
التحفظ السعودي.. قراءة مبكرة لكلفة الحرب وتهديد رؤيتها
زمن تبديل الكراسي قد انتهى، الرؤية الدولية الجديدة ترفض منظومة دينية ثورية في إيران، هناك 4 ملفات أساسية كانت المحرك الفعلي للصراع بين الولايات المتحدة، المتزعمة للرؤية الاقتصادية العالمية الجديدة في استعادة الهيمنة الأمريكية، وإيران، أولها الملف النووي، وهي طموحات لم تعد مقبولة دوليا؛ وثانيها الصواريخ البالستية التي تهدد ليس فقط إسرائيل بل والمنطقة؛ وثالثها الأذرع الإقليمية؛ ورابعها مستقبل الشرق الأوسط الاقتصادي، وهو المخطط الذي تسعى واشنطن لرسمه بقيادة سعودية ودمج إسرائيل، لإعادة صياغة دور إيران الإقليمي بالكامل، ولن تقبل الولايات المتحدة أن تبقى إيران تابعة للصين ولا لروسيا، خصوصا بعدما نجح ترمب في المصالحة بين أذربيجان وأرمينا، وسمي الممر الذي ينقل الغاز من أذربيجان عبر أرمينيا إلى تركيا ثم إلى أوروبا بممر ترمب، فنحن أمام مشهد إقليمي جديد يعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط من بوابة طهران.
كيف تبدلت الكراسي؟ كتاب جاك سترو وزير خارجية بريطانيا فضح التعاون الاستراتيجي بين إيران وإسرائيل، بسبب أن إيران دولة مهووسة، وترى نفسها وكأنها قوة عظمى قادرة على ممارسة نفوذ خارق خارج حدودها، وتود أن تحاكي بريطانيا العظمى التي كانت تنطبق عليها ذات الصفة، لكن بريطانيا كانت دولة واقعية سلمت الدفة للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الأولى، وأصبحت دولة رديفة للولايات المتحدة تستشيرها في شؤون الدول بحكم خبرتها الطويلة، لكن إيران وقعت في فخ الدول الغربية لتحجيم النفوذ السعودي مركز الإسلام.
فإيران وإسرائيل نسقتا وتعاونتا مباشرة في المجالات العسكرية والاستخباراتية لتدمير العراق، خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، حيث بلغت الصادرات الإسرائيلية من السلاح لإيران حينها ما قيمته ملياري دولار، ومنحت إسرائيل إيران معلومات عن مواقع عسكرية في غربي العراق، وقامت إيران بقصفها، كما قدمت إيران بدورها لإسرائيل، الكثير من الصور لمفاعل تموز النووي العراقي، فقامت تل أبيب بتدميره، لأنها كانت ترى أن نظام صدام حسين خطرا عليها بعدما عبأ الشارع العربي ضدها.
وعلى رغم ان إيران تملك عدة مؤسسات نووية شبه متكاملة، فإن أميركا وإسرائيل سمحتا لها بوصول البرنامج النووي إلى مرحلة قريبة من الاكتمال من دون اعتراض جاد، مع استبعاد العمل العسكري خلال عشر سنوات من تلك الحقبة. وفي عام 2003 قدمت طهران للأميركيين وثيقة عبر السفير السويسري تيم غولدمان، وقع عليها المرشد الأعلى علي خامنئي، وسربها “ترتيا بارزي” رئيس المجلس القومي الأميركي الإيراني، واستاذ العلاقات الدولية في جامعة هوبكنز في كتابه “التحالف الغادر: حلف المصالح المشتركة، التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة”، وأعلنت اليونان أنها أوقفت حمولات قطع غيار طائرة اف 14 تنطلق من شركات إسرائيلية في فلسطين المحتلة إلى إيران عن طريق اليونان في ديسمبر 2012، وفي أبريل 2013، كما فضيحة إيران كونترا عام 1986.
كما فضح “بن رودس” مستشار الرئيس أوباما، تعاون إدارته مع إيران ونوري المالكي رئيس وزراء العراق، في صناعة داعش، حيث أن المالكي هو من أعطى الأمر بفتح السجون كي يهرب عملاء إيران من تنظيم القاعدة الذين أسندت لهم مهمة تنظيم مليشيات داعش، وأن المالكي هو من أمر الجيش بالخروج من الموصل.
لم تتردد إيران يوما بالتضحية بأهدافها الأيديولوجية، من أجل بقاء نفوذها، وكانت سياستها الخارجية تحت مطرقة مشروعها التاريخي، ففي عام 2015 توصل العالم مع إيران إلى اتفاق نووي 5+1 في عهد الرئيس أوباما مقابل غض الطرف عن النفوذ الإقليمي لإيران، الأمر الذي أغضب السعودية وفرض عليها القيام بعاصفة الحزم في اليمن لحماية أمنها، وهو ما جعل الرئيس ترمب ينسحب من الاتفاق النووي بشكل آحادي بعدما تقدمت السعودية برؤية اقتصادية وطنية إقليمية دولية لتحويل المنطقة إلى أوروبا الجديدة. رغم ذلك، لم يسمح الغرب للتحالف العربي بقيادة السعودية بتحرير الحديدة في 2018 واستعاضت عنه باتفاق استكهولم الذي لم تنفذ بنوده.
اتجهت السعودية بعدها إلى البحث عن استراتيجية تهدئة مع إيران بدلا من لعب الغرب على هذا الصراع بين السعودية وإيران، إلى أن تدخلت الصين لضمان تهدئة بين السعودية وإيران في مارس 2023، بالطبع كان إدخال الصين في شؤون الشرق الأوسط التي تعتبرها الولايات المتحدة نفوذ خاص بالولايات المتحدة بمثابة زلزال سياسي ، فتم تحريك ملف السودان في أبريل 2023 ثم ملف غزة في أكتوبر 2023، فقاد ذلك إلى تعثر الممر الهندي المفترض أن يمر بحيفا، لكن السعودية اشترطت بالمقابل أن تقبل إسرائيل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بعدما حشدت العالم بالتحالف مع أوربا وبشكل خاص مع فرنسا، ووافقت 157 دولة على إقامة الدولة الفلسطينية، بعدما رفضت السعودية المشاركة في “حارس الازدهار” حتى تتوقف إسرائيل عن حرب غزة، وهو ما قاد إلى تشكيل لجنة السلام في غزة بعدما توقفت الحرب فيها.
وعندما قامت المواجهة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، شجعت السعودية الطرفين على التوجه نحو التوصل إلى حلول عبر المفاوضات، بدلا اللجوء إلى المواجهة العسكرية، خصوصا بعد لجوء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ضربات مكثفة ومحدودة -سميت بحرب ال 12 يوما من 13-24 من شهر يونيو 2025- على عشرات الأهداف، فيما سمي بعملية “الأسد الصاعد”. وقد تم استهداف مواقع نووية رئيسية ومنشآت عسكرية ومناطق سكنية تواجد فيها قيادات عسكرية وعلماء نوويون إيرانيون.
الان إيران تتعهد بالانتقام بعد مقتل خامنئي وسط حرب متصاعدة، وبزشكيان يعلن تشكيل مجلس قيادة، وواشنطن وتل أبيب توسعان الهجوم، وأصبح سلوك إيران يتخذ منحى خليطا من الهستريا الانتقامية وخطة الحرب الشاملة، وباتت إيران تحت إدارة الحرس الثوري وبلا قيادة سياسية، ويبدو أنها اعتمدت سياسة إحراق المراكب مع دول الجوار التي بذلت جهودا بقيادة السعودية في منع قيام حرب.
لقد اكتشفت دول الخليج أن جغرافيتها وحتى اقتصادها مجتمعين أقل قدرة على تحمل حرب مفتوحة، وأن حجم المخاطرة كان واضحا، وشعرت أنها تضررت من هذه الحرب من عمان إلى الإمارات وقطر والبحرين والكويت، وأن مظلتها السعودية، بل إن إيران نفسها تبرأت من ضربات المنشآت النفطية في السعودية، عبر نائب وزير الخارجية الإيراني بقوله: أبلغنا الأشقاء في السعودية بأن إيران غير مسؤولة عن قصف حقول النفط، وأن هناك أطرافا استهدفت مصفاة رأس تنورة لجر السعودية للحرب قسرا، لأن إيران ترى في السعودية وسيطا نزيها وهمزة وصل مع العالم، خصوصا بعدما أدانت السعودية هذه الحرب ولم تكن إدانتها لفظية فحسب، بل أعلنت صراحة وضع كافة إمكانياتها لمساندة الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، وطالبت المجتمع الدولي بإنهاء سياسة غض الطرف، وطالبت باتخاذ إجراءات حازمة، باعتبار أن المنطقة تمر بمنعطف تاريخي، فالسعودية تقود جبهة التصدي لهذه التجاوزات، واعتبرت “أن الهجمات الإيرانية السافرة على أراضينا لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة وبأي شكل”. وفي تحرك استراتيجي ثقيل يهز التوازنات الإقليمية، خرجت الولايات المتحدة ببيان واحد مع السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، الأردن، تجاه الهجمات الإيرانية. وبالفعل أعطى سمو ولي العهد الضوء الأخضر للجيش السعودي بالرد على إيران حال هاجمت السعودية من جديد.
ويأتي التحفظ السعودي في الدخول للحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران من إدراكها أن تكاليف الحرب باهظة، لذا وجب تجنبها طالما كانت هناك فرص وحلول عبر المفاوضات. وعليه، تتحرك الدبلوماسية السعودية اليوم من منطلق حماية المكتسبات، ونزع فتيل هذه المواجهة، التي تفجرت بسبب أن الولايات المتحدة تود من إيران تنازلات بحجم الاشتراطات الأمريكية الصعبة لبناء نظام جديد يتفق مع توجهات الولايات المتحدة. وحتى أوروبا فهي ترى أن إيران ضرورة للغرب. ويعتقد كثيرون أن ترمب لا يرغب في إطالة أمد الحرب بسبب تكاليفها الاستراتيجية العالية، لكنها رغم ذلك توسعت عكس ما يرغب به، وهو الأمر الذي يصب في صالح إسرائيل، عبر إشعال الشرق الأوسط وإدخاله في الفوضى.
إن السعودية ترفض فخ الاستدراج ومصيدة الجغرافيا، بسبب أن إيران جارة للخليج، وليست جارة لواشنطن، او تل أبيب، ومضيق هرمز شريان الخليج، وأي تصعيد يعني تحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف دفاعي واقتصادي، ستكون دول الخليج هي المتضرر الأكبر من أي حرب شاملة. لذا نجحت السعودية في الحيلولة دون جرها إلى المشاركة في أي حرب ضد إيران، وأكد المتحدث الرسمي باسم السفارة السعودية في واشنطن، أن السعودية كانت متسقة في دعم الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى صفقة مع إيران، وأنها -أي السعودية- لم تضغط على ترمب لتبني سياسة مختلفة في أي وقت من الأوقات، معيدا التأكيد برفض بلاده أن تكون مقدرات الوطن والمنطقة وقودا لصراعات دولية لا تخدم استقرار المنطقة التنموية.
فدول الخليج وضعت في حرب لم تردها ولم تقررها وترفض المشاركة فيها، وتدرك أن أمريكا تدافع عن إسرائيل ولا تلقي بالا لدول الخليج، وبشكل خاص التي تتواجد فيها قواعد عسكرية لأمريكا. لقد كان الأولى بالولايات المتحدة أن تدافع دول الخليج كما تدافع عن إسرائيل، لكن تركتها تتعرض لضربات إيرانية.
لذلك تفضل السعودية الدفاع بدلا من الهجوم، وهي من ذاقت الويلات من هذا النظام الذي دمر دولا عربية من العراق وسوريا ولبنان واليمن، لكن إيران اليوم ليست كما كانت في عام 2015 فهي في أضعف حالاتها، وهي لا تود مواجهة مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية ومستعدة للتعاون والاندماج في المنطقة بعدما شعرت بفشل مشروعها وتخلي الغرب عن دعمه. وفي وقت يؤكد فيه علي لاريجاني أن إيران لن تتفاوض مع الولايات المتحدة، تكشف تقارير وول ستريت جورنال، نقلا عن مسؤولين أميركيين وعرب، عن تحركات عبر وسطاء عمانيين لاستئناف المفاوضات، ومحاولة إحياء المحادثات النووية.




