
المغرب وأسئلة المواطنة والانتماء:من التاصيل التاريخي الى ملاعب كاس العالم
يكتسي كتاب «أسئلة المواطنة والانتماء.. محاولة في التأصيل التاريخي»، للمؤرخ أحمد سراج، أهمية خاصة في سياق النقاشات المعاصرة حول الهوية والانتماء الوطني، ليس فقط لأنه يعود إلى التاريخ لفهم تشكل الشخصية المغربية، بل لأنه يقدم مفاتيح لفهم ظواهر راهنة، من بينها الالتفاف الشعبي حول المنتخب الوطني المغربي ومشاركة أبناء الجالية المغربية في المحافل الرياضية الدولية، وعلى رأسها كأس العالم.
ينطلق أحمد سراج من فكرة أساسية مفادها أن المواطنة ليست مجرد وضع قانوني أو علاقة إدارية بين الفرد والدولة، بل هي حصيلة مسار تاريخي طويل تشكلت خلاله الروابط التي تجمع الإنسان بأرضه وتاريخه ومؤسساته ورموزه المشتركة. ومن هذا المنطلق، فإن الانتماء لا يمكن اختزاله في مكان الولادة أو الإقامة، وإنما يتأسس على شبكة من الروابط الثقافية والتاريخية والرمزية التي تمنح الأفراد شعوراً بالانتماء إلى جماعة وطنية واحدة.
وتكتسب هذه الأطروحة راهنيتها عند النظر إلى النقاش الذي يثار كلما شارك المنتخب المغربي في كأس العالم أو في التظاهرات الرياضية الكبرى، خاصة عندما يتعلق الأمر باللاعبين المزدادين في أوروبا من أبناء الجالية المغربية. فبعض الأصوات تعتبر اختيار هؤلاء اللاعبين تمثيل المغرب دليلاً على ضعف اندماجهم في بلدان الإقامة، بينما يرى آخرون أن الأمر يعكس قوة الروابط التي حافظت عليها الأسر المغربية المهاجرة مع وطنها الأصلي.
إن قراءة كتاب أحمد سراج تسمح بتجاوز هذا الجدل الثنائي؛ فالمؤلف يبين أن الهوية المغربية نفسها تشكلت عبر قرون من التفاعل بين روافد متعددة، وأن الانتماء المغربي لم يكن يوماً مفهوماً مغلقاً أو قائماً على النقاء العرقي أو الجغرافي. ولذلك فإن اللاعب المولود في أمستردام أو بروكسيل أو باريس يمكن أن يكون مواطناً أوروبياً كامل الحقوق، وفي الوقت نفسه يشعر بانتماء ثقافي وتاريخي للمغرب. فالانتماء، وفق هذا التصور، ليس لعبة محصلتها صفر، بل هو مجال تتعايش داخله دوائر متعددة للهوية.
وقد أظهرت التجربة المغربية خلال كأس العالم أن أبناء الجالية لا يمثلون عبئاً على الهوية الوطنية، بل يشكلون امتداداً لها خارج الحدود. فعندما يرفع لاعب وُلد في أوروبا العلم المغربي أو يتحدث عن ارتباطه بوالديه وأجداده، فإنه يجسد أحد أوجه المواطنة العابرة للحدود التي أصبحت سمة من سمات العالم المعاصر. كما أن احتفال الجماهير المغربية داخل المغرب وخارجه بانتصارات المنتخب كشف عن وجود شعور جماعي بالانتماء يتجاوز الحدود الجغرافية ويستند إلى ذاكرة وتاريخ ورموز مشتركة.
ولا يقتصر الأمر على الحالة المغربية وحدها، بل يندرج ضمن ظاهرة عالمية أصبحت فيها التظاهرات الرياضية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، مناسبة للتعبير عن الانتماء الوطني واستحضار الذاكرة التاريخية للشعوب؛ فالأمم لا تحضر إلى الملاعب بفرقها الرياضية فقط، وإنما تحمل معها أيضاً رموزها الثقافية والتاريخية التي تشكل جزءاً من شخصيتها الجماعية.
تستحضر الدنمارك، على سبيل المثال، حركة تجذيف السفن التي اشتهر بها الفايكينغ، كما تحضر اسكتلندا في الملاعب بلباسها التقليدي وأنغام المزامير التي أصبحت جزءاً من شخصيتها الثقافية، بينما أصبحت السامبا رمزاً ملازماً للصورة التي تقدم بها البرازيل نفسها للعالم. وهكذا تحولت الرياضة إلى فضاء للتعريف بتاريخ الأمم وثقافاتها وقوتها الناعمة بقدر ما هي مجال للتنافس الرياضي.
أما المغرب، فإنه يقدم نموذجاً مختلفاً في التعبير عن الانتماء، إذ لا يرتكز على رمز ثقافي أو تاريخي واحد، بل على التعدد والتنوع في إطار الوحدة والاستمرارية التاريخية. فحين يلتف المغاربة حول منتخبهم الوطني، يستحضرون تاريخاً طويلاً من التفاعل بين الروافد الأمازيغية والعربية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية، في ظل استمرارية الدولة المغربية عبر القرون. ومن ثم فإن المنتخب الوطني لا يمثل مجرد فريق لكرة القدم، بل يعكس صورة أمة استطاعت أن تجعل من تنوع مكوناتها مصدر قوة ووحدة، وأن تحافظ في الوقت نفسه على شخصيتها الحضارية المتواصلة عبر التاريخ.
ومن هذه الزاوية، تبدو مشاركة أبناء الجالية المغربية في المنتخب الوطني امتداداً طبيعياً لهذا النموذج التاريخي؛ فهم يجسدون قدرة الهوية المغربية على الاحتفاظ بروابطها الثقافية والوجدانية خارج الحدود، تماماً كما تعبر أمم أخرى عن ارتباطها بتاريخها ورموزها الجماعية. كما أن وجود لاعبين من خلفيات وتجارب متعددة داخل المنتخب يؤكد أن الانتماء الوطني ليس نقيضاً للتنوع، بل إطاراً جامعاً له.
كما يساعد كتاب أحمد سراج على فهم الفرق بين الاندماج والانصهار؛ فالاندماج في المجتمعات الأوروبية لا يقتضي التخلي عن الجذور الثقافية أو الروابط العائلية والتاريخية، بل يعني المشاركة الفاعلة في المجتمع واحترام قوانينه ومؤسساته. ومن ثم فإن احتفاظ أبناء المهاجرين بعلاقة وجدانية مع المغرب لا يتعارض مع مواطنتهم في بلدان الإقامة، بل يؤكد إمكانية التوفيق بين الانتماءات المتعددة داخل إطار من الاحترام المتبادل.
وهنا تبرز أهمية الأطروحة التي يدافع عنها أحمد سراج؛ فالمواطنة ليست مجرد وثيقة إدارية، والانتماء ليس مجرد معطى جغرافي، وإنما هما بناء تاريخي وثقافي متواصل. ومن ثم فإن نجاح المنتخب الوطني، بما يضمه من لاعبين نشأ بعضهم في المهجر، يعكس في جانب منه نجاح المغرب في الحفاظ على روابطه التاريخية والرمزية مع أبنائه عبر العالم.
وفي النهاية، يمكن القول إن كتاب «أسئلة المواطنة والانتماء» يقدم إطاراً فكرياً مناسباً لفهم ظاهرة الالتفاف حول المنتخب الوطني المغربي؛ فهذه الظاهرة لا تعبر فقط عن تشجيع فريق رياضي، بل تكشف عن حيوية الشعور الوطني وقدرة الهوية المغربية على استيعاب التنوع وتوحيده حول مشروع جماعي مشترك. ولذلك فإن حضور أبناء الجالية داخل المنتخب ليس استثناءً، بل هو تجلٍّ لتاريخ طويل من التفاعل والانتماء الذي يجعل المغرب وطناً يتجاوز حدوده الجغرافية ليعيش أيضاً في ذاكرة أبنائه المنتشرين عبر العالم.



