دراسات وتقارير

بين غرف التفاوض وحاملات الطائرات: إلى أين تتجه أزمة الولايات المتحدة وإيران؟

تقدير موقف

المشهد الأول: مفاوض يتفاوض وجيش يتمركز

في أروقة فندق راقٍ بجنيف، يتبادل الدبلوماسيون الأمريكيون والإيرانيون مقترحاتٍ مكتوبة عبر وسيط عُماني، فيما تحلّق على بُعد سبعمائة كيلومتر من السواحل الإيرانية حاملة الطائرات أبراهام لينكولن على متنها ثمانون طائرة حربية، من بينها مقاتلات F-35 وF-18. الحاملة الثانية في طريقها. خمسون مقاتلة إضافية نُقلت إلى قواعد إقليمية على مسافة أقل من أربع وعشرين ساعة طيران من الأهداف الإيرانية. في الوقت ذاته، أجرت قوات الحرس الثوري مناورات بحرية في مضيق هرمز، وأطلقت طائرات مسيّرة نحو مجموعة الحاملة الأمريكية، فيما أعلن المرشد خامنئي من طهران أن “الغرق هو القدر المحتوم لأي بارجة تغامر بالتمادي”.

هذا ليس مشهد دبلوماسية هادئة. هذا مشهد مفاوضات يُجريها طرفان كلاهما يفترض أن الآخر سينهار قبل أن يضطر هو إلى التراجع.

فهم هذه المعادلة هو مفتاح فهم المنطقة اليوم.

الخلفية: حرب حصلت فعلاً، وتداعياتها لم تنته بعد

أي نقاش عن السيناريوهات المستقبلية لا بد أن ينطلق من حقيقة موثّقة: الحرب لم تعد مجرد احتمال. لقد حصل جزء منها فعلا في يونيو 2025. “عملية المطرقة في منتصف الليل”، كما أطلق عليها البنتاغون، شهدت قيام سبع قاذفات B-2 أمريكية بضرب منشآت نووية إيرانية ثلاثاً في فردو ونطنز وأصفهان بقنابل خارقة للتحصينات. ليست ضرباً رمزياً. ليست رسالة تحذيرية. كانت ضربة جراحية بنيوية لقلب البرنامج النووي الإيراني.

إيران ردّت بضربة محسوبة على قاعدة أمريكية في قطر، أخطرت واشنطن بها مسبقاً لتجنب الخسائر البشرية، ما يكشف أن طهران أدركت في اللحظة الأخيرة أن ثمن التصعيد سيكون أكبر من قدرتها على التحمل. المنظومة النووية انهارت جزئياً، وكذلك المنظومة الأمنية الإقليمية التي بنتها إيران على مدى عقود: حماس محاصرة، وحزب الله يمشي على الجمر بعد تدمير قيادته وترسانته الاستراتيجية، والحوثيون يواجهون ضغطاً دوليًا غير مسبوق.

لكن إيران لا تزال قائمة. والمفاوضات اليوم تدور حول بقايا برنامج نووي مُدمَّر جزئياً، وصواريخ باليستية يحاول الإيرانيون إعادة بنائها بمكوّنات صينية، و400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب تجهل الوكالة الدولية للطاقة الذرية مكانها. هذا هو الملف الحقيقي الذي يتفاوض عليه الطرفان في جنيف.

جوهر الخلاف: مطالب لا تقبل التوافق

وصف علي فايز من مجموعة الأزمات الدولية المشهد بعبارة جوهرية: إيران لم تُدِر سنتريفيوجاً واحداً منذ الضربات، مما يعني أن ثمن التنازل النووي قد سقط فعلاً، ومع ذلك يرفض الإيرانيون الانصياع. المتحدث باسم الجانب الإيراني صرّح لقناة الجزيرة بعد جولة عُمان أن “التخصيب الصفري أمر خارج النقاش بشكل قاطع”، مضيفاً أن الملف الصاروخي “شأن دفاعي سيادي غير قابل للتفاوض لا اليوم ولا في المستقبل”.

في المقابل، قدّمت إيران لواشنطن مقترحاً يشمل تجميد التخصيب من ثلاث إلى خمس سنوات، وسحب مخزون اليورانيوم عالي التخصيب خارج البلاد. بيد أن الموفد الأمريكي ويتكوف كان قد أعلن في يناير الماضي أن الهدف النهائي هو إنهاء التخصيب نهائياً، وتقييد البرنامج الصاروخي، ووقف دعم الفصائل الإقليمية. ثلاثة شروط إيران ترفضها جملةً وتفصيلاً.

مركز الأبحاث الاستراتيجية والدولية CSIS يلخّص الوضع بصرامة: هذا ليس “فجوةً في الموقف” يمكن ردمها بالمرونة. هذا تناقض بنيوي بين رؤيتين لطبيعة الاتفاق ذاته. إيران تريد صفقة نووية ضيقة مقابل رفع العقوبات. أمريكا تريد تفريغاً شاملاً لكل أوراق النفوذ الإيراني في المنطقة.

ترامب أمام مرآة الاستحقاقات

إذا كان هذا المشهد داخل قاعة المفاوضات، فما هي خلفياته خارجه؟ بالنسبة للولايات المتحدة، تتقاطع في قرار ترامب الإيراني ثلاثة محركات لا يمكن عزلها عن بعضها.

المحرك الأول هو القناعة الشخصية بالقوة. ترامب حاكم جاء بعد سنوات من التردد الأمريكي، ويرى في لحظة ضعف إيران فرصة تاريخية نادرة لا تتكرر. إيران اليوم، كما يصفها محللو CNN بعد رصد متأنٍّ، هي الأضعف في أربعة عقود: اقتصاد منهك، شرعية مهترئة، واحتجاجات اندلعت في إحدى وعشرين من مقاطعاتها الواحدة والثلاثين، وحلفاء إقليميون في حالة يُرثى لها. هذا ما يغري صقور واشنطن بالقول: “الآن أو أبدا”.

المحرك الثاني هو الحساب الانتخابي. انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026 تضع الجمهوريين أمام مخاطرة غير محسوبة. ترامب فاز في 2024 بفضل الناخبين المستقلين في الولايات المتأرجحة، وهم الذين يضعون الاقتصاد ومستوى المعيشة فوق كل اعتبار. أي حرب تمتد لأسابيع أو أشهر، ترفع أسعار النفط، وتعيد شبح التضخم، وتُعيد توجيه الأنظار إلى مقابر العسكريين، وهي الصورة التي تُدمر الجمهوريين في صناديق الاقتراع. تحليل CNN السياسي يقدر أن أي حرب إيرانية “خاطئة” قد تُفرغ الولاية الثانية من كل شرعيتها ومعنوياتها.

المحرك الثالث، والأكثر تعقيداً، هو الصراع الداخلي داخل اليمين الأمريكي ذاته. تيار “ماغا” الشعبي يحمل في جوهره عدائية واضحة للتدخل العسكري الخارجي. المعطيات المستقاة من استطلاعات يوليو 2025 تُظهر أن أقل من ربع الجمهوريين من الفئة العمرية 18-34 يؤيدون إسرائيل في مقابل الفلسطينيين. تاكر كارلسون، صوت هذا التيار، طالب علناً بـ”التخلص من إسرائيل ودعها تخوض حروبها منفردة”. اللوبي المؤيد لإسرائيل يدفع في الاتجاه المعاكس. وترامب، المناور البارع، يعلم أن القفز من فوق هذا الخندق في أي من الاتجاهين سيكلفه ثمناً باهظاً.

مخرج ترامب من هذه المعضلة يبقى ما يصفه محللو Carnegie بالـ”الترامبية الخالصة”: صفقة كبرى تُقدَّم كانتصار تاريخي، تُمكّنه من القول لقاعدته إنه أنجز ما عجز عنه أوباما وبايدن، وأُطلق عليها وصف “صفقة القرن بصيغتها الإيرانية”. هذا هو الهدف الأول.

نتنياهو: حروب تُخاض لأسباب قضائية

من جهته، فبنيامين نتنياهو أمام انتخابات يُتوقع أن تُجرى في موعد أقصاه أكتوبر 2026. وهو يدخلها محمّلاً بملفات قانونية ثقيلة، وتساؤلات جارحة عن إخفاقات السابع من أكتوبر لم تُغلق بعد. المعهد الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR يصف منطق نتنياهو بدقة: الحرب ليست في نظره تهديداً يجب تفاديه، بل فرصة يجب اقتناصها. كل حرب صغيرة أنتجت له زخماً انتخابياً مؤقتاً. الحرب الكبرى قد تكون التذكرة إلى الإفلات من المحاسبة والفوز برابعة مرة. لكن المشكلة في هذا المنطق، كما يلفت المعهد، أن الرأي العام الإسرائيلي منقسم حول مغامرة عسكرية جديدة ضد إيران.

أما الخلاف الأعمق، فهو مع واشنطن. نتنياهو يضغط لإدراج الصواريخ الباليستية الإيرانية والفصائل الإقليمية في أي اتفاق مع طهران، وهو ما يجزم محللو الجزيرة أنه ليس مطلباً تفاوضياً، بل قنبلة موضوعة تحت طاولة المفاوضات لتفجيرها. إيران لن تقبل هذا الشرط أبداً، وهو يعلم ذلك. وكما يُجمع معهد كارنيغي، فإن ترامب اليوم يمتلك رافعة تاريخية غير مسبوقة على نتنياهو: يستطيع الضغط عليه وتجاوزه دون أن يدفع ثمناً سياسياً يُذكر في الداخل الأمريكي. وهو استخدم هذه الرافعة مرات عدة منذ 2025.

تلك المفارقة اللافتة: نتنياهو الذي يحتاج إلى ترامب للبقاء سياسياً، هو في الوقت ذاته الطرف الذي يُحاول تجيير تحركات ترامب نحو الحرب التي لا يريدها ترامب بالضرورة.

التنين والدب: حسابات القوتين

غير بعيد عن المنطقة، وفي أطراف إيران تحديدا نجد بكين وموسكو، وهما ليستا صامتتين في هذه المعادلة. الصين تشتري اليوم ما يزيد على 80% من النفط الإيراني، وهي الممر الرئيسي للعملة الصعبة التي يُبقي نفَسَ الاقتصاد الإيراني. المرسوم التنفيذي الذي أصدره ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل مع إيران هو في جوهره رسالة موجّهة لبكين تحديداً، وقد أبلغت الصين طهران سراً أنها قد تضطر إلى التراجع عن جزء من مشترياتها تحت وطأة هذا الضغط.

روسيا، من جهتها، تجد في إيران شريكاً عسكرياً لا غنى عنه في سياق الحرب الأوكرانية. موسكو لن تدخل المواجهة مباشرة، لكنها تمدّ طهران بأنظمة دفاع جوي متطورة وبمعلومات استخباراتية. الهدف الروسي التكتيكي هو استنزاف الانتباه الأمريكي وتوريط واشنطن في مواجهة إقليمية تستنزف مواردها السياسية بعيداً عن أوكرانيا والفناء الأوروبي.

لكن هامش التسامح الروسي والصيني مع حرب أمريكية مدمرة ومطوّلة على إيران يبقى ضيقاً. ستتجلى مقاومتهما في أروقة مجلس الأمن، وفي تسريع إمداد طهران بأسلحة تجعل ثمن الحرب أعلى، وفي دفع عجلة تسوية الصراع كلما بدا أن الحرب تنزلق نحو تغيير النظام.

السيناريوهات الثلاثة: قراءة في الاحتمالات

السيناريو الأول: اتفاق ترامبي محدود النطاق. تُقرّ واشنطن بما كشفت عنه التصريحات في الجولة الأولى بعُمان، وهو أن ترامب أشار صراحةً أمام الصحفيين إلى إمكانية قبول اتفاق “نووي فقط” إذا كان يُغلق الطريق أمام السلاح النووي. هذا ليس إشارة عابرة. هذا تحوّل في الموقف التفاوضي. الاتفاق المحتمل في هذا السيناريو يشمل تجميد التخصيب مقابل رفع جزئي للعقوبات، ورقابة مكثفة من الوكالة الذرية. مركز سوفان يقدّر هذا الاحتمال بنسبة غير ضئيلة إذا تراجعت طهران عن موقفها المتشدد حول مستوى التخصيب. العقبة الكبرى أن إسرائيل ستعتبر هذا الاتفاق “خيانة”، وقد تلجأ إلى عمل منفرد.

السيناريو الثاني: ضربة أمريكية جديدة. إليوت إيبرامز، كبير باحثي مجلس العلاقات الخارجية CFR، صرّح صراحةً لـ”واشنطن إيكزامينر” أن “ضربة من نوع ما أكثر ترجيحاً من لا شيء”، مستنداً إلى أن الاتفاق المحدود سيُعيد إلى إيران أموالاً ضخمة في الوقت الذي ذبحت فيه آلاف المحتجين. هذا السيناريو يتضمن عمليات جوية محددة ضد منشآت إعادة البناء النووي والمنظومة الصاروخية، دون أن تتحول إلى حرب برية. احتمالاته ترتفع إذا انهارت مفاوضات جنيف في غضون الأسبوعين المقبلين، وهو الإطار الزمني الذي منحته واشنطن لطهران وفق تسريبات موقع “واشنطن إيكزامينر”.

السيناريو الثالث: الانزلاق الكبير. هو الأشد رعباً والأقل احتمالاً في المدى المنظور، لكنه ليس مستبعداً في حال قرر نتنياهو العمل منفرداً لجرّ الولايات المتحدة. مركز ستيمسون يُلاحق هذا الاحتمال بصرامة منذ بداية 2026، ويُحذّر من أن إسرائيل تُبقي قوتها في لبنان في حالة استعداد. إيران إذا استُفزّت بضربة إسرائيلية، ستشعر بأنها أمام مبرّر انتقام لا يمكن أن تتجاهله دون فقدان الحد الأدنى من الردع والهيبة.

الاحتمال الراجح: الدبلوماسية تحت النار

التقييم الأقرب إلى الواقع، استناداً إلى مجمل المعطيات المتاحة وتحليلات مجلس الأطلسي والسوفان سنتر وكارنيغي، هو أن المنطقة تعيش سيناريو “الدبلوماسية تحت النار” بامتياز. نقاشات جوهرية تجري وراء الكواليس، لكن الأطراف كلها تحتفظ بالأوراق الضاغطة مشهرةً. لا أحد يريد الحرب الشاملة، لكن أحداً لا يبدو مستعداً لتقديم الثمن الكافي لتجنبها.

أكثر ما يُقلق في هذه المعادلة أنها لا تسير نحو نقطة التفاوض المحسوبة، بل نحو نقطة الانفجار العشوائية. كما يلاحظ محللو مجلة “موديرن ديبلوماسي”، الأطراف لا تتفاوض انتظاراً للتوافق، بل تُماطل كلٌّ منها في انتظار أن يتراجع الآخر أولاً. والأسواء في هذا النوع من الألعاب أن أحداً لا يتراجع دائماً في اللحظة المناسبة.

خاتمة: الأسابيع الفاصلة

المنطقة تقف عند مفترق طرق حقيقي. الأسبوعان المقبلان، بحسب التسريبات الأمريكية المتعددة، يُمثّلان الإطار الزمني الذي حدّدته واشنطن لنفسها قبل اتخاذ قرارات أكثر حدة. إيران تمانع في قبول الشروط وتتمسك بخطوط حمراء تبدو اليوم أكثر صلابة مما كانت عليه قبل الضربات الأمريكية والإسرائيلية. والفارق الوحيد بين 2025 و2026 هو أن طهران بات أمامها برنامج نووي مُخرَّب وأوراق ضغط أقل، مما يجعل منطق التسوية أكثر إلحاحاً وفرصه أعلى. لكن المنطق وحده لم يكن يوماً العنصر الحاسم في معادلات الشرق الأوسط.

الخلاصة التي يصعب تجنبها: هذا سباق بين مفاوض يريد “صفقة القرن”، وجنرالٍ يخشى المحاكمة، وآيةٍ في سن التسعين قد لا يكون متأكداً من هوية خلفه. ثلاثة قرارات، ثلاث ساعات تدق في آنٍ واحد، وكل منها يمكن أن يُوقف الآخرَين أو يُفجّرهم.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى