المملكة الشريفةالإشعاع الدوليمختارات

حرب إيران وسوق الأسمدة: كيف تُحوّل المملكة المغربية أزمة الغاز إلى ورقة قوة استراتيجية؟

ثمة نمط متكرر في التاريخ الاقتصادي المعاصر مفاده أن الأزمات الكبرى تعيد رسم خرائط القوة بصورة أسرع مما تفعله العقود من التخطيط الهادئ. حرب أوكرانيا في 2022 لم تكن استثناء حين دفعت أسعار الأسمدة إلى مستويات قياسية وكشفت هشاشة منظومة الأمن الغذائي العالمي أمام أي اضطراب في سلاسل إمداد الطاقة. واليوم، تُعيد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إنتاج السيناريو ذاته، لكن بتداعيات أعمق بنيوياً، وفي سياق دولي أقل قدرة على الاستيعاب. وفي قلب هذه العاصفة، يجد المغرب نفسه في موقع فريد من نوعه: دولة تفتقر إلى الغاز الطبيعي، لكنها تمتلك أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم وتراهن على الأمونيا الخضراء بوصفها طريقاً مختصراً نحو سيادة صناعية لم يسبق لها مثيل.

الصدمة التي تسبق المجاعة

لفهم آليات التهديد الراهن، لا بد من استيعاب طبيعة سوق الأسمدة ودوره في البنية التحتية الغذائية العالمية. الأسمدة النيتروجينية، ولا سيما اليوريا والأمونيا، ليست مجرد مدخل زراعي قابل للاستبدال، بل هي الركيزة التي تقوم عليها غلة المحاصيل الكبرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وإنتاج هذه الأسمدة يعتمد اعتماداً شبه تام على الغاز الطبيعي مادةً خاماً وطاقةً محركة، مما يجعل أي اضطراب في أسواق الغاز انعكاساً مباشراً في أسعار السماد وتوافره.

منذ اندلاع الحرب، ارتفعت الأسعار العالمية المرجعية للنفط والغاز بأكثر من 50 بالمئة، وهو ما انتقل سريعاً إلى سوق اليوريا؛ إذ قفزت أسعارها في الولايات المتحدة بحدود 70 دولاراً للطن القصير لتصل إلى نحو 550 دولاراً، فيما لجأ بعض الموردين الأمريكيين إلى سحب عروض البيع ريثما تستقر الصورة. وعلى مستوى أوروبا، أعلنت شركة غروبا أزوتي البولندية، وهي من أكبر منتجي الأسمدة في الاتحاد الأوروبي، وقف تلقي طلبات الشراء بفعل ارتفاع تكاليف الغاز الذي يُعدّ مادتها الأساسية. وفي المنطقة الأكثر هشاشة، رصدت بيانات منظمة الأغذية والزراعة ارتفاعاً في تكاليف الأسمدة في كينيا بلغ قرابة 40 بالمئة، بينما تفتقر دول كبنغلاديش والصومال وباكستان إلى مخزونات استراتيجية تمتص هذه الصدمة.

غير أن ما يميز هذه الأزمة عن سابقاتها هو الطابع البنيوي للتهديد. على خلاف عام 2022 حين تأثرت أسواق الحبوب مباشرةً بانتقال العمليات العسكرية إلى مناطق الإنتاج، فإن المشهد الراهن يسير عبر مسار أبطأ وأشد خطراً: لا اضطراب مباشر في الإنتاج الزراعي، بل تآكل تدريجي في قاعدة المدخلات التي يقوم عليها هذا الإنتاج، وهو ما يعني أن تداعياته ستظهر في المحاصيل المقبلة لا في الأسواق الآنية. وحين تنخفض الغلة الزراعية بعد أشهر، سيتساءل الجميع متى بدأت الأزمة، والجواب هو: الآن.

وزاد الأمر تعقيداً أن مضيق هرمز لم يعد مجرد مسار لناقلات النفط بل تحوّل إلى معبر حيوي لتجارة الأسمدة الخليجية، حيث تتركز صناعة الأسمدة النيتروجينية التي تعتمد على الغاز الوفير. وتقدّر مصادر سوقية أن نحو نصف تجارة الكبريت العالمية، وهو مادة جوهرية في الأسمدة الفوسفاتية، باتت عالقة على الجانب الخليجي بفعل اضطرابات الملاحة. وتنبّهت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو-إيويلا إلى هذا البُعد صراحةً، محذرةً من أن الحرب “تشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي العالمي”، فيما رجّحت المنظمة تباطؤ نمو التجارة العالمية إلى 1.9 بالمئة عام 2026 مقارنةً بـ4.6 بالمئة في العام السابق.

المغرب: الاستثناء الذي يصنع القاعدة

يبدو للوهلة الأولى أن المغرب شأنه شأن سائر الدول النامية المفتقرة إلى الغاز، دولة على الهامش تتفرج على لعبة كبار يديرها المنتجون. لكن النظر الأعمق في بنية صناعة الأسمدة فيه، يكشف عن وضع استثنائي جديرٍ بالتأمل.

يمتلك المغرب نحو 70 بالمئة من الاحتياطيات العالمية المعروفة للفوسفات، وهو المادة الخام للأسمدة الفوسفاتية كالداي أمونيوم فوسفات وسوبر فوسفات الثلاثي، التي تمثل منظومة إنتاجية مستقلة عن الغاز نسبياً في مرحلة استخراج الخام ومعالجته. وقد أعلنت شركة “OCP نيوتريكروبس” رفع طاقتها الإنتاجية من الفوسفات الثلاثي من خمسة ملايين طن إلى سبعة ملايين طن بنهاية 2025، في خطوة توسعية تأتي في توقيت لا يخلو من دلالة. أما الإيرادات، فقد ارتفعت لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط بنسبة 20 بالمئة خلال النصف الأول من 2025 لتصل إلى 52.1 مليار درهم، وذلك في بيئة سوقية كانت لا تزال في طور التعافي قبل اندلاع الحرب.

بيد أن المفارقة التأسيسية في موقف المغرب تكمن في الجانب النيتروجيني. إنتاج الأسمدة المركبة كالـ DAP وغيرها يتطلب دمج الفوسفور بالأمونيا، وهذه الأخيرة تُصنَّع تقليدياً من الغاز الطبيعي. وقد استورد المغرب قرابة مليوني طن من الأمونيا في عام 2024، أنفقت مجموعة OCP على استيرادها ما يقترب من ملياري دولار سنوياً في ذروة الأسعار. هذا الثغرة البنيوية هي التي جعلت كل ارتفاع في أسعار الغاز عالمياً يترك بصمته على هامش ربحية المجموعة وتنافسيتها السعرية. ومن هنا تحديداً نشأ قرار الرهان على الأمونيا الخضراء.

الأمونيا الخضراء: من الضرورة إلى الميزة التنافسية

في ما يشبه تحويل الضعف إلى قوة، انخرطت مجموعة OCP في مشروع طموح لإنتاج الأمونيا من الهيدروجين الأخضر المُنتَج عبر تحليل الماء كهربائياً، مستعيضةً بذلك عن الغاز الطبيعي بطاقة الرياح والطاقة الشمسية اللتين يزخر بهما المغرب على امتداد سواحله الأطلسية وسهوله وهضابه.

مشروع منصة الجرف في ميناء الجرف الأصفر، المطوَّر بالشراكة بين OCP وشركة هيدروجيل، يستهدف إنتاج مئة ألف طن من الأمونيا الخضراء سنوياً خلال العام الجاري 2026، وقد حصل على منحة غير قابلة للاسترداد بقيمة 30 مليون يورو من آلية الهيدروجين الألمانية “بي تي إكس”. وعلى مستوى أوسع، تعتزم مجموعة OCP ضخ سبعة مليارات دولار في منشآت للأمونيا الخضراء، مستهدفةً بلوغ مليون طن سنوياً بحلول 2027، ثم ثلاثة ملايين طن بحلول 2032، وذلك ضمن برنامج استثماري أخضر إجمالي قيمته 130 مليار درهم ينتهي في 2027. ولبلوغ الاستقلالية في الطاقة اللازمة لهذا الإنتاج، أعلنت شركة “OCP Green Energy” تشغيل أول نظام لتخزين الطاقة بالبطاريات بقدرة 125 ميغاواط/ساعة، إلى جانب ثلاث محطات شمسية جديدة بقدرة 202 ميغاواط.

ما يجعل هذا التوجه ذا قيمة استراتيجية مضاعفة في ظل الأزمة الراهنة هو أنه يعيد تعريف موقع المغرب في سلسلة القيمة الخاصة بالأسمدة العالمية. فمن دولة تمتلك الخام لكنها تدفع فاتورة الأمونيا المستوردة المقدّرة بمليارات الدولارات، يسعى المغرب إلى أن يصير دولة تتحكم في كامل السلسلة: من استخراج الفوسفات إلى إنتاج الأمونيا الخضراء إلى تصنيع الأسمدة المركبة النهائية للتصدير. وهذه السيادة على المدخلات تعني أن ارتفاع أسعار الغاز عالمياً سيُحوّل المنافسين القائمين على الوقود الأحفوري إلى عبء تكاليف متصاعد، بينما يظل المغرب بمنأى عن هذه الرياح الماكرة، بل ربما مستفيداً منها حين تتسع الفجوة السعرية لصالح منتجي الأسمدة منخفضة الكربون.

وتزداد أهمية هذا التموضع حين نضع في الاعتبار أن الاتحاد الأوروبي، السوق التصديرية الرئيسية لأسمدة المغرب، يُطبّق منذ 2026 آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) التي ستفرض رسوماً على واردات كثيفة الانبعاثات، مما سيرفع تكلفة الأسمدة المصنوعة من الغاز مقارنةً بتلك المنتجة بمسار أخضر.

الاستراتيجية الأفريقية: نقل المصنع إلى المستهلك

لا يكتفي المشروع الاستراتيجي المغربي بتحسين موقعه التصديري من خلال المغرب أرضاً وميناءً وصناعةً، بل يمدّ ذراعيه إلى عمقه الأفريقي بوصفه ميدانا للنفوذ الاقتصادي طويل الأمد. وقد أعلنت مجموعة OCP عن مشروع مصنع للأسمدة في نيجيريا يُدشَّن في نهاية 2026، ومصنع آخر في إثيوبيا يدخل مرحلة ما قبل الإنتاج في العام ذاته.

هذه الاستراتيجية تقوم على منطق بالغ الذكاء: القارة الأفريقية تعاني من أدنى معدلات استخدام الأسمدة في العالم رغم امتلاكها ثلث الأراضي الزراعية الصالحة للاستثمار، وهو ما يعني أن رفع معدلات التسميد بمعدل عشر نقاط فقط يمثل سوقاً ضخماً كامناً. والدول التي تعاني من أشد ضغوط أزمة الأسمدة الراهنة هي بالضبط التي يستهدف المغرب بناء منشآت إنتاج متكاملة فيها أو بالقرب منها، مما يقلل من تكاليف الشحن والتأمين اللتين تتضخمان اليوم بفعل الحرب. وبهذا المعنى، يرسم المغرب ملامح قوة أفريقية تكاملية في مجال الأسمدة بأنواعها، لا مجرد مصدّر لها نحو أفريقيا.

مآلات الأزمة وخارطة الرابحين

ثمة سيناريوهات ثلاثة يمكن قراءتها بالنظر إلى أفق قريب. الأول، أن تنتهي الحرب في غضون أشهر قليلة فيتراجع الضغط على أسواق الغاز والأسمدة، غير أن أسعار اليوريا ستبقى مرتفعة بفعل الشح المتراكم في المخزونات. الثاني، أن تطول الحرب فيمتد أثرها إلى مواسم زراعية قادمة، وهنا تصبح أزمة الأسمدة أزمة إنتاج غذائي فعلية لا مجرد اضطراب أسعار. أما الثالث، وهو المستبعد على المدى المنظور، فهو اتساع رقعة الصراع ليطال المنشآت التحتية للطاقة في منطقة الخليج، وهو سيناريو ستكون تداعياته ماحقة بما لا تحتمله أسواق الغذاء العالمية.

في المسارين الأول والثاني، يقع المغرب في الجهة الرابحة نسبياً. فبينما يعاني المنافسون الهندوسيون والأوروبيون من ارتفاع تكاليف الغاز، تتحصّن OCP خلف جدار طاقة متجددة متنامية. وبينما تستنزف الدول المستوردة للأمونيا مواردها في الأسواق الدولية المتقلبة، يتقلص الاعتماد المغربي على هذه الواردات بصورة منهجية. وبينما تتفاقم أزمة الأسمدة في أفريقيا، يجد المغرب في استثماراته القارية رافعةً لتعزيز حضوره كقوة تنموية لا مجرد تاجر.

هذا لا يعني أن المغرب بمنأى عن الضغوط الآنية؛ فإنتاج الأمونيا الخضراء لا يزال في طور التدرج، والمصنع الضخم لن يبلغ طاقته الكاملة قبل النصف الثاني من هذا العقد، مما يعني أن اعتماده الجزئي على استيراد الأمونيا سيظل مصدر ضعف في المدى القريب. بيد أن الفارق بين اليوم والعقد الماضي هو أن المغرب يملك اليوم مسار الخروج، وهو ما لا يملكه أغلب منافسيه.

خلاصة استراتيجية

ما تكشفه الأزمة الراهنة ليس حجم التهديد على الأمن الغذائي العالمي وحسب، بل آليات إعادة توزيع القوة الاقتصادية التي تنشأ في رحم كل صدمة كبرى. سوق الأسمدة العالمي بنيته التقليدية تقوم على ثلاث قوائم: الغاز الطبيعي مدخلاً، والخليج ومنطقة روسيا مورداً، وأسيا وأفريقيا مستهلكاً. وكل اضطراب في هذه القائمة يفتح ثغرة يملأها من يكون مستعداً. المغرب لم يختر هذه الأزمة، لكنه يبدو أنه خطّط لهذه الفرصة بوعي طويل الأمد. وفي عالم تحدد فيه سلاسل الأمن الغذائي مواقع الدول في تراتبية القوة بنفس القدر الذي تحدده الجيوش، يمثل الرهان المغربي على الأمونيا الخضراء أكثر من قرار بيئي أو تحوط اقتصادي: إنه مشروع سيادة صناعية بمفهومه الاستراتيجي الأوسع.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى