جنوب الأطلسيمختارات

“القوس الجهادي”: خريطة الحركات المسلحة في غرب أفريقيا والساحل

الفجوة الاستراتيجية التي أسقطت تحالفاً

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، انعقد في فريتاون اجتماع رفيع لرؤساء أركان دول الإيكواس الاثنتي عشرة، فأُعلن في ختامه عن تشكيل قوة مشتركة قوامها ألفا جندي لمواجهة المد الجهادي في المنطقة. الإعلان جاء بعد سنوات من النقاشات المتكررة حول ضرورة هذه القوة، وسط ضغط متصاعد من جماعات مرتبطة بالقاعدة وتنظيم داعش. غير أن المتأمل في هذا القرار يصطدم فوراً بمفارقة صارخة: الدول الثلاث التي تمثل “قلب المشكلة” – مالي وبوركينا فاسو والنيجر – لن تشارك في هذه القوة، وقد أسّست هي ذاتها تكتلاً موازياً وأعلن مسؤول عسكري غرب أفريقي أنه “لا بد من إدماجها لأنها تقع في قلب محور القتال”.القوة إذن تُحاصر المشكلة من الأطراف بينما مركزها يتمدد بحرية تامة.

هذه المفارقة ليست مجرد تفصيل دبلوماسي. إنها تكثّف جوهر الأزمة: أن العجز الاستراتيجي أعمق بكثير من أن تسده قوة رمزية، وأن فهم طبيعة الخصم يستدعي تشريحاً دقيقاً لما باتت تُشكّله هذه الحركات على أرض الواقع.

أولاً: المشهد البنيوي: انشقاق القارة

منذ موجة الانقلابات التي أسقطت الحكومات المدنية في مالي عام 2020 وبوركينا فاسو عام 2022 والنيجر عام 2023، طردت هذه الدول القوات الفرنسية والأممية والأمريكية، مستعيضةً عنها بنحو ألفَي مقاتل من الفيلق الأفريقي الروسي الوارث لمجموعة فاغنر. ثم تطور الأمر إلى نموذج جيوسياسي مكتمل؛ تشكّلت “كونفدرالية دول الساحل” (AES) رسمياً عام 2025، بينما تحاول الإيكواس من جهتها استيعاب الصدمة وإعادة ترتيب أوراقها.

هذا التصدع الكبير لم يُضعف الجماعات الجهادية، بل خدمها بصورة مذهلة. انسحاب القوات الغربية – ولا سيما القاعدة الأمريكية للطائرات المسيّرة في أغاديز – أفضى إلى فراغ استخباراتي ورقابي هائل في المناطق النائية، استغلته الجماعتان الرئيسيتان JNIM وISGS على الفور. في هذا السياق، تتحرك الحركات المسلحة ليس فقط كجهات قتالية بل كمشاريع دولة بديلة تملأ الفراغ الذي تتركه الحكومات المتهالكة.

ثانياً: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين: عملاق القاعدة الساحلي

لا تُقرأ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) بالأرقام وحدها، بل بالفهم الصحيح لنموذجها التنظيمي الفريد الذي يجعلها الأخطر بامتياز.

تأسست الجماعة في مارس 2017 بمالي بوصفها ائتلافاً جامعاً لأربعة تنظيمات: أنصار الدين، وكتيبة المرابطون، وكتيبة ماسينا، والجناح الصحراوي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وقد وقّع زعيمها إياد أغ غالي على بيعة تنظيم القاعدة منذ التأسيس. في مطلع العقد الثالث من الألفية، وُصفت بأنها أسرع منظمة مسلحة نمواً في العالم، وتُعدّ حتى عام 2025 أشد الجماعات المسلحة تسليحاً في الساحل وبين الأقوى على مستوى العالم.

على صعيد الهيكل، تعمل JNIM بنموذج لا مركزي محكم: قيادة استراتيجية مركزية في يد إياد أغ غالي، وعمليات ميدانية تتمتع باستقلالية واسعة للوحدات الفرعية. وتبرز في هذا الهيكل شخصية محورية ثانية هي أمادو كوفا، مسؤول ذراع “كتيبة ماسينا” الذي حوّل مجتمعات الفولاني – وهم رعاة رُحّل مسلمون – إلى احتياطي بشري لا ينضب للجماعة. في 2025، رصد المراقبون موجة تجنيد واسعة في أوساط الفولاني دفعتها فظائع الميليشيات المدعومة حكومياً التي طالت هذه المجتمعات، إذ أفاد لاجئ بوركيني بأن “فتياته وأزواجهن انضموا إلى JNIM بعد أن أباد أفراد الميليشيات عشرات من الفولاني”.

الأرقام حاسمة هنا. وصف تقرير الأمم المتحدة الصادر في خريف 2025 الجماعةَ بأنها بلغت “مستوى قدراتٍ عملياتية جديداً” يمكّنها من شن هجمات مركبة تستخدم الطائرات المسيّرة والعبوات الناسفة والحشود الكبيرة ضد منشآت عسكرية محصّنة. وفي يوليو 2025 وحده، أعلنت JNIM مسؤوليتها عن 54 هجوماً في بوركينا فاسو، و36 في مالي، وسبعة في النيجر.

والأشد إثارةً للقلق هو ما كشفته أحداث صيف 2025: فرضت الجماعة حصاراً اقتصادياً على باماكو عاصمة مالي، إذ قطعت طرق الإمداد وهاجمت صهاريج الوقود، ما أوجد نقصاً حاداً في الوقود دفع دولاً كبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا إلى حثّ مواطنيها على مغادرة المدينة. هذا الحصار لم يكن مجرد عملية عسكرية؛ كان رسالة استراتيجية مفادها أن الجماعة باتت تملك قدرة الدول على شل عواصم الدول الأخرى.

تتمتع JNIM بما يميزها عن سائر الحركات الجهادية: التوازن الدقيق بين القرار الاستراتيجي المركزي والاستقلالية التشغيلية لوحداتها الميدانية. وهذا التوازن هو سرّ صمودها وتمدّدها. فهي تمتلك “حوكمة بديلة” تشمل جباية الضرائب وإدارة المحاكم، مما يُفضي إلى اندماج مجتمعي يجعل اقتلاعها عسكرياً وحده أمراً بالغ الصعوبة.

والتوجه الجغرافي الأحدث خطورة هو التمدد نحو دول خليج غينيا. تتمركز JNIM تحديداً في شمال بنين وتوغو، وهما الأكثر عرضة لخطر التمدد الجهادي من بين دول الساحل الساحلية. في أبريل 2025، نفّذت الجماعة هجوماً مزدوجاً على موقعين عسكريين في شمال شرق بنين، أودى بحياة سبعين جندياً، وهو الهجوم الأكثر دموية في تاريخ التمدد الجهادي إلى دول الساحل الساحلي.

ثالثاً: الدولة الإسلامية في الساحل: نقيض الاستراتيجية

إذا كانت JNIM تمثل النموذج القاعدي المتجذّر في النسيج الاجتماعي، فإن “الإمارة الإسلامية في الساحل الكبير” (ISGS أو ISSP) تمثل النقيض العملياتي: وحشية مفرطة، تمويل من الخلافة المركزية، وعداء مزدوج يطال الدولةَ والمجتمعَ معاً.

أسس التنظيمَ عدنان أبو الوليد الصحراوي في 2016، وقد بايع تنظيم داعش منذ البداية. اغتاله الجيش الفرنسي عام 2021، لكن الجماعة أثبتت قدرة مذهلة على التعافي التنظيمي. يُشير تقرير مجلس الأمن إلى أن ISGS تشهد “انتعاشاً واضحاً” ولا سيما على طول حدود النيجر-نيجيريا، حيث تسعى لتوطيد حضورها.

أبرز ما يميز التنظيم هو التوتر الدائم في علاقته مع JNIM. وقد أدى هذا التوتر إلى مواجهات دموية متكررة. في الفترة الممتدة من يونيو إلى يوليو 2025، وقعت ثماني مواجهات بين JNIM وISGS، في أدمى موجة صراع بين التنظيمين منذ عام 2022. غير أن الجماعتين هدّأتا من وتيرة الصراع عبر هدنة ضمنية تقوم على اشتراكهما في هدف استنزاف قوات الدول الساحلية في الوقت ذاته، تعاونت الجماعتان مع شبكات التهريب الجنائية على طول طرق التهريب العابرة للصحراء في شمال النيجر.

رابعاً: بوكو حرام وISWAP  : الجرح النيجيري المفتوح

ثمة خطأ تحليلي شائع يتمثل في إغفال المسرح النيجيري-التشادي والانشغال الكلي بالساحل الأوسط. منطقة حوض تشاد تمثل “جبهة ثانية” بالغة الأهمية، لكنها أقل حضوراً في التحليل الإقليمي.

الانقسام الذي شهده التنظيم بعد مقتل مؤسسه أبوبكر شيكاو عام 2021 أفرز منافسة بين فصيلين: “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد” المعروفة بـ”حركة بوكو حرام الأصلية” بقيادة بكهاري غوانا، و”ولاية غرب أفريقيا” (ISWAP) المدعومة من القيادة المركزية لداعش. تُشير تقارير مجلس الأمن إلى أن ISWAP تواصل توطيد حضورها في حوض تشاد وتعزّز قدراتها العملياتية.

ما يجعل ISWAP مقلقة بصفة خاصة هو قدرتها على الاستدامة المالية والتنظيمية المستقلة عن دعم الخلافة الدولية، إذ تجني مواردها من الضرائب المفروضة على السكان وإتاوات التهريب وخطف الرهائن. وهي لا تزال تستهدف القواعد العسكرية في ولاية بورنو النيجيرية ومحيط بحيرة تشاد.

خامساً: الاقتصاد الجهادي: الثروة في خضم الفوضى

لا يمكن فهم صمود هذه الحركات دون فهم اقتصادها. فهي لا تعمل بمنطق التبرعات وإنما بمنطق المنشآت الاقتصادية.

الذهب أولاً. تستهدف JNIM بصفة منتظمة مناجم الذهب ومنشآت التعدين في مالي وبوركينا فاسو، وتفرض إتاوات إجبارية على مئات مواقع التعدين التقليدي. وقد بلغ الأمر حداً مثيراً حين تعرّض منجم موريلا في مالي – ثالث أكبر منتجي الذهب في أفريقيا – لهجوم شنّته الجماعة في يناير 2026 بعد أن أبرمت شركة أمريكية اتفاقية للسيطرة عليه.

التهريب ثانياً. باتت منطقة الساحل ممراً رئيسياً لتهريب الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا، وتحصل الجماعات الجهادية على نسبة من كل شحنة مقابل الحماية. وتُضاف إليها تجارة السجائر المهربة والأسلحة.

الخطف ثالثاً، وإن تراجعت نسبته. فلا تزال بعض الجماعات تستخدمه أداةً للتمويل والضغط السياسي في آنٍ واحد.

كذلك وفّرت بعض القوى الإقليمية دعماً مالياً للمنطقة، بعشرات الملايين من الدولارات ، ما يُلقي الضوء على تعقيد شبكات التمويل الإقليمية وتشابك المصالح.

سادساً: فشل المكافحة وأوهام المنتصر

يُقدَّر إجمالي المسلحين الجهاديين في المنطقة بما يتجاوز خمسة عشر ألف مقاتل، موزّعين عبر مساحة تفوق مساحة أوروبا الغربية مجتمعة. في مواجهة هذا الحجم، يبدو أن كل التدخلات تتكرر في فخ واحد: التفكير التكتيكي في مواجهة خصم يفكر استراتيجياً.

فشل “تحالف دول الساحل الخمس” (G5 Sahel) كان كاشفاً: غياب التنسيق الميداني الحقيقي، والاعتماد الكلي على التمويل الخارجي، وانعدام الاستدامة المؤسسية. أما “الخيار الروسي” الذي اعتمدته دول الكونفدرالية، فقد أسفر عن نجاحات تكتيكية مؤقتة – كاستعادة كيدال – غير أنه يُنتج حرباً تُدمر بيئتها الحاضنة. باتت قوات مالي وبوركينا فاسو المدعومة روسياً تُسجّل ضحايا مدنيين أكثر من الجماعات الجهادية ذاتها للسنة الثانية على التوالي، مما يوفر للجماعات مادة دسمة للتجنيد تحت شعار الثأر للضحايا.

أما القوة الجديدة للإيكواس، فتستحق التأمل النقدي الصارم. التكلفة التقديرية لكتيبة من خمسة آلاف جندي – وهي الحجم المستهدف في المرحلة الكاملة – تبلغ 2.61 مليار دولار سنوياً، وهو ما يُشكّل العقبة البنيوية الكبرى أمام مشروعية المبادرة واستدامتها. وقد أكد مسؤول عسكري غرب أفريقي أن دول الكونفدرالية “موجودة في قلب محور مواجهة الجهاديين ولا بد من إدماجها” ، وهو اعتراف صريح بأن القوة محكوم عليها بالهشاشة ما لم تحلّ معضلة الانقسام الإقليمي.

سابعاً: “أفرقة القيادة”: التحول الأخطر

يُمثّل عام 2026 منعطفاً نوعياً في تاريخ هذه الحركات يتجاوز مجرد التوسع الجغرافي: إنه تحول في طبيعة القيادة ذاتها.

تُشير تقارير مجلس الأمن إلى أن JNIM تُعدّل استراتيجيتها نحو “الترسيخ السياسي”، إذ تتموضع بصورة متزايدة بوصفها فاعلاً حاكماً يسعى إلى إدارة الأراضي وإرساء هياكل حكم بدائية واستمالة التأييد المحلي.

والأكثر دلالةً هو أن JNIM تُبدي ميلاً علنياً للتمايز عن التنظيم الأم – القاعدة – على غرار ما فعله تنظيم “هيئة تحرير الشام” في سوريا. في مقابلة مع قناة فرانس 24 عام 2025، أحجم زعيم الجماعة الأيديولوجي أمادو كوفا عن التعليق على صلته بالقاعدة، فيما باتت بيانات الجماعة تتجنب الإشارة إلى التنظيم الأم.  هذا ليس مجرد دهاء إعلامي؛ إنه مقدمة لتحول كيفي قد يمنح الجماعة شرعية سياسية أوسع تُعقّد مساعي المواجهة.

القيادات لم تعد وافدة من الخارج، العربية أو الأفغانية. إنها بامتياز قيادات محلية تتحدث اللهجات الإقليمية وتفهم النسيج القبلي وتستغل الشكاوى الاجتماعية بعمق لا يبلغه أي تدخل عسكري أجنبي. هذا “التمحور الداخلي” يمنح الجماعات حصانة اجتماعية وقدرة صمود تتجاوز القدرة العسكرية.

خاتمة: ألفا جندي ووهم الضمادة

أشار مسؤولون إلى أن أكثر من نصف ضحايا الإرهاب في العالم عام 2024 سقطوا في هذه المنطقة، وهو رقم يكشف حجم الكارثة الإنسانية الواقعة خلف الأرقام العسكرية.

القوس الجهادي الممتد من حوض تشاد شرقاً إلى حدود السنغال غرباً ليس ظاهرة أمنية قابلة للإخماد بمعادلات الزيادة العسكرية. جذوره في التهميش الاقتصادي المتراكم، والفشل الحكومي التاريخي، والتوترات العرقية التي استثمرتها الجماعات بمهارة فائقة.

ألفا جندي في فريتاون، بدون وصول إلى أراضي دول الكونفدرالية وبدون رؤية شاملة لمعالجة الفقر والتهميش، لن تكون سوى ضمادة فوق جرح نازف. التاريخ في هذه المنطقة لا يُكافئ التدخل المتأخر الناقص، وهو لن يفعل هذه المرة أيضاً.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى