
تداعيات “دبلوماسية الإرباك” في معركة نهائي الكان .. حين تكشف “القوة الناعمة” المغربية عن وجهها “الخشن”!
لا تُبنى المؤامرات في ليلة واحدة. وما جرى في الرباط يوم الثامن عشر من يناير 2026، من انسحاب المنتخب السنغالي احتجاجاً على ركلة جزاء صحيحة في الدقيقة الثامنة من الوقت بدل الضائع، لم يكن لحظة غضب عارض صدرت عن مدرب فقد أعصابه، بل كان محطةً مكثّفة في خط بياني طويل ومدروس، بُنيت لبناتُه بصبر وتنسيق خلال الأيام التي سبقت الصافرة، وتمتد جذوره إلى اصطفافات إقليمية أعمق من أي نهائي كروي.
جدول المحتويات
أولاً: التهيئة المسبقة .. “دبلوماسية الإرباك” في العمل
ثمة مصطلح يصف بدقة ما أقدم عليه الجانب السنغالي قبل المباراة: “دبلوماسية الإرباك”. وهي استراتيجية تقوم لا على المواجهة المباشرة، بل على صناعة فوضى متراكمة من الشكاوى والادعاءات المتتالية، بحيث تُثقل كاهل الخصم بمهمة الدفاع عن نفسه قبل أن تنطلق الكرة.
بدأت هذه الاستراتيجية بنشر معلومة عن وصول الوفد السنغالي إلى الرباط بالقطار قادماً من طنجة، وذلك على الموقع الإلكتروني الخاص باتحاد الكرة السنغالي، فتجمّع جمهور الفريق في المحطة في مشهد صوّره المتحمسون باعتباره “إخفاقاً أمنياً مغربياً”، وطالب المدرب بابي ثياو الرباطَ باعتذار رسمي رغم أن التنظيم مسؤولية حصرية للكاف لا للمضيف. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل توسّعت لتشمل شكاوى من ملعب التدريب، ثم شكاوى من فندق الإقامة، في تسلسل يكشف عن خط إنتاج منهجي لا عن ردود فعل عفوية. والمفارقة أن هذه الفنادق والملاعب معتمدة من الكاف نفسه، وتفوق في مواصفاتها كل ما استُضيفت فيه بطولات أفريقية سابقة، بما فيها دول أعلنت استعدادها لاستضافة الحدث.
ثم جاء الإعلان الأكثر وضوحاً عن النية المبيّتة: حين صرّح ثياو في مؤتمر صحفي رسمي أن المغرب مدعوٌّ لأن يكسب المباراة “في الملعب لا عبر هدايا الحكام”. لم يكن هذا تعليقاً رياضياً، بل توثيقاً استباقياً لرواية بديلة: أياً كانت النتيجة لصالح المغرب، فالتفسير جاهز مُقدَّماً. الأرضية مُمهّدة، والرأي العام الأفريقي مُهيَّأ لتقبّل كل ما سيأتي.
ثانياً: ليلة الرباط .. الانهيار على الملأ
في قلب المباراة النهائية التي انتهت بعد وقت إضافي مشحون، وبعد هدف ملغى للسنغال في الوقت بدل الضائع، وركلة جزاء لصالح المغرب أعلنها الحكم الكونغولي بعد مراجعة تقنية الفيديو في الدقيقة الثامنة والتسعين، أصدر ثياو أمراً لم يسبق في تاريخ النهائيات الكبرى: أمر لاعبيه بمغادرة أرض الملعب والتوجه إلى غرف تغيير الملابس.
غاب اللاعبون السنغاليون لما يقارب السبع عشرة دقيقة كاملة، في حين اندلعت أعمال شغب في المدرجات وتعرضت قوات الأمن لاعتداءات جسيمة. وقد كشفت تقارير لاحقة عن توقيف ثمانية عشر مشجعاً سنغالياً وجزائري واحد على خلفية هذه الأحداث، تفصيل لا يحتاج إلى تعليق طويل لمن يتابع الخريطة الإقليمية. ثم ظهر كلود لوروا فجأة وبطريقة “مريبة” على أرضية الملعب مطالباً ساديو ماني باستعادة زملائه، قبل أن يُلقي “مسؤول في الكاف” تعليمات للحكم بعدم إنهاء المباراة وانتظار العودة السنغالية. عادت السنغال، أكملت المباراة، وفازت 1-0 بعد الوقت الإضافي. انتُقل الكأس إلى داكار وسط عشرات الجنود. وبدا الأمر كأن الصفحة طويت.
لكن المغرب لم يُدِر ظهره.
ثالثاً: الإطار الجيوسياسي .. من يدير “دبلوماسية الإرباك”؟
لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن السياق الإقليمي الذي تنتمي إليه الأحداث. فالنظام العسكري الجزائري، الذي خرج منتخبه مبكراً من بطولة يستضيفها عدوه الاستراتيجي، لم يكن غائباً عن المشهد. التنسيق الجزائري مع حلفائه الأفارقة في التصويتات القارية ضد المغرب ليس جديداً ولا خفياً، والتوظيف الممنهج لأدوات الضغط غير المباشر -إعلامياً وفي الكواليس- هو نمط موثّق في سلوك هذا النظام. ما وفّرته السنغال هو “حصان طروادة” مناسب: فريق يتمتع بشرعية رياضية حقيقية وتاريخ رياضي مشرّف، يمكن توظيفه لإنجاز ما عجزت الجزائر عن تحقيقه مباشرةً: تشويه النجاح التنظيمي المغربي المبهر الذي بثّته شاشات العالم لأسابيع.
هذا النجاح بالذات كان الهدف الحقيقي. بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025 كانت عرضاً مغربياً استثنائياً: ملاعب بمعايير المونديال، بنية تحتية قارية لا سابق لها، إقبال جماهيري غير مسبوق. إفساد هذا العرس بمشهد الانسحاب وأعمال الشغب وروايات “التحيز التنظيمي” كان هدفاً مستقلاً عن نتيجة المباراة. ولهذا كان من المستحيل على المغرب أن يقبل بالنتيجة كما هي.
رابعاً: البنية القانونية للمعركة .. “دبلوماسية الإرباك” تصطدم بحائط المسطرة
في اليوم التالي مباشرةً، أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لجوءها إلى الإجراءات القانونية لدى الكاف والفيفا. كان الرد المغربي منهجياً بارداً لا علاقة له بالردود الانفعالية: لا مهاترات إعلامية، لا تصريحات تحريضية، لا استعراض للسخط الشعبي. بل توثيق دقيق وتحرك قانوني متدرج.
لجنة الانضباط، في قرارها الأول، اختارت ما يمكن تسميته “العدالة التوفيقية”: فرضت غرامات متماثلة تقريبا على الفريقين ورفضت تطبيق المادتين 82 و84 من لوائح الكاف اللتين تنصّان صراحةً على اعتبار الفريق المغادر للملعب دون إذن الحكم خاسراً بالانسحاب. مساواة الجاني بالمجني عليه، تحت ذريعة “الحفاظ على الوحدة الأفريقية”. وهنا يكمن بيت القصيد: هذا النوع من القرارات التوفيقية هو الذي يُغري بتكرار السلوك المخالف، لأنه يُرسّخ في الأذهان أن “الابتزاز بالانسحاب” لا يُعاقَب عليه حين تكون الأطراف المعنية ذات ثقل سياسي كافٍ.
المغرب رفض هذه المعادلة وتقدم باستئناف. وبعد تسعة وخمسين يوماً من ليلة الرباط، قضت لجنة الاستئناف التابعة للكاف بإلغاء قرار لجنة الانضباط، واعتبرت سلوك المنتخب السنغالي مخالفةً صريحة للمادتين 82 و84، وأعلنت المغرب فائزاً بنتيجة اعتبارية 3-0. سابقة تاريخية في كرة القدم الأفريقية، بل في كرة القدم عموماً: تجريد منتخب من لقب بطولة قارية كبرى بعد منحه إياه، استناداً إلى انسحاب إرادي من أرض الملعب.
ولفهم الثقل القانوني لهذا القرار، لا بد من استيعاب التعارض الذي ستواجهه محكمة التحكيم الرياضية الدولية “الطاس” في لوزان، التي لجأت إليها السنغال طعناً في هذا القرار: المنطق السنغالي يتكئ على مبدأ كلاسيكي مفاده أن “قرارات الحكم نهائية”، وأن استئناف اللعب بعد غياب السنغاليين يعني أن واقعة الانسحاب “جُبرت إجرائياً” بقرار من الحكم ذاته. المنطق المغربي، في المقابل، أمتن قانونياً: قرار الحكم باستئناف المباراة صدر تحت إكراه أمني وبتعليمات إدارية من مسؤولين في الكاف بالغت في صلاحياتها، وبالتالي هو قرار يعتريه البطلان لأنه بُني على تجاوز صريح لمسطرة إلزامية. القواعد الآمرة في لوائح الكاف لا يملك الحكم تعطيلها باجتهاده الشخصي، ولا يملكها مسؤول إداري أصدر تعليماته تحت ضغط الفوضى.
خامساً: القوة الناعمة “الخشنة” .. ما هي وما أهميتها
في أدبيات العلاقات الدولية، تُعرَّف القوة الناعمة بأنها القدرة على التأثير من خلال الجاذبية لا الإكراه: الثقافة، النموذج التنموي، الشرعية الأخلاقية، القيم التي يريد الآخرون محاكاتها. المغرب يمتلك هذه الأدوات بامتياز، وبنى عليها حضوراً أفريقياً متنامياً على مدى عقود. لكن ما كشف عنه هذا الملف هو وجه آخر لهذه القوة، يمكن تسميته بدقة “القوة الناعمة الخشنة”: أي القدرة على توظيف المؤسسات والقانون والمسطرة توظيفاً حازماً لفرض الاحترام، دون الانزلاق إلى المواجهة الخشنة المباشرة.
هذا الوجه لا يعني التخلي عن البعد الدبلوماسي، بل يعني تسليحه. المغرب الذي يرحب بأفريقيا وينظم أفضل بطولاتها، هو نفسه المغرب الذي يُحكم قبضته القانونية على من يتجرأ على الإفلات بجريمة في عقر دار هذا الترحيب. وهذا الجمع هو مصدر الهيبة الحقيقية: لا يمكن بناء نفوذ قاري دائم على الكرم وحده إن كان هذا الكرم يُقرأ ضعفاً.
ثمة منطق استراتيجي عميق في الإصرار المغربي على المضي في هذه المعركة حتى آخر درجة قضائية. إذا قُبِل بأن يُسرق إنجاز تنظيمي استثنائي بمشهد مفتعل، وأن تُغيَّر نتيجة نهائي بالانسحاب الإرادي دون عقوبة، وأن تُفلت البنية الداعمة لهذا السلوك من أي مساءلة، فإن السابقة تتجدّد وتتحول إلى أداة قابلة للاستخدام في أي سياق مستقبلي: في تصويتات أفريقية، في مؤتمرات قارية، في أي ميدان تسعى فيه قوى إقليمية بعينها إلى كبح المشروع الاستراتيجي المغربي.
السكوت عن التجاوز الصغير يشرعن الجريمة الكبرى. وهذه المعادلة ليست خاصة بكرة القدم.
خاتمة: الرسالة أوسع من الكأس
ستحسم محكمة التحكيم الرياضية الدولية في لوزان القضية من زاويتها القانونية التقنية. أياً كان قرارها، فإن المغرب يخرج من هذه المعركة رابحاً على صعيد آخر أكثر أهمية: صعيد إعادة رسم صورة الدولة المغربية في الوجدان القاري. دولة تستضيف بمعايير المونديال، تتعامل مع الضيوف بسخاء، لكنها تعرف متى ترفع القبضة القانونية حين تُستفَزّ سيادتُها. ليس تناقضاً، بل استكمال: الباب مفتوح للشراكة والأخوة القارية، والسياج القانوني -دون الحديث عن أدوات قوة أخرى- قائم لمن يختار التحايل بدلاً من ذلك.
المغرب يبني عمقاً أفريقياً حقيقياً في أفق استضافة كأس العالم 2030، ودورا قياديا على خريطة الأطلسي الجنوبي. والبناء الراسخ لا يقوم على الابتسامة وحدها. يقوم أيضاً على أن يعرف الجميع، بيقين لا شك فيه، أن التطاول على هذا البناء له ثمن قانوني ودبلوماسي يُدفع كاملاً.



