ومراكز التفكير

من الناحية النفسية والاجتماعية، تعمل الأخبار المفبركة على تعزيز الخوف والقلق والغضب، ما يجعل المجتمع أكثر انفعالًا وأقل قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما تُضعف هذه الظاهرة شعور الانتماء المشترك، وتزيد من الانغلاق على الفئات والأفكار المماثلة، ما يحد من الحوار المجتمعي ويقلل من قدرة المجتمع على مواجهة التحديات بشكل جماعي.

وبناء على ما سبق تُظهر التحليلات أن الأخبار المفبركة تمثل تهديدًا متعدد الأبعاد للمجال العام والاستقرار، فهي:

  • تضعف الثقة في الإعلام والمؤسسات،
  • تعزز الانقسام والاستقطاب،
  • تؤثر على الاستقرار السياسي والأمني،
  • تعيد ترتيب الأولويات العامة لصالح أجندات مضللة،
  • وتترك آثارًا طويلة المدى على السلوك الجمعي والثقافة السياسية.

ومن ثم، فإن مواجهة الأخبار المفبركة ليست مهمة إعلامية فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية المجال العام والاستقرار المجتمعي والسياسي.

المحور السادس : آفاق المواجهة والاستجابة الاستراتيجية

تشكل وسائل الإعلام المهنية خط الدفاع الأول ضد انتشار الأخبار المفبركة، من خلال الالتزام بمعايير التحقق الصحفي، والتحليل الموضوعي، وتقديم سياقات تفسيرية تساعد الجمهور على تمييز الحقيقة من التضليل.
كما تلعب مراكز التفكير دورًا حاسمًا في إنتاج الدراسات والتحليلات المتخصصة، ورصد الاتجاهات الإعلامية، وتقديم توصيات استراتيجية لصنّاع القرار، بما يسهم في بناء فهم معمّق لديناميات الأخبار المفبركة وآليات تأثيرها.

أولا: الاستراتيجيات الرقمية للتصدي للتضليل

يُمثل الفضاء الرقمي البيئة الأساسية لانتشار الأخبار المفبركة، لذلك تبرز الحاجة إلى استراتيجيات تقنية متقدمة تشمل:

  • تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن الأخبار المفبركة وتحليل شبكات انتشارها.
  • التعاون مع منصات التواصل الاجتماعي لتقليل خوارزميات التضليل وتعزيز المحتوى الموثوق.
  • توظيف التحليل الرقمي لرصد الاتجاهات والمحتوى الزائف قبل أن يتحول إلى ظاهرة عامة.

ثانيا: الأطر القانونية والمؤسساتية

يمكن مواجهة الأخبار المفبركة عبر إطار قانوني متوازن يحقق التوازن بين مكافحة التضليل وحماية حرية التعبير، ويشمل:

  • وضع تشريعات تجرّم إنتاج الأخبار المفبركة عند قصد الإضرار العام أو التأثير السياسي غير المشروع.
  • إنشاء هيئات رقابية مستقلة لمتابعة المحتوى المضلل وتقديم التوصيات والسياسات المناسبة.
  • تعزيز التعاون الدولي لمواجهة انتشار الأخبار المفبركة العابرة للحدود، خاصة في سياق الحروب المعلوماتية.

ثالثا: التربية الإعلامية وبناء وعي جماعي

تُعد التربية الإعلامية عنصراً استراتيجياً لتحصين الرأي العام ضد التضليل، وذلك عبر:

  • إدراج برامج تعليمية تهدف إلى تطوير مهارات التحقق النقدي لدى الأفراد.
  • تعزيز الوعي بأساليب التضليل وتقنيات التأثير النفسي والاجتماعي.
  • دعم الثقافة الرقمية التي تمكن المواطنين من التفاعل مع المحتوى الإعلامي بشكل مسؤول ونقدي.

رابعا: التعاون متعدد الأطراف

لا يمكن مواجهة الأخبار المفبركة بمعزل عن البيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة، لذلك تبرز أهمية التعاون بين المؤسسات الحكومية، الإعلام، المجتمع المدني، والقطاع الخاص من أجل:

  • تبادل المعلومات وتحليل الاتجاهات المضللة.
  • وضع سياسات مشتركة لمكافحة التضليل الرقمي.
  • تطوير حملات توعوية مستمرة لتعزيز قدرة الجمهور على التمييز بين الأخبار الصحيحة والزائفة.

خامسا: تطوير استراتيجيات مرنة واستباقية

تستدعي مواجهة الأخبار المفبركة نهجًا استباقيًا، لا يقتصر على الرد بعد انتشار المعلومة المضللة، بل يشمل:

  • التنبؤ بالقضايا الأكثر عرضة للتضليل قبل انتشارها.
  • تصميم حملات إعلامية موجهة تعزز المصداقية وتستعيد ثقة الجمهور.
  • استخدام التحليل الاستراتيجي لمراقبة اتجاهات الرأي العام وتأثير الأخبار الزائفة على المدى القصير والطويل.

هذه التحليلات توضح  أن مواجهة الأخبار المفبركة تتطلب نهجًا متعدد الأبعاد يجمع بين:

  • الإعلام المهني القوي،
  • الأطر القانونية والمؤسساتية،
  • التربية الإعلامية وبناء الوعي الجماعي،
  • الأدوات الرقمية المتطورة،
  • التعاون متعدد الأطراف،
  • وتطوير استراتيجيات مرنة واستباقية.

ويشكل هذا النهج إطارًا عمليًا يمكن لصنّاع القرار ومراكز التفكير تبنيه للحد من تأثير الأخبار المفبركة على الرأي العام وضمان استقرار المجال العمومي والسياسي.

خاتمة الدراسة

خلصت الدراسة إلى أن الأخبار المفبركة لم تعد مجرد ظاهرة إعلامية عابرة، بل تحولت إلى أداة استراتيجية ذات تأثير ملموس في الرأي العام، قادرة على إعادة تشكيل مسارات النقاش المجتمعي. وتعتمد هذه الظاهرة على شبكات متطورة وتقنيات رقمية حديثة، ما يجعل انتشارها سريعًا وفعالًا، ويترتب عليها آثار اجتماعية وسياسية طويلة المدى، من أبرزها تراجع الثقة في المؤسسات وتعميق الانقسامات المجتمعية، إضافة إلى التأثير السلبي على الثقافة السياسية والسلوك الجمعي.

ولمواجهة هذا التحدي المعقد، توصي الدراسة بمجموعة من الإجراءات العملية متعددة الأبعاد، تشمل ما يلي:

  1. تعزيز الإعلام المهني:
    1. الالتزام بمعايير التحقق والتحليل الموضوعي قبل النشر.
    1. تطوير برامج تدريبية للصحفيين حول رصد الأخبار المفبركة والتعامل معها بفعالية.
  2. تطوير الأطر القانونية والمؤسساتية:
    1. صياغة تشريعات توازن بين مكافحة الأخبار المفبركة وحماية حرية التعبير.
    1. إنشاء هيئات رقابية مستقلة لرصد التضليل الإعلامي وتقديم التوصيات الاستراتيجية.
  3. تفعيل التربية الإعلامية وبناء الوعي الرقمي:
    1. إدراج برامج تعليمية في المدارس والجامعات لتعزيز مهارات التحقق النقدي.
    1. تنفيذ حملات توعوية لتثقيف الجمهور بأساليب التضليل وأهمية التحقق من المعلومات.
  4. استخدام التقنيات الرقمية الاستباقية:
    1. تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي لرصد الأخبار المفبركة وتحليل شبكات انتشارها.
    1. التعاون مع المنصات الرقمية لضبط خوارزميات المحتوى وتقليل تأثير التضليل.
  5. تعزيز التعاون متعدد الأطراف:
    1. تشجيع التنسيق بين المؤسسات الحكومية والإعلام والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
    1. تبادل البيانات والتحليلات لتحديد اتجاهات الأخبار الزائفة قبل انتشارها.
  6. إعداد استراتيجيات مرنة واستباقية:
    1. التنبؤ بالقضايا الأكثر عرضة للتضليل واتخاذ إجراءات وقائية مناسبة.
    1. تصميم حملات إعلامية موجهة لتعزيز المصداقية واستعادة ثقة الجمهور.

في المجمل، تؤكد الدراسة أن مواجهة الأخبار المفبركة تتطلب تضافر الجهود بين الإعلام المهني، الأطر القانونية، التربية الإعلامية، والتقنيات الرقمية، مع اعتماد استراتيجيات مرنة وتعاون متعدد الأطراف، لضمان حماية الرأي العام وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

المراجع

1ـ الشامي، محمد. (2020). هندسة الرأي العام في الإعلام الرقمي: دراسة تحليلية للأخبار المفبركة. مجلة الإعلام والدراسات الإنسانية، 12(1)، 101–124.

2ـ القرشي، سامي. (2018). التأثير الإعلامي والتحيز المعرفي في العصر الرقمي. دار الفكر العربي، القاهرة.

3ـ المقدم، حسين مظلوم. (2025). الأخبار المفبركة ودورها في تشكيل الرأي العام. مجلة الدفاع الوطني، العدد 131، تشرين الأول 2025.

Allcott, H., & Gentzkow, M. (2017). Social Media and Fake News in the 2016 Election. Journal of Economic Perspectives, 31(2), 211–236.

Wardle, C., & Derakhshan, H. (2017). Information Disorder: Toward an Interdisciplinary Framework. Council of Europe Report.

Castells, M. (2009). Communication Power. Oxford University Press.

Lazer, D. M., Baum, M. A., Grinberg, N., Friedland, L., Joseph, K., Hobbs, W., & Mattsson, C. (2018). The Science of Fake News. Science, 359(6380), 1094–1096.

Sunstein, C. R. (2017). #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media. Princeton University Press.

د. عياد جلول

مدير الأبحاث والدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى