
المغرب في قلب إفريقيا: نجاح دولة برؤية ملكية حكيمة… وصمت أحزاب خارج الزمن القاري!
مرت تظاهرة كأس إفريقيا الأخيرة بالمملكة المغربية في سياق استثنائي، نجح فيه المغرب في بلورة دورة ناجحة بكل المقاييس، لم تكن مجرد حدث رياضي عابر، بل محطة كاشفة لعمق الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك محمد السادس و للدولة المغربية، ولقدرة المغاربة على تحويل التحديات إلى فرص، وترسيخ صورة بلد واثق، منظم، ومتصالح مع قارة ينتمي إليها حضاريا وإنسانيا قبل كل شيء.
لقد قدم المغرب نسخة استثنائية من حيث التنظيم المحكم، جودة البنية التحتية، الأمن، الخدمات اللوجستيكية، وحسن الاستقبال، في مشهد عكس بجلاء أن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة خارطة طريق واضحة رسمها جلالة الملك محمد السادس، قوامها الاستثمار في الإنسان، والرياضة، والسياحة، والبنية التحتية، والدبلوماسية المتعددة الأبعاد.
نماذج النجاح كانت واضحة: ملاعب بمعايير عالمية، شبكات نقل فعالة، انسيابية في التنقل، منظومة أمنية مغربية بكفاءات تضاهي أرقى التجارب الأمنية العالمية ،صورة حضارية للجماهير، ورسائل وحدة وانفتاح وجهها المغاربة لإفريقيا وللعالم.
وخلال هذه التظاهرة، تعرف القريب قبل البعيد على حقيقة باتت مقلقة لبعض الجهات، وهي أن المغرب أصبح نموذجا يحسد عليه في نجاحاته الاقتصادية، وتفوقه في المجال الدبلوماسي العالمي و في السياسات الرياضية والسياحية، مقارنة بدول إفريقية أخرى، بعضها يتوفر على عائدات ضخمة من النفط والغاز، ومع ذلك ما زالت تعاني إخفاقات بنيوية واضحة في البنية التحتية، والتنمية، والحكامة و اغتصاب واضح للحريات العامة .
غير أن هذا النجاح، وكما هو الحال دائمًا، لم يمر دون أن يثير حملات حقد وعداء ممنهجة، استُعملت فيها مختلف الوسائل:
- حملات تشويه إعلامية منظمة
- ترويج أخبار زائفة حول التنظيم والبنية التحتية
- محاولات تبخيس الإنجاز المغربي
- استغلال منصات التواصل الاجتماعي لبث السرديات العدائية
- توظيف شعارات شعبوية باسم “إفريقيا” لتصفية حسابات سياسية ضيقة
ورغم ذلك، نجحت الدبلوماسية الملكية مرة أخرى في إفشال هذه المحاولات، وفي إبراز الصورة الحقيقية للمملكة، كدولة موثوقة، شريكة، وداعمة لاستقرار وتنمية القارة الإفريقية، سواء على المستوى الرياضي أو الاقتصادي أو الإنساني.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، الذي يشكل ركيزة هذا المقال:
لماذا تظل بعض الأحزاب السياسية المغربية، ودبلوماسيتها الحزبية، غائبة أو شبه غائبة عن إفريقيا؟
في وقت تخوض فيه المملكة معارك كبرى من اجل حضور مميز للمملكة المغربية وأكثر تاثيراً ومكانة داخل القارة الافريقية ، تكتفي أغلب الأحزاب بالصمت، أو بحضور موسمي باهت، دون استراتيجية واضحة لاختراق العمق الإفريقي، والدفاع عن القضايا الوطنية، وعلى رأسها الوحدة الترابية، أو مواجهة البروباغاندا والأكاذيب التي تروج لهما جهات تدّعي الوصاية على إفريقيا، بينما هي في الواقع تقمع شعوبها، وتخنق أي حراك ديمقراطي، وتتبجح بشعارات “دعم الحركات التحررية” في الوقت الذي تمارس فيه حكمًا عسكريًا شموليًا لا يعترف بالحرية ولا بالكرامة.
إن غياب دبلوماسية حزبية رزينة، حكيمة، ومؤطرة، على شاكلة الدبلوماسية الملكية، يطرح أكثر من علامة استفهام. فداخل الأحزاب المغربية توجد أطر وكفاءات تمتلك الرغبة، والخبرة، والقدرة على الاشتغال داخل إفريقيا وخارجها، وتضع برامج واقعية لتلميع صورة المملكة، وبناء شبكات تأثير حزبية ومدنية وإعلامية، لكن هذه المبادرات غالبًا ما تُجهض بسبب:
- الإقصاء الداخلي
- منطق الولاءات بدل الكفاءات
- غياب الإيمان الصادق بالقضايا الوطنية
- هيمنة الأنا الحزبية والانتهازية السياسية
- تفضيل الحسابات الضيقة على المصلحة العليا للوطن
وهذه نماذج سلبية تعرقل أي اختراق حقيقي لإفريقيا، وتحرم المغرب من قوة ناعمة كان يمكن أن تكون مكملة للدبلوماسية الرسمية.
إفريقيا اليوم في حاجة إلى أن تعرف المغرب أكثر، لا كدولة فقط، بل كدعامة أساسية للتنمية المشتركة، وكبلد يعشق قارته، ويؤمن بمصيرها المشترك، والمغرب يمتلك من التجارب الناجحة ما يمكن تقاسمه:
- نموذج الاستقرار السياسي
- التجربة التنموية
- إصلاح الحقل الديني
- السياسات الرياضية
- التجربة السياحية
- البنية التحتية
- التكوين والتأطير
- مجال الحريات و حقوق الإنسان
- الحكامة في مجال الاستثمار وريادة الأعمال
لقد آن الأوان لفتح نقاش وطني صريح حول محاسبة الأحزاب السياسية بشأن برامج دبلوماسيتها الحزبية، وفرض التزام حقيقي تجاه إفريقيا، والاهتمام بالأطر الحزبية الصادقة التي تحمل همّ خدمة الوطن وثوابته، بدل محاصرتها أو تهميشها لصالح ممارسات مصلحية أنانية ضيقة.
فنجاح المغرب في إفريقيا لم يعد خيارا، بل ضرورة استراتيجية حيث فعلا نجح المغرب في ترسيخ مكانته داخل إفريقيا كدولة فاعلة ومؤثرة، غير أن هذا النجاح يزداد رسوخًا حين تسنده أحزاب قوية، واعية، ومؤمنة بأن خدمة الوطن تمتد خارج الحدود ولا تنحصر داخلها.




