منبر الرأي

حين يتحوّل الدستور إلى أداة عداء: كيف يقود النظام العسكري الجزائري الدولة نحو العزلة والتهلكة؟

لم يعد العداء الجزائري الرسمي تجاه المملكة المغربية مجرّد خطاب سياسي ظرفي أو مواقف دبلوماسية متشنجة، بل تطوّر في السنوات الأخيرة إلى خيار بنيوي مؤسَّس دستوريًا، وهو ما يكشف تحوّلًا خطيرًا في طبيعة الدولة الجزائرية ووظيفة مؤسساتها.

فالبيان الأخير الصادر عن وزارة الخارجية الجزائرية، والذي حاول تبرير مضمون المادة 32 من الدستور، لا يمثّل توضيحًا قانونيًا بقدر ما يُعد إقرارًا رسميًا بأن النظام العسكري اختار تصعيد النزاع بدل إدارته، وتأبيده بدل حله.

algeaalgerian parliament

إن إدراج “التضامن مع قضايا تقرير المصير” في نص دستوري موجَّه عمليًا نحو المغرب، لا يمكن فصله عن عقيدة سياسية قديمة-جديدة تعتمد على خلق عدو خارجي دائم، تُعلَّق عليه إخفاقات الداخل وتُدار من خلاله الأزمات البنيوية للدولة، غير أن الخطير اليوم، هو أن هذا المنطق لم يعد يُستعمل كأداة خطابية  فقط، بل تحوّل إلى التزام دستوري مُلزم للدولة، ما يعني أن الجزائر باتت، رسميًا، تُقنِّن العداء وتمنحه شرعية مؤسساتية رسمية.

في المقابل، يطرح هذا التوجه سؤالًا جوهريًا:

كيف يمكن لنظام يرفع شعار تقرير المصير خارج حدوده، أن يرفض أي نقاش حقيقي حول تقرير المصير السياسي لشعبه داخل هذه الحدود؟

منذ الاستقلال سنة 1962، لم تعرف الجزائر انتقالًا ديمقراطيًا فعليًا، بل عاشت تحت وصاية مباشرة أو غير مباشرة للمؤسسة العسكرية، التي احتكرت القرار السياسي والاقتصادي والأمني. ومع مرور العقود، لم تنجح هذه الدولة-النظام في بناء عقد اجتماعي متوازن، ولا في تحقيق تنمية شاملة، ولا في ضمان كرامة المواطن الجزائري، و لا الحرية و الديمقراطية ،وهو ما فجّر أزمات صامتة تحوّلت اليوم إلى تململ جهوي وسياسي متزايد.

إن بروز مطالب الانفصال أو الحكم الذاتي في مناطق جزائرية مختلفة، ليس ظاهرة معزولة ولا مؤامرة خارجية كما يُروَّج لها، بل نتيجة طبيعية لتراكم الإقصاء، وغياب العدالة المجالية، وانسداد الأفق السياسي الحديث ، ومع ذلك، يختار النظام العسكري تجاهل هذه المؤشرات الخطيرة، ويوجّه بوصلة الدولة نحو الخارج، وكأن مشكل الجزائر يوجد في الرباط لا في الجزائر العاصمة.

الأدهى من ذلك، أن هذا المسار يُدخل الجزائر في عزلة إقليمية ودولية متزايدة ،حيث الدول لا تُقاس اليوم بخطابها الأيديولوجي، بل بقدرتها على بناء شراكات، وضمان الاستقرار، واحترام سيادة الدول الأخرى.

وفي هذا السياق، يبدو أن النظام العسكري الجزائري يسير بالدولة نحو استنزاف سياسي ودبلوماسي، يُضعف موقعها الإفريقي والمتوسطي، ويجعلها أسيرة خطاب يعود إلى زمن الحرب الباردة.

إن تحويل الدستور إلى أداة صراع خارجي، بدل أن يكون إطارًا لبناء دولة القانون والمؤسسات، ليس فقط انحرافًا سياسيًا، بل مغامرة تاريخية قد تكلّف الجزائر وحدتها واستقرارها على المدى المتوسط والبعيد، فالدول لا تنهار فجأة، بل تبدأ مسيرتها نحو التهلكة حين تعجز عن مصارحة نفسها، وتستبدل الإصلاح الحقيقي بالعداء المصنَّع.

وحده الحوار الداخلي، وبناء دولة مدنية، وفكّ الارتباط بين الحكم والعسكر، يمكن أن ينقذ الجزائر من هذا المسار، أمّا الاستمرار في تصدير الأزمات وشيطنة الجوار، فلن ينتج سوى مزيد من الاحتقان، ومزيد من العزلة، ومزيد من الخسائر… وعلى رأسها خسارة الشعب الجزائري لفرصة تاريخية في بناء دولة مزدهرة ،طبيعية حرة و ديمقراطية .

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى