إضاءات

تاونات المغربية: علوّ الجبال وذاكرتها ، وأفق الانفتاح

في قلب الشمال المغربي، عند تخوم الريف الجنوبي وعلى تماسٍّ مع سهول فاس الخصبة، تتربع تاونات بوصفها مدينةً تعانق الارتفاع جغرافياً وتستبطنه رمزياً. فاسمها الأمازيغي، الذي يُحيل إلى معنى “العالية” أو “العقبة”، ينسجم مع موقعها القائم على هضبة تُشرف على وادي سرا، حيث تتدرج التضاريس في مشاهد تجمع بين الخضرة الصاعدة والمياه المتدفقة والقرى المتناثرة على السفوح. غير أن علوّ تاونات لا يختزل في ارتفاعها الطوبوغرافي، بل يتجلى في تاريخها العريق، وهويتها الجبلية، وطموحها التنموي المتجدد.

taownet 1

الإطار الجغرافي والسكاني: مجال ريفي بامتياز

ينتمي إقليم تاونات إلى جهة فاس-مكناس، ويحدّه شمالاً إقليما الحسيمة وشفشاون، وجنوباً ولاية فاس، وشرقاً إقليم تازة، وغرباً إقليم سيدي قاسم. وتمتد مساحته على نحو 5885 كيلومتراً مربعاً، ويقطنه ما يزيد عن 630 ألف نسمة موزعين على أكثر من 1600 دوار، ما يجعله إقليماً قروياً بامتياز. وتبقى نسبة التمدّن فيه محدودة مقارنة بالمعدل الوطني، وهو معطى لا يعكس هشاشة بقدر ما يعبّر عن رسوخ نمط عيش ريفي متجذر في الأرض والتقاليد.

يتسم المناخ بطابع متوسطي، بشتاء بارد ورطب وصيف حار نسبياً، مع تفاوت ملحوظ في التساقطات بين الشمال والجنوب. هذا التنوع المناخي، إلى جانب تضاريس الجبال والوديان، أفرز بيئة طبيعية غنية دعمت النشاط الفلاحي، ورسّخت علاقة عضوية بين الإنسان والمجال.

tawnet 6

جذور تاريخية ضاربة في العمق

يرجع تشكل تاونات في صورتها التاريخية إلى العصر الموحدي خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حين انتقلت قبائل مزيات والجاية ورغيوة من منطقة زرهون قرب مكناس للاستقرار بالموقع الحالي. ومنذ ذلك الحين، أدّت المنطقة دوراً استراتيجياً باعتبارها حلقة وصل بين فاس والريف، وبين الجبل والسهل.

وتشهد قصباتها وقلاعها على تعاقب الدول المغربية، ولا سيما القصبة المرابطية بجبل أمركو التي تطل اليوم على بحيرة سد الوحدة في مشهد يجمع التاريخ بالماء. كما تنتشر قلاع وزوايا أخرى مثل زاوية سلاس وتاورتا بغفساي وقلعة أود أحمد بتيسة، بما يعكس أهمية تاونات في مراقبة المسالك وتأمين المجال عبر القرون. وخلال فترات المقاومة ضد الاستعمار، برزت المنطقة بروحها الوطنية ومشاركتها الفاعلة في ملحمة الكفاح من أجل الاستقلال.

جبالة: هوية الجبل وثقافته

تنتمي تاونات إلى المجال الثقافي لجبالة، وهم “سكان الجبال” الذين تشكلت هويتهم من تفاعل الجغرافيا بالتاريخ. ورغم الأصول الأمازيغية للمنطقة، فقد تعرّب جبالة منذ القرن الحادي عشر، ما أفرز لهجة خاصة ذات نبرة ما قبل هلالية، ما تزال حاضرة في الخطاب اليومي والأغنية الشعبية.

تتجلى هذه الهوية في أنماط العيش التقليدية، وفي البيوت المشيدة بالحجر والطين، وفي التضامن الاجتماعي الذي يميز الدواوير الجبلية. كما تحضر في الفنون الشعبية، خاصة “الطقطوقة الجبلية” وفن “الهيتي”، وفي الطقوس المرتبطة بالأعراس والمواسم الدينية. ولا تزال الأزياء التقليدية، كالجلباب والعمامة والبلغة، تعكس تمسك السكان بأصالتهم، خصوصاً في المناسبات الدينية والوطنية.

Taounate 5

اقتصاد محلي بين الفلاحة والحِرَف

يشكل النشاط الفلاحي العمود الفقري لاقتصاد تاونات، حيث ترتكز الزراعة على الحبوب والقطاني وغرس أشجار الزيتون والتين، إلى جانب تربية المواشي. وتتيح الموارد المائية، المدعومة بوجود سدود كبرى، إمكانات لتوسيع المساحات المسقية وتعزيز الإنتاجية.

في هذا السياق يبرز سد الوحدة، أحد أكبر السدود في إفريقيا، باعتباره رافعة تنموية كبرى، ليس فقط لتأمين الماء الصالح للشرب والري، بل أيضاً لخلق فرص سياحية واستثمارية. كما يؤدي سد إدريس الأول دوراً حيوياً في دعم الفلاحة وتوازن المنظومة المائية بالإقليم.

إلى جانب الفلاحة، تزدهر الصناعات التقليدية بوصفها ذاكرةً حيةً للمهارات المحلية. ففي أولاد أزم ينتعش النسيج، وفي مولاي بوشتى تنسج السلال من نبات الدوم، بينما تعرف بني وليد بالنجارة التقليدية، وتشتهر اسلاس بصناعة الفخار. هذه الحرف ليست مجرد أنشطة اقتصادية محدودة، بل تمثل اقتصاداً تضامنياً قابلاً للتطوير، خاصة عبر دعم التعاونيات النسوية والشبابية.

وقد تعزز هذا البعد من خلال انفتاح جهة فاس-مكناس على محيطها العربي والدولي، كما تجلى في تنظيم السوق المغربي الأردني للصناعات والحرف التقليدية بعمان، بمشاركة مسؤولين مغاربة وأردنيين، ما يكرّس دينامية تسويق المنتوج التراثي خارج الحدود ويمنح الحرف الجبلية أفقاً عالمياً.

tawnet1

مؤهلات سياحية واعدة

تتوفر تاونات على رصيد طبيعي وتاريخي يؤهلها لتكون وجهة للسياحة البيئية والثقافية. فالمشهد الطبيعي الذي يجمع الغابات والجبال والسدود يمنح الزائر فضاءً للتأمل والاستجمام. وتشكل عيون بوعادل، بمياهها العذبة المتدفقة وسط الصخور والأشجار، محطة جذب رئيسية، خاصة في فصلي الربيع والصيف.

كما أن المهرجانات المحلية، مثل مهرجان الفرس بتيسة وموسم مولاي بوشتى الخمار، تمثل لحظات احتفاء بالتراث وتجديداً للذاكرة الجماعية. وتوفر تضاريس الإقليم وغاباته فضاءات ملائمة للمشي الجبلي والصيد التقليدي، ما يعزز إمكانات السياحة القروية المستدامة.

البعد الإداري والاجتماعي

tawnet 6 1

أُحدث إقليم تاونات سنة 1977 في إطار تقريب الإدارة من المواطنين، بعدما كان تابعاً لإقليم فاس. ومنذ ذلك الحين، شهد تطوراً تدريجياً في بنياته الإدارية والاجتماعية، إذ يضم اليوم عدة بلديات وجماعات قروية. وتعد مدينة تاونات مركزاً إدارياً يحتضن مختلف المصالح العمومية، من مستشفى إقليمي ومحكمة ابتدائية ومؤسسات تعليمية وتكوينية.

وقد عرف قطاع التربية الوطنية نمواً ملحوظاً، مع جهود لتعميم التعليم ومحاربة الأمية، خاصة في الوسط القروي. كما يسهم معهد التكنولوجيا التطبيقية في تكوين اليد العاملة المؤهلة، بما يدعم اندماج الشباب في سوق الشغل. وتلعب الجمعيات الثقافية والرياضية دوراً مهماً في تنشيط الحياة الاجتماعية وتعزيز روح المبادرة.

نحو تنمية مستدامة متجذرة في الهوية

إن مستقبل تاونات يرتبط بقدرتها على تحويل عناصر قوتها الطبيعية والثقافية إلى مشاريع مستدامة. فالسياحة البيئية، وتثمين المنتوجات المجالية، وتطوير التعاونيات الحرفية، وتوسيع المساحات المسقية، كلها مسارات واعدة. كما أن تحسين البنيات التحتية والربط الطرقي يعزز اندماج الإقليم في الدينامية الاقتصادية الجهوية.

tt
ipp

تاونات ليست مدينة صاخبة ولا وجهة جماهيرية، بل فضاء للهدوء والتأمل، حيث ما تزال الجبال تحكي، والوديان تجري في سكينة، والحرفيون ينسجون خيوط الذاكرة جيلاً بعد جيل. إنها مدينة العلوّ: علوّ الموقع، وعلوّ التاريخ، وعلوّ الطموح. ومن يزُرها لا يكتفي بمشاهدة طبيعتها، بل يلامس روح الجبل، حيث البساطة خيار، والأصالة قيمة، والانفتاح أفق يتجدد مع كل موسم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى