
المغرب… حين تتحول الخسارة الرياضية إلى نصر حضاري وقاري
في لحظة امتزج فيها الحلم بالخذلان، والفرح المنتظر بمرارة الإقصاء، خرج المغرب من المنافسة القارية بنتيجة لم تكن في مستوى تطلعات جماهيره، ولا في حجم الإمكانيات التي يزخر بها منتخب وطني أصبح عنوانا للقوة الكروية في إفريقيا.
لكن، ورغم قسوة النتيجة، فإن الحقيقة الأعمق تفرض نفسها بقوة: المملكة المغربية أكبر من لقب، وأسمى من نتيجة، وأرسخ من إخفاق عابر.
لقد انتهى مشوار “أسود الأطلس” في ظرف رياضي مؤلم، رافقته علامات استفهام مشروعة حول بعض الاختيارات التقنية والحسابات التكتيكية التي لم تُحسن استثمار التفوق النوعي للاعبين في اللحظات الحاسمة،غير أن كرة القدم، كما التاريخ، لا تُختزل في تسعين دقيقة، بل تُقاس بالمسار والرؤية والاستمرارية والعزيمة والإصرار .
ومن هذا المنطلق، فإن المغرب لم يخسر، بل ربح أكثر مما يبدو على لوحة النتائج.
- الرؤية الملكية الحكيمة… حين تصنع الرياضة صورة و مجد الأمة المغربية
إن النجاح الباهر الذي عرفته هذه التظاهرة القارية لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة استراتيجية ملكية سامية يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وشفاه الله ، جعل من الرياضة، وخاصة كرة القدم، رافعة للتنمية الشاملة، وأداة للدبلوماسية الناعمة، وواجهة حضارية للمغرب الجديد.
ملاعب بمعايير دولية، بنية تحتية حديثة، منظومة تنظيمية دقيقة، وأمن وخدمات لوجستيكية في أعلى المستويات… كلها عناصر جعلت من هذه الدورة الإفريقية حدثًا غير مسبوق في تاريخ القارة، وذا إشعاع عالمي شهد له المتتبعون والخبراء قبل الجماهير.
لقد أثبت المغرب، مرة أخرى، أنه لم يعد مجرد بلد منظم، بل أصبح مرجعًا قارياً في تدبير التظاهرات الكبرى.
- الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم: ركيزة النجاح والتميز
ولا يمكن الحديث عن هذا العرس الكروي دون الإشادة بالدور المحوري الذي قامت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة أطرها الإدارية والتقنية، التي وفرت للمنتخب الوطني أفضل ظروف الإعداد، وسهرت على إنجاح الدورة تنظيمياً، تحكيمياً، ولوجستياً، بما يعكس الاحترافية العالية التي بلغها التسيير الكروي بالمغرب.
هذا العمل المؤسساتي الجاد هو الذي مكّن المغرب من إحباط رهانات المشككين، وإسكات أصوات الحسد القادمة من بعض الأنظمة الشمولية التي لم تستسغ تفوق المملكة قارياً وعالمياً، وكانت تراهن على الهفوات والفشل، فإذا بها تصطدم بواقع النجاح والاستقرار والكفاءة.
-الشعب والدولة… وحدة وطنية تصنع الانتصارات
لقد كان المشهد الأجمل في هذه التظاهرة هو ذلك التلاحم الفريد بين الإرادة الملكية، والمؤسسات الوطنية، والجامعة الرياضية، والجماهير المغربية داخل الوطن وخارجه،وهو تلاحم قوي حوّل المنافسة إلى عرس رياضي قاري، عنوانه التنظيم الراقي، والروح الحضارية، والصورة المشرفة للمغرب.
نعم، خسرنا اللقب…
لكننا ربحنا السمعة، والمكانة، والثقة القارية والدولية.
ربحنا نموذجًا ناجحًا في التسيير الرياضي، ورسخنا موقع المغرب كقوة تنظيمية وكروية لا تُقهر بسهولة.
الهزيمة محطة، لا نهاية والتتويج مسألة وقت، لا أكثر.
فالمغرب انتصر حين جعل من الرياضة رسالة حضارية، ومن الكرة لغة سيادة، ومن التنظيم عنوان دولة.




