
المغرب كفاعل إقليمي: قوة هادئة في محيط لا يزال أسير الصراعات القديمة!
في كل مرة يُعاد فيها إحياء خطاب عزل المغرب عن محيطه الإقليمي والقاري، تتأكد حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: أن من يخطط لهذه الاستراتيجية لم يستوعب بعد تحولات النظام الدولي، ولا يدرك أن منطق الإقصاء لم يعد يصنع نفوذا، وأن الجغرافيا لا تدار بالعداء، ولا تُختصر في خرائط ذهنية جامدة تعود إلى زمن الاصطفافات الإيديولوجية المغلقة.
فالمغرب، عبر تاريخه الحديث والمعاصر، لم يكن يوما دولة تبحث عن دور، ولا كيانا ينتظر اعترافًا بمكانته.
هو دولة تشكلت داخل التاريخ، وتفاعلت مع محيطها بوعيٍ استراتيجي حكيم، ونجحت في تحويل موقعها الجغرافي إلى رافعة سياسية، لا إلى عبء أمني أو أداة عداء وصراع دائمين.
إن محاولة عزل المغرب لا تنطلق من قراءة موضوعية لموازين القوى، بقدر ما تعكس أزمة تصور لدى أطراف لا تزال تنظر إلى المنطقة بمنطق الصراع الصفري: إما غالب أو مغلوب، إما تابع أو خصم، إما معنا أو ضدنا، وهي ثنائية لم تعد صالحة في عالم تبنى فيه الشراكات على المصالح المتقاطعة، وتدار فيه الخلافات عبر القنوات الذكية لا عبر القطيعة المزمنة.
في مقابل هذا المنطق المتصلب ، اختار المغرب مسارا مختلفا جذريا : مسار الدولة الهادئة في قراراتها، الواضحة في ثوابتها، والمرنة في أدواتها، مسارٌ تقوده دبلوماسية ملكية ذات نفس استراتيجي طويل، لا تستفز بالشعارات، ولا تنجر إلى ردود الفعل، ولا تبني سياساتها على تصفية الحسابات، بل على قراءة دقيقة لحركة التاريخ وموازين المستقبل.
لقد شكلت الدبلوماسية الملكية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الإطار الناظم لهذا التموقع الذكي، فهي دبلوماسية لا تؤمن بإدارة الخلاف عبر التصعيد، ولا ترى في الجوار ساحة مواجهة دائمة، بل تعتبر الاستقرار الإقليمي شرطًا أساسيًا للتنمية، وتؤمن بأن قوة الدولة تقاس بقدرتها على خلق التوازن، لا على إشعال التوتر.
ومن هنا، لم يكن انخراط المغرب العميق في إفريقيا مجرد عودة رمزية، بل خيارا استراتيجيا واعيا ، قوامه الاستثمار، والتعاون، وبناء الثقة، وتبادل المصالح.
اختار المغرب أن يكون شريكا لا وصيا ، ومساهما في الحلول لا منتجا للأزمات، في وقت لا يزال فيه البعض يفضّل تصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، وتغذية نزاعات إقليمية لإدامة خطاب تعبوي يبرّر الانغلاق.
إن الفارق بين منطقين أصبح اليوم صارخًا: منطق دولة تبني نفوذها عبر الاقتصاد والدبلوماسية الهادئة، ومنطق كيان يستهلك طاقته في معارك جانبية، ويغلق حدوده، ويجمّد الفضاءات المشتركة، ثم يتساءل عن سبب تراجعه الإقليمي والدولي. فالعالم لا يكافئ من يختار القطيعة، ولا يمنح أدوارًا قيادية لمن يعطّل الاندماج المغاربي، ويحوّل الجوار الطبيعي إلى مصدر تهديد دائم.
لقد أدرك المغرب، مبكرًا، أن الرهان الحقيقي ليس في كسب جولة إعلامية، بل في كسب الزمن. لذلك، راكم الشراكات بدل الخصومات، ووسّع دائرة حلفائه بهدوء، وربط سيادته بالتنمية، وأمنه بالاستقرار الإقليمي. وفي كل مرة يُدفع فيها إلى مربع الاستفزاز، يردّ بتعزيز حضوره، لا بتخفيض منسوب العقلانية.
أما الذين ما زالوا يعتقدون أن عزل المغرب ممكن، أو أن محاصرته دبلوماسيا خيار قابل للتحقق، فإنهم يصطدمون اليوم بواقع مختلف: واقع دولة صارت رقما صعبا في معادلات إفريقيا، وشريكا موثوقًا لدى القوى الدولية، ونقطة توازن في محيط مضطرب، في المقابل، يزداد الانكشاف السياسي لمن يراهن على خطاب العداء بدل خطاب البناء، وعلى تعطيل الجوار بدل تطويره.
إن المغرب لا يحتاج إلى إعلان انتصارات لفظية، لأن الوقائع تتحدث عنه، ولا يحتاج إلى افتعال أزمات ليؤكد حضوره، لأن حضوره صار جزءًا من التوازنات القائمة، وهو، في كل ذلك، يتحرك بثقة دولة تعرف أن التاريخ لا يرحم من يضيّع الفرص، ولا ينتظر من يصرّ على العيش في ذاكرة الصراع بدل صناعة المستقبل.
وهكذا، يواصل المغرب، بقيادته الملكية ودبلوماسيته الرشيدة، تثبيت معادلة واضحة: دولة عصيّة على العزل، قوية بخياراتها لا بعداواتها، مؤثرة بشراكاتها لا بضجيجها، وماضية بثبات في عالم لا يعترف إلا بمن يحسن قراءة التحولات… لا بمن يعاندها.




