
الانقسام الاستراتيجي لا يتوافق مع مصالح القوى الكبرى في المنطقة
واجهت السعودية منذ ثورات ما يسمى بالربيع العربي تحركات إقليمية لتوسيع نفوذها، نتج عنها تصاعد توترات في المنطقة عبر وكلاء. ساهم هذا النفوذ في تدمير دول وتفكيك بعضها، بدءا من العراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن والصومال.
رفضت مؤخرا السعودية الانضمام لاتفاقيات أبراهام، وتصر على أن إقامة أي علاقة مع إسرائيل مشروط بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بعدما حشدت العالم وراء هذا المطلب، ووافقت 157 دولة عليه. صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، نشرت تقريرا حول التحول القوي في الموقف السعودي تجاه تل أبيب، ما جعل صحيفة رياض ديلي في افتتاحيتها تشير إلى أنه “أينما توجد إسرائيل يوجد الخراب والدمار”. واتهمت صحيفة عرب نيوز إسرائيل بأنها دولة مجرمة حرب غير خاضعة لأي عقاب.
إسرائيل منزعجة من أن السعودية تعتبرها العدو الأول، بعدما كانت تعتبر إيران العدو الذي يجب مواجهته. لكن بعد مارس 2023، وبرعاية بكين، وإنجاز تهدئة بين السعودية وإيران، تغيرت البوصلة. ونقلت السعودية المواجهة بينها وبين إيران إلى أخرى بين إيران وإسرائيل. وترفض السعودية أي مشاركة في هذه المواجهة باعتبار أن السعودية أبرمت اتفاق تهدئة مع إيران، والسعودية دولة تنطلق من مبادئها الإسلامية والقيم العربية الأصيلة.
بل إن السعودية أوضحت لأمريكا أنها لن تسمح بان تكون أجواءها مرتعا للطيران الأمريكي، لأن السعودية تدرك أن أمريكا والغرب وحتى إسرائيل ليس لديهم مشكلة مع إيران في امتلاك النووي، سواء كان سلميا أو عسكريا، وإلا لما وقع الاتفاق النووي 5+1 عام 2015 مقابل غض الطرف عن نفوذ إيران، عندها تباهى وزير خارجية إيران جواد ظريف بأن إيران تسيطر على أربعة عواصم عربية. لكن خوف الغرب من تصريح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في زيارته لفرنسا، وفي المؤتمر مع الرئيس الفرنسي أوضح الأمير محمد بن سلمان أنه إذا تمكنت إيران من امتلاك النووي، فمن اليوم التالي سوف نحصل عليه، وهو ما يؤكده اليوم نائب الرئيس الأمريكي من ان ترك نووي إيران سيجعل السعودية تتجه نحو امتلاك النووي.
فككت السعودية المشروع الغربي الذي سلم المنطقة العربية لإيران، كما في الاتفاق النووي في 2015، فالسعودية هي التي قلبت الطاولة رأسا على عقب، فيما الرسالة السعودية تفكك مشروعا آخر، ولن تسمح السعودية تطويقا لها من قبل أي طرف، لا عبر اليمن والسودان والصومال عبر الفوضى والعبث في المناطق الهشة، او عبر شراكات أمنية مع إسرائيل لتهديد عمق الأمن العربي السعودية.
ولعميد الدبلوماسية السعودية الراحل الأمير سعود الفيصل مقولة بعد الاتفاق النووي عام 2015 بين إيران والغرب بأنه اتفاق ولد لكي يموت، كانت نظرة ثاقبة تؤمن بقدرات الدبلوماسية السعودية، وهو مشروع يتكسر على أرض السعودية الصلبة، وتواصل السعودية في تفكيك المشروع في اليمن والصومال والسودان.
ما يحدث اليوم ليس تبدل تحالفات بل سقوط مشاريع، وفشل مغامرات وأوهام، وبقاء السعودية رقما صعبا، ومرجعية لا يمكن تجاوزها في رسم معادلات المنطقة، وقد أشار تقرير صادر عن نيويورك تايمز بفشل ذريع للمخططات في اليمن، يشير صراحة إلى أن القفازات سقطت بعد ان ضاقت الرياض ذرعا بالتحركات المنفردة التي باتت تهدد الاستقرار الإقليمي، بعد فشل هجوم قادته فصائل مدعومة إماراتيا في ديسمبر 2025 للسيطرة على جنوب اليمن، هذا الفشل لم يكن عسكريا فحسب، بل كان سياسيا، أدى لرد فعل سعودي عنيف استعاد زمام المبادرة وانتزع النفوذ من يد الإمارات، كان ذلك بسبب خوف الإمارات من فقدان مصالحها في الموانئ والممرات المائية، وهو تخوف يتعارض مع رؤية السعودية التي تهدف إلى التقاء المصالح وتعزيزها وهو تخوف غير مبرر إذا لم يكن له أهداف أخرى غير الاقتصادية.
لقد كانت هناك رؤية مغايرة للاستقرار في الشرق الأوسط تعتمد على فصائل انفصالية وتأجيج صراعات، وهو ما يضعها في صدام مباشر مع الرؤية السعودية التي تسعى لتصفير النزاعات وحماية طرق التجارة، وهي رؤية تلتقي مع آسيا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا، لتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى أوروبا الجديدة، ولن تسمح السعودية لتعطيل هذه الرؤية. بل إن القوى الكبرى ترى أن الانقسام الاستراتيجي يقود في النهاية إلى فرض أجندات لا تتوافق مع مصالح القوى الكبرى في المنطقة.
ما يجري ليس خلافا خليجيا عابرا، بل خلاف أعمق من مجرد تكتيكات آنية، لأن التقارب الإماراتي المتزايد مع إسرائيل بمعزل عن رؤية عربية، يعطي الأولوية لتوسيع النفوذ على حساب تصاعد التوترات في المنطقة، التي تهدد الاستقرار، وفي نفس الوقت تقلص مشاريع الرؤية السعودية الشاملة.




