مرصد الجوارمختارات

الغاز الجزائري في زمن الحرب: مفارقة الثروة المحاصَرة وأزمة الريع البنيوية

يحلو للإعلام الدعائي الجزائري تكرار الوعود الوردية حول تدفقات مالية “مليارية” ستدخل الموازنة الجزائرية نتيجة للحرب الدائرة في الخليج، مؤكدين أن الجزائر تقف ضمن زمرة “الرابحين” من هذه الأزمة الدولية، التي قفزت بأسعار النفط فوق حاجز المئة دولار للبرميل، وزادت أسعار الغاز بما يتراوح ما بين 40-50 بالمئة. ولأن صادرات النفط الجزائرية محدودة مقارنة بصادرات الغاز، يركز الإعلام الجزائري -كما فعل إثر اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية التي قلصت صادرات الغاز الروسي لأوروبا- على أن الجزائر ستعوض صادرات الغاز القطرية هذه المرة، بعد أن عوضت “زورا وبهتانا- صادرات الغاز الروسية في الأزمة السابقة.

وهنا يحق لنا أن نختبر هذه الادعاءات، ونفحص مدى واقعيتها، لنجيب بشكل دقيق على السؤال المركزي: هل سيستفيد الجزائر من الأزمة الحالية لتحقيق طفرة في مداخيل صادراته من الغاز الطبيعي فعليا؟

مقدمة: حين تمر الفرصة التاريخية دون أن تُنتهز

شهدت أسواق الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2026 قفزات سعرية استثنائية، إذ ارتفعت الأسعار الفورية بنسب تراوحت بين خمسين وثمانٍ وستين بالمئة مقارنةً بمستويات عام 2024، مدفوعةً بتصاعد الطلب الآسيوي وإعادة هيكلة منظومة الطاقة الأوروبية في أعقاب إعادة رسم خرائط الإمداد إثر الأزمات الجيوسياسية المتراكمة. في هذا السياق، كانت الجزائر تمتلك ورقةً نظرية ذات قيمة استثنائية: احتياطيات غاز مؤكدة تُصنِّفها في المراتب العشر الأولى عالمياً، وشبكة أنابيب ممتدة نحو القارة الأوروبية، وعقوداً راسخة مع أكبر مستوردَي الغاز في جنوب أوروبا.

غير أن المؤشرات المتاحة تدحض الصورة الوردية التي يرسمها الخطاب الرسمي لوسائل الإعلام الجزائرية الموالية للنظام. فعلى خلاف ما تُسوِّقه تلك الوسائل من روايات انتقائية عن “مكانة الجزائر المحورية في أمن الطاقة العالمي”، تتقاطع ثلاثة قيود هيكلية متشابكة لتحول دون تحويل هذه الثروة النظرية إلى عائدات فعلية، وخلفها سياق مالي كلي يزيد الأمور تأزيماً. هذا المقال يسعى إلى تشريح هذه القيود بمنهجية تحليلية، مستنداً إلى البيانات المتاحة ومصادر مستقلة بعيداً عن الرواية الرسمية الجزائرية.

أولاً: القيد التعاقدي.. أسواق تُباع بمنطق عقد مضى

تتمحور صادرات الغاز الجزائري حول مسارين رئيسيين: أنبوب “ميدغاز” الرابط بين الجزائر وإسبانيا عبر البحر المتوسط، وأنبوب “ترانسميد” الممتد عبر تونس نحو إيطاليا، إضافةً إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال المُصدَّرة عبر مجمع أرزيو. وتستحوذ إيطاليا وإسبانيا معاً على الحصة الأكبر من هذه الصادرات، مما يجعل الجزائر مورداً شبه حصري لدولتين بعينهما لا لاعباً نشطاً في سوق عالمي مفتوح.

هذا التركيز الجغرافي يُضخِّم مشكلة تسعير هيكلية أعمق. فالعقود طويلة الأمد المُبرَمة مع الشركاء الأوروبيين مرتبطة بصيغ تسعيرية مُقيَّدة، تستند في الغالب إلى ربط سعر الغاز بخام “برنت” مع فوارق زمنية في التعديل تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر. الترجمة الحسابية لهذا النظام أن الجزائر تبيع غاز عام 2026 بأسعار تعكس فعلياً منطق الفترة 2024-2025، فتحصل على “علاوة الاستقرار التعاقدي” بدلاً من “علاوة الطفرة الفورية” التي يجنيها المنافسون القادرون على الوصول إلى السوق الفورية.

وفي سياق المقارنة، تبيع قطر وأستراليا والولايات المتحدة نسباً متزايدة من صادراتها بموجب عقود قصيرة الأمد أو في السوق الفورية، مما يمنحها مرونةً استراتيجية تفتقر إليها الجزائر. ولتعديل هذا الهيكل التعاقدي يلزم جدولة مفاوضات معقدة مع شركاء أوروبيين لهم أيضاً مصلحة في الإبقاء على الصيغ الحالية التي توفر لهم استقراراً في التوريد بأسعار دون مستوى السوق الفوري.

ثانياً: القيد الاستهلاكي.. الغاز الذي يحترق قبل أن يُصدَّر

حتى قبل أن يصل الغاز إلى الموانئ، ثمة ما يلتهمه في الداخل. تجاوز الاستهلاك المحلي الجزائري حاجز خمسة وأربعين مليار متر مكعب سنوياً، وذلك في بلد يعتمد على الغاز الطبيعي لتوليد ما يزيد على خمسة وتسعين بالمئة من طاقته الكهربائية. هذا الرقم ليس حادثةً طارئة، بل هو النتيجة الحتمية لسياسة دعم الطاقة المحلية الممتدة على عقود، حيث تُباع الكهرباء للمستهلك الجزائري بأسعار رمزية تعكس منطق سبعينيات القرن الماضي لا منطق السوق الدولية.

هذه السياسة ولَّدت إسرافاً منهجياً في الاستهلاك لا تجرؤ الدولة على معالجته لاعتبارات سياسية داخلية بالغة الحساسية. ويظهر الأثر الكمي لهذه المعضلة في تراجع تدفقات الأنابيب من نحو اثنين وخمسين مليار متر مكعب عام 2023 إلى حوالي تسعة وأربعين ملياراً في عام 2024. وهذا التراجع البالغ نحو ستة بالمئة في ظرف عام واحد يكتسب دلالةً استراتيجية خطيرة في سوق يشهد تنافساً محتدماً على كل وحدة طاقة.

أمام هذا الواقع، تجد الجزائر نفسها أمام خيارين كلاهما مُكلف: إما تقليص دعم الطاقة المحلي لتحرير كميات إضافية للتصدير، وهو خيار ينطوي على مخاطر احتقان اجتماعي ظاهرة للعيان في بلد ذاق ثماراً مريرة من أحداث اجتماعية سابقة، وإما الإبقاء على الوضع الراهن مع القبول بتراجع تدريجي في الحصة السوقية الدولية. وفي كلا الحالتين، يبقى مشروع التحول نحو الطاقات المتجددة لتحرير الغاز نحو التصدير حلاً نظرياً يستلزم استثمارات تُقدَّر بعشرات المليارات على مدى عقد كامل، وهي أموال لا تتوفر في الوضع المالي الراهن.

ثالثاً: القيد البنيوي.. أرزيو بين الماضي المجيد والشيخوخة التقنية

لنفترض جدلاً أن الجزائر نجحت في تجاوز قيدَي التعاقد والاستهلاك، وقررت الدخول بثقل في سوق الغاز المسال الفوري. ماذا ستجد على أرض الواقع؟ ستجد مجمع أرزيو للغاز المسال بتاريخه الاستثمارية الموروثة من حقبة السبعينيات، وبمحدودية الطاقة التشغيلية الفعلية قياساً بالطاقة الاسمية المُعلَنة.

الطاقة التصميمية الاسمية لمجمع أرزيو تبلغ ثلاثين مليون طن سنوياً، لكن الأداء التشغيلي الفعلي يقل عن ذلك بشكل ملحوظ. ففي عام 2025 وحده، أسفرت الأعطال المتكررة وتقادم التجهيزات عن خسارة ما يعادل مئتين وثلاثين مليون متر مكعب من المبيعات المحتملة، وفق التقديرات المتاحة. وهذه ليست إخفاقات فردية طارئة، بل هي مؤشر تراكمي لعقود من الاستثمار المتقطع في الصيانة والتحديث، وسياسات تفضيل الإنفاق الجاري على الاستثمار الرأسمالي طويل الأمد.

التحديث المطلوب لهذه المنشآت يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات. وهذا الرقم يطرح تساؤلاً جوهرياً يتجاوز النطاق التقني إلى المربع المالي الأشمل: من أين تأتي الجزائر بهذا التمويل؟

رابعاً: الصورة المالية الكلية.. حين تتآكل هوامش المناورة

الأزمة الطاقية لا تعيش في فراغ، بل تتجذر في سياق مالي كلي ضاغط يزيد من تعقيد أي مسار إصلاحي. تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي الجزائرية إلى ما دون عتبة الستين مليار دولار، وهو مستوى يُشكِّل -في الخطاب الاقتصادي الداخلي غير الرسمي- خطاً نفسياً لا يُراد تجاوزه. وبالنظر إلى الاتجاه التنازلي لهذا المؤشر خلال السنوات الأخيرة، يتضح أن هامش الاستدامة يتضيق. عجز الموازنة بلغ مستويات تاريخية تعكس الفجوة المتسعة باستمرار بين الإنفاق العام المرتفع الذي لا يتراجع بسهولة وبين محدودية الإيرادات.

على الجانب الآخر، تُخفق الصادرات غير النفطية الجزائرية في توفير أي بديل اقتصادي جدي، إذ لا تتجاوز خمسة مليارات دولار سنوياً وفق الأرقام المتاحة. هذا الرقم كاشف في دلالته: فهو يعني أن ثلاثة عقود من الخطابات الرسمية المُتتالية عن التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على المحروقات لم تُفضِ إلى تحول هيكلي يُذكر. وفي المقابل، تتوسع فاتورة الاستيراد لتغذية اقتصاد استهلاكي يفوق إنتاجه، فيما تتراجع عائدات المحروقات المتأثرة في آنٍ واحد بتراجع الحجم المُصدَّر وبتذبذب الأسعار الدولية على المدى المتوسط.

والأكثر إثقالاً للمشهد هو الموقف الجزائري التاريخي الرافض للاستدانة الخارجية كمبدأ سيادي راسخ. هذا الموقف له ما يُبرره في سياقه التاريخي الذي ذاقت فيه الجزائر ويلات الأزمة المالية وصندوق النقد الدولي في التسعينيات. غير أنه يصبح قيداً ثقيلاً حين تضيق قنوات التمويل الذاتي ويتسع الاحتياج الاستثماري. فالتحديث المطلوب في قطاع الغاز وحده -من تجديد منشآت التسييل إلى تطوير حقول جديدة وبناء طاقات تصديرية مرنة قادرة على الوصول إلى الأسواق الآسيوية- يستلزم شراكات استثمارية خارجية أو تمويلاً طويل الأمد، وكلاهما يتناقض مع الخطاب السيادي الجزائري المُعلَن.

خامساً: المشهد التنافسي.. سباق لا ينتظر

في حين تتصارع الجزائر مع قيودها الهيكلية، يتقدم المشهد التنافسي الدولي بوتيرة متسارعة. تُطوِّر قطر طاقاتها التصديرية بخطط توسع ضخمة، فيما تُرسِّخ الولايات المتحدة مكانتها بوصفها أكبر مُصدِّر للغاز المسال عالمياً بطاقات جديدة تدخل الخدمة تباعاً. وتتوافر لهذين المنافسَين ميزة مزدوجة: القدرة على الوصول إلى الأسواق الآسيوية المرتفعة الأسعار، والمرونة التعاقدية للاستفادة من تقلبات السوق الفوري.

أوروبا من جهتها تُعيد رسم خرائط استيرادها الطاقوي في أعقاب إعادة تشكُّل موازين الاعتماد ما بعد الأزمة الروسية-الأوكرانية. وفي هذا الإطار، تبحث المفوضية الأوروبية جدياً عن تنويع مصادرها وتقليص الاعتماد على أي مورد منفرد، بما في ذلك الجزائر. ما يعني أن الحصة السوقية الجزائرية، حتى في أوروبا التي تهيمن عليها تقليدياً، ليست في مأمن على المدى المتوسط.

خلاصة تحليلية: البنية تُقيِّد الثروة

المفارقة الجوهرية التي يكشفها هذا التحليل أن اللحظة التاريخية المواتية -حين ارتفعت أسعار الغاز الفوري إلى مستويات قياسية واشتعل العالم طلباً- مرت أمام الجزائر دون أن تستطيع توظيفها لتعويض جزء من عجز الموازنة المتراكم أو إعادة بناء احتياطياتها من النقد الأجنبي.

هذا الإخفاق ليس عرضياً ولا مؤقتاً، بل هو انعكاس لأزمات هيكلية متشابكة تتضافر في آنٍ واحد: عقود تُقيِّد السعر، واستهلاك محلي يلتهم الفائض، ومنشآت طال تقادمها، واحتياطيات عملة تتآكل، في مواجهة عجز موازنة متصاعد وصادرات غير نفطية شبه معدومة. الحل المُعلَن عبر الخطاب الرسمي -التحول نحو الطاقات المتجددة لتحرير الغاز للتصدير- صحيح من الناحية النظرية، لكنه يستلزم بدوره استثمارات ضخمة يصعب تأمينها في الإطار المالي الراهن.

معركة الاستفادة من ثروة الغاز لن تُكسَب بتصريحات تعلن “السلاح الاستراتيجي” في كل مناسبة، بل بمنظومة متكاملة من الإصلاحات الهيكلية التي تتطلب ما يجد الاقتصاد الجزائري نفسه أقل قدرة على توفيره مع مرور كل عام: رأس المال، والأفق الزمني الطويل، والإرادة السياسية للتعامل مع تكاليف الإصلاح الاجتماعية الحتمية.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى