مرصد الجوار

الحرب التي لا تُخاض: لماذا يحتاج النظام الجزائري لعداء المغرب

في يناير 2026، بينما يعاني الجزائريون من نقص في المواد الغذائية الأساسية وطوابير الخبز، أقرّ البرلمان الجزائري ميزانية دفاعية بـ 27 مليار دولار للسنة الثانية على التوالي. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل مفتاح لفهم لماذا يصرّ النظام الجزائري على استمرار عداء المغرب رغم كل المبادرات والأيادي الممدودة. صحيح أن المتابعين للشأن الجزائري قد يسوقون خليطا من الأسباب التي يرون أنها تصلح للإجابة على السؤال المطروح، من قبيل “عقدة” حرب الرمال؛ التنافس على قيادة الإقليم؛ أو قضية الصحراء المغربية. ورغم ما تحمله هذه الأسباب من بعض الوجاهة، فإننا نعتقد أن الإجابة على هذا السؤال هي أبسط وأعمق!

الأرقام التي تكشف الحقيقة

منذ 2023، ارتفعت ميزانية الدفاع الجزائرية بأكثر من ملياري دولار سنوياً، من 21.6 مليار دولار في 2024 إلى مستوى قياسي بلغ 25 مليار دولار في 2025.  الإنفاق الدفاعي الجزائري تضاعف من 9.7 مليار دولار في 2020 إلى 21 مليار في 2024، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 21.3%

لنضع هذا في سياقه: الجزائر وحدها أنفقت في 2024 ما يقارب أربعة أضعاف ما أنفقه المغرب، بميزانية دفاعية بلغت 21.8 مليار دولار مقابل 5.5 مليار للمغرب .ميزانية الدفاع الجزائرية تتجاوز بفارق شاسع نظيراتها المغاربية: 13.4 مليار دولار للمغرب، 1.4 مليار لتونس، و274 مليون دولار لموريتانيا .

الأخطر أن ميزانية الدفاع تمثل خُمس الموازنة الوطنية الجزائرية، بينما تنفق الجزائر فقط 6.35 مليار دولار على الصحة و11.2 مليار على التعليم لسكان يبلغ عددهم 46 مليون نسمة.

الاقتصاد السياسي للعداء: من يستفيد؟

هذه الأرقام الفلكية ليست لمواجهة تهديد حقيقي، بل لإدامة نظام حكم. النظام الجزائري، الذي يحكمه تحالف عسكري-أمني منذ الاستقلال، بنى شرعيته على ركيزتين: ريع النفط والغاز، وخطاب “العدو الخارجي”. حين تهتز الأولى، تُضخَّم الثانية.

داخلياً، الجيش الجزائري ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل إمبراطورية اقتصادية. شبكة المصالح المرتبطة بصفقات السلاح، الامتيازات، العقود، والنفوذ تستفيد مباشرة من استمرار التوتر. المؤسسة العسكرية متجذرة في دورها التاريخي خلال حرب الاستقلال، وتعمل منذ فترة طويلة بإشراف برلماني محدود، حيث أُعفيت رسمياً من المساءلة البرلمانية في 2022 بموجب أحكام السرية (يمنع على أعضاء البرلمان مساءلة مؤسسة الجيش في أي أمر لاسيما ميزانيتها!!)

العداء مع المغرب يبرر هذا الإنفاق الهائل، ويحول الانتباه عن الفساد المستشري والفشل الاقتصادي. حين خرج الجزائريون في حراك 2019 مطالبين بإسقاط النظام، كان الرد تصعيداً غير مسبوق في العداء مع المغرب. أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في أغسطس 2021، في ذروة الأزمة الداخلية.

دولياً، المستفيد الأكبر واضح: روسيا. بين 2016 و2023، شكلت روسيا 61.3% من واردات الجزائر العسكرية بقيمة 5.8 مليار دولار، مقابل 0.1% أو 1.1 مليون دولار فقط من الولايات المتحدة.  هذا الارتباط العسكري يخلق تبعية استراتيجية تجعل من الجزائر سوقاً أسيرة للسلاح الروسي، ويمنح موسكو نفوذاً هائلاً في القرار الجزائري.

ثمن العداء: من يدفع؟

بينما تُهدر مليارات على سلاح لا يُستخدم، يُقدر أن حوالي 23% من الجزائريين يعيشون تحت خط الفقر، مع معدلات فقر ريفي تبلغ ضعف المعدلات الحضرية . الخدمات الصحية والتعليمية متردية، البطالة مرتفعة، والاقتصاد يعتمد بنسبة ساحقة على ريع النفط والغاز، مع فشل جميع محاولات الحكومة لزيادة الصادرات غير النفطية طيلة عهد الرئيس تبون.

التكلفة الأخرى، الأقل قابلية للقياس لكنها ليست أقل وطأة، هي الفرصة الضائعة. حجم التبادل التجاري المغاربي لا يتجاوز 3-5% من إجمالي التجارة، وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن فتح الحدود يمكن أن يرفع معدلات الدخل الفردي بالبلدين بأكثر من 60 %.  اتحاد المغرب العربي مشلول منذ 1994، والمنطقة المغاربية، التي كان يمكن أن تصبح قوة اقتصادية إقليمية، تبقى أسيرة خلافات سياسية.

أوهام التسلح: أين ذهبت المليارات؟

الادعاء بأن هذا الإنفاق الهائل يُترجم إلى قدرات عسكرية حقيقية يستحق فحصاً دقيقاً. النظر إلى تركيبة الجيش الجزائري يكشف فجوة صارخة بين الأرقام المعلنة والواقع الفعلي. جوهر القوات البرية لا يزال يعتمد على دباباتT-72 و T-90 بل و T-52السوفيتية القديمة، وسلاح الجو يتكون أساساً من طائراتMiG وSu  تعود لعقود.

السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت الجزائر تنفق 25 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل تقريباً كامل إنفاق المغرب العسكري على مدى خمس سنوات، فأين تذهب هذه الأموال؟ الإجابة تكمن في فهم أن جزءاً كبيراً من هذه “الميزانية الدفاعية” ليست للدفاع بقدر ما هي لتمويل شبكة المصالح المرتبطة بالمؤسسة العسكرية: رواتب ومعاشات ضخمة، عقود وسيطة، امتيازات اقتصادية، وربما أهم من ذلك، شراء الولاءات الداخلية.

الجرح الإنساني: حين تُمزَّق الأواصر

لكن أبشع تكلفة لهذا العداء المفتعل هي إنسانية بالدرجة الأولى. منذ 32 عاماً والحدود البرية مغلقة بقرار أحادي جزائري. ثلاثة عقود من تمزيق الأسر، وقطع الأواصر، وتحويل الجيران إلى غرباء.

المواطنون الجزائريون والمغاربة هم الذين يدفعون ثمن الخلافات السياسية، حيث تفرقت الأسر التي لديها علاقات قرابة في مناطق الحدود، وأصبح التواصل العائلي مستحيلاً مع غلق الحدود البرية وارتفاع تكاليف النقل الجوي بشكل خيالي. عائلات ممزقة بين شرق المغرب وغرب الجزائر، بين وجدة ومغنية، أو بين السعيدية ومرسى بن مهيدي، لا تستطيع أن تلتقي إلا بعد رحلة جوية مكلفة عبر عواصم بعيدة.

الجيل الذي ناضل معاً ضد الاستعمار الفرنسي، الذي قاتل جنباً إلى جنب من أجل حرية المغرب الكبير، يرى اليوم أحفاده محرومين من أبسط الحقوق: زيارة الأقارب، التجارة، الدراسة المشتركة، بناء مستقبل مشترك. شعبان تجمعهما اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا، يُحرمان من التواصل الطبيعي بسبب قرارات سياسية لنظام يخدم مصالحه الضيقة.

هذا ليس مجرد خسارة اقتصادية، بل تدمير منهجي للنسيج الاجتماعي المغاربي الذي بُني على مدى قرون. العداء المصطنع يزرع الكراهية في قلوب جيل كامل لم يعرف إلا خطاب العداء. أطفال جزائريون يكبرون وهم يسمعون أن المغرب “عدو”، وأطفال مغاربة يرون الجزائر “معادية”. تُحرق جسور التواصل الطبيعي بين شعبين كان يجب أن يكونا في طليعة الوحدة المغاربية.

من يستفيد دولياً من الانقسام المغاربي؟

لكن السؤال الأعمق: من له مصلحة في استمرار هذا الشلل المغاربي؟ من يستفيد من بقاء المغرب الكبير ممزقاً، عاجزاً عن تحقيق إمكاناته الهائلة؟

الاتحاد الأوروبي أولاً. مغرب عربي موحد بسوق مشتركة وقوة اقتصادية متكاملة سيكون شريكاً أقوى بكثير، قادراً على فرض شروط أفضل في ملفات الطاقة، الهجرة، والتجارة. انقسام المنطقة يضمن أن تبقى دول المغرب العربي في موقف تفاوضي أضعف، تتنافس فيما بينها على استقطاب الاستثمار والشراكة الأوروبية بدلاً من التفاوض ككتلة موحدة. أوروبا تحصل على غاز جزائري وفوسفات مغربي وموقع استراتيجي دون أن تواجه قوة مغاربية موحدة.

روسيا ثانياً. الجزائر المعزولة، المحتاجة لتبرير إنفاقها العسكري الضخم، هي سوق أسيرة للسلاح الروسي. 61% من وارداتها العسكرية من موسكو تعني نفوذاً سياسياً واستراتيجياً هائلاً. مغرب عربي موحد ومستقر لن يحتاج لهذا السباق المحموم في التسلح، ولن يكون مضطراً للارتهان للموردين الأجانب. موسكو تخسر سوقاً بمليارات الدولارات سنوياً إذا انتهى العداء المغربي-الجزائري.

القوى التي تخشى قوة عربية إسلامية إقليمية ثالثاً. مغرب عربي موحد، بـ 100 مليون نسمة، وموارد طبيعية هائلة (فوسفات المغرب، غاز الجزائر، موقع استراتيجي)، وعمق أفريقي متنامٍ، سيكون قوة إقليمية لا يُستهان بها. قوة يمكن أن تلعب دوراً مؤثراً في النظام الدولي، وتشكل نموذجاً لاتحادات إقليمية ناجحة في العالم الإسلامي. إبقاء المنطقة منقسمة يضمن استمرار ضعفها النسبي. الانقسام المغاربي لا يؤثر فقط على البلدين، بل يشل فعالية إقليمية كاملة، ويمنع ظهور قيادة أفريقية موحدة.

الحقيقة المرة: النظام الجزائري، بإصراره على العداء، لا يخدم فقط مصالحه الضيقة، بل يلعب دوراً في منظومة دولية تستفيد من إبقاء المغرب العربي ضعيفاً ومنقسماً. سواء كان ذلك بوعي أو بدونه، فالنتيجة واحدة: شعوب المنطقة تدفع الثمن، والمستفيدون الحقيقيون يجلسون خارج الحدود.

لماذا يرفض النظام المصالحة؟

المغرب مدّ يده مراراً. دعوات ملكية للحوار، مبادرات دبلوماسية، رسائل عبر وسطاء. الجواب الجزائري دائماً: رفض قاطع. لماذا؟

لأن المصالحة تهدد بنية النظام نفسه. فتح الحدود، تطبيع العلاقات، وبناء شراكة اقتصادية ستطرح سؤالاً محرجاً: لماذا نحتاج لكل هذا التسلح؟ لماذا نُنفق خُمس الموازنة على جيش لا يخوض حرباً؟ الإجابة ستكشف أن العداء مع المغرب ليس ضرورة استراتيجية، بل خياراً سياسياً يخدم مصالح فئة ضيقة.

يقول محللون إن “النظام الجزائري سيستمر على الأرجح في استراتيجيته لاقتناء أسلحة حديثة، وعرض قدراته العسكرية بانتظام، لكن القيادة تبدو أكثر انشغالاً بتعزيز إرثها من الاستعداد لمشاركة عسكرية فعلية”.

هذا يفسر أيضاً التصعيد المحموم في السنوات الأخيرة. فرض الجزائر تأشيرة إلزامية على المغاربة في 2024 ، الحملات الإعلامية المسعورة، الاتهامات المتكررة، ورفض حتى ذكر اسم “المغرب” في وسائل الإعلام الرسمية – كلها أدوات لتغذية ثقافة العداء التي تبرر استمرار النظام.

الخيارات الحقيقية أمام الشعب الجزائري

الشعب الجزائري، الذي قدم تضحيات جسيمة من أجل الاستقلال، يستحق أفضل من هذا. يستحق نظاماً يستثمر في التعليم والصحة والتنمية، لا في سباق تسلح وهمي. يستحق علاقات طبيعية مع جيرانه، لا خطاب كراهية مفبرك.

لكن التغيير لن يأتي من الخارج. المغرب سيستمر في مد يده، لأن هذا يخدم مصلحته الاستراتيجية في استقرار إقليمي. لكن الكرة الآن في ملعب الشعب الجزائري: هل سيقبل أن يبقى رهينة لنظام يستخدم العداء الخارجي لتعزيز قبضته الداخلية؟ أم سيطالب بمحاسبة حقيقية عن كيفية إنفاق موارده النفطية؟

الحقيقة البسيطة والقاسية: النظام الجزائري لا يريد السلام مع المغرب، لأن السلام سيكشف أن الحرب كانت دائماً وهماً، والعدو الحقيقي كان دائماً في الداخل. والأسوأ: أن هذا العداء لا يخدم فقط نظاماً فاسداً في الداخل، بل يلعب دوراً في منظومة دولية تستفيد من إبقاء المغرب الكبير ضعيفاً ومنقسماً، وشعوبه محرومة من حقها الطبيعي في الوحدة والازدهار.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى