منبر الرأي

حين تتكلم الجماهير الجزائرية : قراءة نفسية في سلوك الشعب خارج المستطيل الأخضر

خلال التظاهرات الرياضية الكبرى، لا تقتصر الصورة على التنافس داخل الملاعب، بل تتحول المدرجات والفضاءات المحيطة بها إلى مرآة تعكس العمق النفسي والاجتماعي للشعوب،وفي كأس إفريقيا الأخيرة، تابَع العالم بعض السلوكيات والتصريحات الصادرة عن شريحة واسعة من الجماهير الجزائرية الحاضرة، وهي مشاهد تستدعي قراءة هادئة ومسؤولة، بعيدة عن التعميم أو الإدانة الانفعالية.

من الضروري التأكيد منذ البداية أن الحديث لا يشمل الجميع، فكل مجتمع يضم تنوعًا في الوعي ومستويات مختلفة من النضج والسلوك،غير أن تكرار أنماط معينة من الانفعال الحاد، والخطاب غير المتزن، والسلوكيات الخارجة عن روح الرياضة، يفرض طرح سؤال أعمق: ما السياق النفسي الذي يُنتج مثل هذه المظاهر بشكل متكرر وتحت أنظار العالم؟

من منظور علم النفس الاجتماعي، لا يمكن فصل السلوك الفردي أو الجماعي عن البيئة السياسية والنفسية التي تشكّل الوعي العام حيث ان النظام العسكري الجزائري، عبر عقود من الهيمنة، لم يكتفِ بإدارة الشأن السياسي، بل عمل على إعادة تشكيل المواطن الجزائري نفسه، نفسيًا وسلوكيًا، بما يخدم استمرارية السيطرة على المجتمع و السياسة وعلى الاقتصاد …وهنا لا نتحدث عن أخطاء ظرفية، بل عن إيديولوجية متكاملة الأركان تعود إلى ايام الحرب الباردة وتقوم على خلق حالة دائمة من التوتر، واللايقين، والانقسام الداخلي.

تعتمد هذه الإيديولوجية على إنتاج هشاشة نفسية جماعية تجعل الفرد مترددًا، غاضبًا، سريع الانفعال، وسهل التوجيه ،فالشعب المرهَق نفسيًا هو شعب أقل قدرة على طرح الأسئلة الكبرى، وأضعف في المطالبة بحقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية،وبهذا المعنى، تصبح الاضطرابات النفسية غير المعلنة أداة من أدوات التحكم في زمام الأمور، تمامًا كما تُستخدم القوانين أو الأجهزة.

إن احتكار القرار، وتهميش الفاعل المدني، وتغذية خطاب العدو الدائم، وربط الوطنية بالتوتر والصدام، كلها عناصر تُنتج ما يسميه المختصون التوتر الجماعي المزمن: هذا التوتر لا يجد قنوات صحية للتفريغ، فيتحول في لحظات التجمعات الكبرى، كالمباريات الدولية، إلى انفجارات لفظية وسلوكية لا تتناسب مع طبيعة الحدث، لكنها تعبّر بصدق عن ضغط داخلي متراكم.

الأخطر في هذا المسار ليس السلوك في حد ذاته، بل تطبيع الاختلال؛ أي تحويل الاندفاع، والعدائية، وفقدان الاتزان إلى سلوك “عادي” أو حتى مبرر وهنا نكون أمام جريمة صامتة في حق الإنسان، لأن تدمير التوازن النفسي أخطر من تدمير الاقتصاد أو تعطيل السياسة،فالدول قد تعيد بناء مؤسساتها، لكن المجتمعات التي تُنهك نفسيًا تحتاج زمنًا أطول للتعافي.

ما شاهده الرأي العام من تصريحات غريبة أو سلوكيات صادمة داخل الجزائر و في استوديوهات التحليل الرياضي لقنوات جزائرية و حتى خارج الجزائر ،ليس نتيجة مباراة رياضية ولا انفعالًا عابرًا، بل انعكاس لمسار طويل من العنف الرمزي، والتلقين الإيديولوجي، وحرمان الفرد من فضاءات التعبير الحر والتفكير النقدي وحين يُقمع الوعي طويلًا، يخرج مشوَّهًا حين يجد منفذًا.

ومع ذلك، فإن هذا التشخيص لا يُقصد به الإدانة بقدر ما هو دعوة إلى الوعي و إنقاذ مايمكن انقاذه ،فالشعوب لا تُختزل في لحظات ضعف، ولا تُدان بسلوك فئة، بل تُنقَذ حين يُعترف بجراحها النفسية ويُفتح نقاش جاد حول علاجها وإن إعادة الاعتبار للصحة النفسية الجماعية، وفصل الرياضة عن التوظيف الإيديولوجي، وتحرير الإنسان من الخوف المزمن، هي خطوات أساسية لأي مشروع تعافٍ حقيقي.

فالخطر لا يكمن في أن يرى العالم هذه السلوكيات، بل في استمرار إنتاجها داخليًا دون مساءلة،وحين يبدأ المجتمع في طرح الأسئلة الصحيحة حول علاقته بالسلطة، وبذاته، وبمستقبله، يكون قد وضع قدمه الأولى على طريق الشفاء.

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى