
تندوف في ميزان التاريخ: عندما تناقض الوثيقة الخطاب الرسمي الجزائري
ليس أخطر على الدول من لحظة يتقدم فيها الخطاب السياسي خطوة أمام الحقيقة، فيتحوّل من أداة تفسير إلى وسيلة إنكار. هذا تماما ما يحدث كلما تحدّث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن تندوف، بوصفها “أرضاً جزائرية”، في تجاهلٍ متعمد أو واعٍ لحمولة ثقيلة من الوثائق التاريخية، والخرائط الجغرافية، والأرشيف الاستعماري الذي لا يترك مجالاً للالتباس.
تندوف: ما قبل الخطاب، ما قبل الدولة
تندوف لم تكن، في أي مرحلة من مراحل التاريخ السياسي للمنطقة، جزءاً من المجال الجزائري التقليدي، قبل الاحتلال الفرنسي، كانت المنطقة مرتبطة تاريخيا وامتداديا بالمجال المغربي، اجتماعياً وتجاريا و جغرافيا وقبلياً، وتدار ضمن منظومة سيادية مغاربية لم تكن الجزائر – ككيان سياسي مستقل – موجودة فيها أصلاً.

التحول الجذري لموقع تندوف لم يتم بقرار محلي، ولا بإرادة سكانها، بل بفعل الاقتطاع الاستعماري الفرنسي، حين قررت الإدارة الاستعمارية ضمّ تندوف إلى “الجزائر الفرنسية” لأسباب عسكرية واستراتيجية واقتصادية، في إطار هندسة حدودية تخدم باريس لا شعوب المنطقة.
الوثيقة مقابل الخطاب
الأرشيف الفرنسي، الذي لا يزال إلى اليوم مرجعاً معتمداً في الجامعات ومراكز البحث الدولية، يقرّ بوضوح أن ضمّ تندوف كان إجراءً إدارياً استعمارياً، لا نتيجة مسار تاريخي طبيعي، ومع ذلك، يُصرّ الخطاب الرسمي الجزائري على التعامل مع هذا الإرث الاستعماري وكأنه “حقيقة وطنية أزلية”.

هنا، لا نكون أمام اختلاف في وجهات النظر، بل أمام تناقض صارخ بين ما تقوله الوثيقة وما يروّجه الخطاب، فحين يتحدث رئيس دولة وهو يعلم أن الأرشيف لا يدعمه، يصبح السؤال مشروعاً: هل هو جهل بالوثائق، أم تجاهل متعمّد لها؟
غار جبيلات: الاتفاق الذي كُسر
يتجاوز الأمر تندوف كجغرافيا، ليصل إلى منجم غار جبيلات، الذي كان موضوع تفاهمات واتفاقيات واضحة مع المغرب في مرحلة ما بعد الاستقلال.
تلك الاتفاقيات، التي قامت على منطق التعاون وحسن الجوار، تمّ التراجع عنها من طرف واحد، في خرقٍ صريح للالتزامات السياسية والقانونية، وتحويل الثروة المشتركة إلى أداة توظيف سيادي أحادي.
هذا السلوك الأرعن لا يمكن عزله عن السياق العام: منطق الاستحواذ بدل الشراكة، وشرعنة الأمر الواقع بدل احترام الاتفاق.
حين ترث الدولة حدود الاستعمار… وتدافع عنها
المفارقة الكبرى أن الخطاب الجزائري، الذي يرفع شعار “مناهضة الاستعمار”، هو ذاته الذي يدافع بشراسة عن الحدود التي رسمها الاستعمار الفرنسي، ويتمسّك بها عندما تخدم مصالحه، ويتجاهلها عندما تُناقش مسؤولياتها التاريخية.
إن الدفاع عن تندوف بهذه الصيغة لا يعني الدفاع عن السيادة، بل الدفاع عن إرث استعماري جرى تحويله إلى عقيدة سياسية.

حين يتحدث الرئيس تبون عن تندوف، فهو لا يخاطب التاريخ، بل يخاصمه، وحين تُبنى السيادة على الإنكار، لا على الوثيقة، فإن الخطاب يتحوّل من شهادة إلى شهادة زور سياسية و زور تاريخية .
فالتاريخ لا يُقنع بالخطب، ولا يُعاد تشكيله بالإلحاح، والأرض، حين تُسرق باسم الدولة، تبقى وصمةً في ذاكرة الدول، لا صفحةً مجيدة في سجلها




