مرصد الجوار

حضور الجزائر للمائدة المستديرة حول الصحراء المغربية: عندما يتحول إنكار الواقع إلى واقع لا يمكن إنكاره!

تقدير موقف

المقدمة: المأزق كنقطة تحول استراتيجية

للمرة الأولى منذ أربعة عقود من إدارة ملف الصحراء المغربية، تجد الجزائر نفسها أمام مأزق دبلوماسي لا تملك فيه خيارات مريحة. القرار 2797 لمجلس الأمن الدولي، الذي يدعو صراحة إلى استئناف المائدة المستديرة بمشاركة الجزائر كطرف رئيسي للتفاوض حول “سبل تطبيق مقترح الحكم الذاتي” المغربي، يمثل تحولاً نوعياً في المعادلة الدبلوماسية يُسقط الأقنعة التي اختبأت خلفها الجزائر منذ السبعينيات.

هذا التقدير يحلل أبعاد هذا المأزق الاستراتيجي، ويستعرض الخيارات المتاحة أمام الجزائر، ويقيّم احتمالات كل سيناريو وتداعياته على الموقف الجزائري إقليمياً ودولياً.

أولاً: تشريح المأزق – ثلاثية الانهيار الاستراتيجي

يمكن تلخيص المأزق الجزائري في ثلاثة أبعاد متشابكة تشكل مثلثاً استراتيجياً خانقاً:

1. انهيار الرواية الجزائرية

منذ انطلاق النزاع، بنت الجزائر موقفها على ادعاء مركزي: “نحن لسنا طرفاً في النزاع، بل مجرد داعمين للشرعية الدولية وحق تقرير المصير”. هذا الادعاء سمح للجزائر بالعمل كلاعب رئيسي في الملف دون تحمل مسؤولياته القانونية والسياسية. لكن القرار 2797، بدعوته الصريحة للجزائر كطرف في المائدة المستديرة، يُسقط هذا الادعاء نهائياً.

المجتمع الدولي لم يعد يقبل هذا التمويه الدبلوماسي. من يُمول كياناً انفصالياً بالمليارات، ويستضيفه على أراضيه، ويقدم له الدعم العسكري واللوجستي، ويدافع عنه في المحافل الدولية، لا يمكن أن يكون “غير معني”. حضور الجزائر للمائدة المستديرة يعني اعترافاً ضمنياً – أو صريحاً – بأنها طرف رئيسي، وهو ما يهدم أربعة عقود من الخطاب الرسمي.

2. أحادية البديل التفاوضي

المعضلة الثانية أعمق: ليس على طاولة التفاوض سوى خيار واحد: مقترح الحكم الذاتي المغربي. مجلس الأمن وصفه منذ 2007 بأنه “جدي وذو مصداقية”، وتبنته دول كبرى (فرنسا، الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، إسبانيا)، وأصبح الأساس الوحيد للتفاوض في كل القرارات الأممية منذ ذلك التاريخ.

الجزائر رفضت هذا المقترح جملة وتفصيلاً منذ طرحه عام 2007، وبنت خطابها على خيار “الاستفتاء” الذي لم يعد له وجود في الأجندة الدولية. والآن، عليها أن تجلس للتفاوض حول “سبل تطبيق” مقترح كانت ترفضه من حيث المبدأ. هذا ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل هزيمة استراتيجية.

3. مأزق التبرير الداخلي

البُعد الثالث للمأزق هو الأصعب: كيف تُبرر الجزائر لشعبها ولرأيها العام هذا التحول الدراماتيكي؟ كيف تشرح أنها ستذهب للتفاوض على ملف كانت تقول إنه “لا يعنيها”؟ كيف تقنع جمهورها بأن الجلوس مع المغرب للحديث عن الحكم الذاتي ليس اعترافاً بفشل استراتيجية دامت أربعة عقود؟

هذا المأزق الداخلي قد يكون الأخطر، لأنه يكشف للرأي العام الجزائري حجم الموارد المهدورة والجهود الضائعة في ملف كان مآله الفشل منذ البداية.

ثانياً: الخيارات الاستراتيجية المتاحة – وكلها خاسرة

أمام هذا المأزق الثلاثي، تملك الجزائر نظرياً أربعة خيارات استراتيجية، لكن التحليل الدقيق يكشف أن كل خيار يحمل تكلفة باهظة:

الخيار الأول: الحضور الكامل والمشاركة البناءة

الوصف: قبول الدعوة والمشاركة الفعلية في المائدة المستديرة، والانخراط في التفاوض حول مقترح الحكم الذاتي.

الإيجابيات:

تجنب العزلة الدبلوماسية الكاملة

الحفاظ على خط اتصال مع العملية الأممية

إمكانية التأثير (وإن كان محدوداً) على تفاصيل الحل

السلبيات:

اعتراف صريح بأن الجزائر طرف في النزاع

انهيار كامل للخطاب الرسمي منذ السبعينيات

صعوبة شبه مستحيلة في التبرير للداخل

قبول ضمني بمقترح الحكم الذاتي كأساس للحل

التقييم الاستراتيجي: هذا الخيار غير وارد سياسياً، لأن تكلفته الداخلية أكبر من أن يتحملها النظام الجزائري.

الخيار الثاني: الرفض الكامل والمقاطعة

الوصف: رفض الحضور صراحة، والتمسك بالموقف التقليدي (“لسنا طرفاً”).

الإيجابيات:

الحفاظ على الخطاب التقليدي

سهولة التبرير للداخل

تجنب الحرج المباشر في جلسات التفاوض

السلبيات:

عزلة دبلوماسية فورية وكاملة

تأكيد الصورة الدولية بأن الجزائر هي المعرقل الحقيقي

استمرار العملية الأممية دون الجزائر، مما يعني فقدان أي قدرة على التأثير

تسريع الاعتراف الدولي بالحكم الذاتي المغربي

التقييم الاستراتيجي: هذا الخيار يحفظ ماء الوجه داخلياً لكنه يعني استسلاماً استراتيجياً كاملاً على الصعيد الدولي، وفتح الباب أمام معاملة الجزائر كطرف معرقل للتسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وما قد يترتب على ذلك من تبعات.

الخيار الثالث: الحضور الشكلي مع المماطلة

الوصف: الحضور للمائدة المستديرة لكن دون مشاركة فعلية، مع اعتماد تكتيكات المماطلة والتسويف.

الإيجابيات:

تجنب وصمة “المعرقل” (مؤقتاً)

شراء وقت إضافي

إمكانية ربط الحضور بشروط “مبدئية” للتبرير الداخلي

السلبيات:

المماطلة الطويلة تؤدي حتماً إلى كشف النوايا

خسارة مصداقية تدريجية

تحمل تكلفة الحضور (الاعتراف بأنك طرف) دون أي مكاسب حقيقية

تعزيز الضغط الدولي للانخراط الجدي

التقييم الاستراتيجي: هذا تكتيك مؤقت لا يحل المعضلة الاستراتيجية، بل يؤجلها.

الخيار الرابع: الحضور المشروط بالمشاغبة الإجرائية

الوصف: الحضور لكن مع المطالبة بشروط تعجيزية (تغيير جدول الأعمال، حضور البوليساريو كطرف مستقل، إدراج خيار الاستفتاء، إلخ).

الإيجابيات:

يوفر غطاءً دعائياً داخلياً (“نحن نحضر لكن لفضح المؤامرة”)

يسمح بإلقاء اللوم على الآخرين عند فشل المحادثات

السلبيات:

الشروط التعجيزية معروفة ومرفوضة سلفاً

يؤكد الصورة السلبية دولياً (المعرقل الذي يضع عراقيل إجرائية)

لا يغير المعادلة الأساسية: أنت جالس كطرف

التقييم الاستراتيجي: هذا خيار “أسوأ من سيء”، يجمع بين تكلفة الحضور وعدم جدوى الرفض.

ثالثاً: السيناريو الأرجح – المماطلة حتى الاستنزاف

بناءً على التحليل المقارن للخيارات، السيناريو الأرجح الذي ستعتمده الجزائر هو مزيج من الخيار الثالث والرابع: الحضور الشكلي المتأخر مع المماطلة والمشاغبة الإجرائية.

معالم هذا السيناريو:

التأخر في الرد الرسمي: عدم الاستجابة الفورية لدعوة دي ميستورا، مع اختلاق أعذار إجرائية.

محاولة وضع شروط مسبقة: المطالبة بـ”توضيحات” حول “طبيعة المشاركة” و”جدول الأعمال” و”ضمانات” وهمية.

حملة إعلامية داخلية: تصوير الحضور (إن حدث) على أنه “فضح للمناورات المغربية” وليس اعترافاً بأن الجزائر طرف.

الحضور المشروط: إذا اضطرت للحضور، ستحاول تغيير طبيعة النقاش من “كيفية تطبيق الحكم الذاتي” إلى “نقاش حول جميع الخيارات”.

الانسحاب التدريجي: إذا فشلت المناورات السابقة، ستبحث عن ذريعة للانسحاب مع إلقاء اللوم على الطرف المغربي أو الأممي.

لماذا هذا السيناريو؟

لأنه الوحيد الذي يحاول الموازنة بين المتناقضات: تجنب العزلة الكاملة دولياً، مع تجنب الاعتراف الصريح داخلياً. لكن هذه الموازنة غير مستدامة، وستنتهي حتماً بخسارة على أحد الجبهتين أو كليهما.

رابعاً: التداعيات الاستراتيجية – الخسارة التراكمية

بغض النظر عن الخيار الذي ستتبعه الجزائر، فإن التداعيات الاستراتيجية بدأت تتراكم:

على المستوى الدولي:

تآكل المصداقية: كل مناورة للتهرب من المائدة المستديرة تؤكد أن الجزائر هي المعرقل الفعلي.

تسارع الاعترافات: كلما طال تردد الجزائر، زادت الدول التي تعترف بالحكم الذاتي المغربي.

عزلة متزايدة: الموقف الجزائري أصبح معزولاً حتى في المحافل الأفريقية والعربية.

على المستوى الإقليمي:

تعزيز الموقف المغربي: كل خطوة تراجع جزائرية تعني تقدماً للموقف المغربي.

إعادة رسم خرائط النفوذ: الدول الإقليمية تقرأ التحولات وتعيد حساباتها.

على المستوى الداخلي:

أزمة خطاب: النظام الجزائري سيواجه صعوبة متزايدة في تبرير موقفه لشعبه.

تكلفة الفرصة البديلة: الموارد المهدورة في ملف خاسر تصبح أكثر وضوحاً.

الخلاصة: نهاية زمن الإنكار

المأزق الذي تواجهه الجزائر في ملف الصحراء المغربية ليس مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، بل هو تعبير عن انهيار استراتيجية بُنيت منذ البداية على أساس خاطئ: إنكار الواقع. يمكنك أن تنفق المليارات، وأن تحشد الدبلوماسية، وأن تصنع الكيانات الوهمية، لكن لا يمكنك إنكار حقيقة بسيطة: من يمول نزاعاً ويديره ويدافع عنه هو طرف فيه، مهما ادعى خلاف ذلك.

القرار 2797 والدعوة للمائدة المستديرة هما لحظة الحقيقة: إما أن تعترف الجزائر بأنها طرف وتتحمل مسؤوليات هذا الاعتراف، أو أن تنسحب كلياً وتتحمل تكلفة العزلة. لكن ما لم يعد ممكناً هو الاستمرار في اللعبة القديمة: أن تكون طرفاً فاعلاً دون أن تتحمل صفة الطرف.

التاريخ يُظهر أن الدول التي تبني سياساتها على إنكار الواقع تصل حتماً إلى لحظة تنهار فيها الأقنعة. الجزائر في تلك اللحظة الآن. والسؤال ليس “هل ستنهار الرواية الجزائرية؟” – لأنها انهارت فعلاً – بل “كيف ستدير الجزائر هذا الانهيار؟”

كل الخيارات المتاحة خاسرة، لكن بعضها أقل خسارة من الآخر. والخيار الأسوأ على الإطلاق هو الاستمرار في المماطلة وكأن الزمن لا يزال في صالح الجزائر. لأنه ليس كذلك، ولم يكن أبداً!

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى