
زلزال “غار جبيلات”: كيف هدمت عدسة رحالة خليجي “جمهورية البروباغندا”؟
بقلم :رقيق ميلود
لم يكن يدور في خلد صناع القرار في قصر “المرادية”، ولا جنرالات الثكنات العسكرية في الجزائر، أن الإمبراطورية الدعائية التي أُنفقت عليها ملايين الدولارات لتسويق ما سُمي “مشروع القرن”، ستتهاوى كبيت العنكبوت أمام عدسة هاتف ذكي يحملها رحالة و مؤثر قطري عابر خالد الجابر.
في زمنٍ باتت فيه “الحقيقة الرقمية” عابرة للحدود والرقابة البربرية، تلقى النظام الجزائري صفعة إعلامية وميدانية مدوية، لم تكن مجرد تكذيب لرواية رسمية، بل كانت بمثابة “مقطع فيديو جنائزي” دفن مصداقية السلطة تحت رمال تندوف.
👈 المعاينة الصادمة: عندما يتحدث الواقع وتصمت “أبواق شنقريحة”
بدأت القصة برغبة سياحية واستكشافية بريئة من رحالة قطري، قادته خطاه — بدافع الفضول الذي غشته البروباغندا الرسمية الجزائرية — إلى موقع “غار جبيلات”،كانت القنوات الرسمية التابعة لنظام المؤقت الدائم، بقيادة عبد المجيد تبون وإشراف سعيد شنقريحة، قد رسمت صورة سريالية للمنطقة؛ قطارات حديثة تخترق الصحراء، وورشات عمل لا تنام، وحركة تصنيع وتعدين تضاهي كبريات الدول الصناعية.
لكن، وبمجرد أن داس الرحالة أرض الواقع، انقشع الضباب السحري لتظهر الحقيقة العارية والمخجلة حيث الروبورتاج الميداني الذي بثه الناشط القطري ،خالد الجابر،لم يكن مجرد تقرير سياحي، بل تحول إلى وثيقة إدانة تاريخية، إذ ان الصور الحية والمقاطع غير المفلترة كشفت عن “عدمية مطلقة”؛ لا قطارات تسير، ولا بنية تحتية جاهزة، ولا ورشات عملاقة، بل مجرد تلال من الأتربة ومعدات بدائية، وشعارات رنانة معلقة على جدران الوهم.
لقد اتضح بالدليل القاطع أن كل ما بث عبر التلفزيون الحكومي كان عبارة عن “مسرحية سينمائية” تم إخراجها بعناية لتخدير الداخل واستعراض القوة الوهمية في الخارج.
👈 تسونامي رقمي: سخرية سوداء تزلزل أركان السلطة
بمجرد خروج الفيديو إلى العلن، اندلع “تسونامي” من الغضب والسخرية السوداء على منصات التواصل الاجتماعي،لم يجد المواطن الجزائري، المكتوي بنار الأزمات الاقتصادية الطاحنة، سوى التهكم ليعبر عن صدمته من حجم الاستغفال والمبالغة الفجة.
“يبدو أن قطار القرن يسير بالطاقة السحرية، أو على سكك حديدية مصنوعة بالكامل من تقنية الفوتوشوب!”.. هكذا علق أحد الناشطين الجزائريين ساخراً.
وتحولت عبارات “المشروع الاستراتيجي” و”النهضة التعدينية” إلى مادة دسمة للتندر والفكاهة المرة،فالمنتقدون والمحللون اعتبروا أن هذه الفضيحة كشفت العقم البنيوي في عقلية النظام العسكري الحاكم، الذي ما زال يدير الدولة بأساليب “الحرب الباردة” والتوجيه المعنوي البائد، ظنا منه أن حجب الحقيقة في عصر الفضاء المفتوح ما زال ممكناً بقرار إداري أو بتهديد استخباراتي أمني.
👈 الأبعاد السياسية: أزمة الثقة وتعرية “جمهورية الشعارات”
تتجاوز فضيحة “غار جبيلات” مجرد تكذيب لتقرير تلفزيوني عابر؛ إنها تضرب شرعية النظام الحاكم في عمق قصر المرادية ،يجد نظام شنقريحة نفسه اليوم في مأزق وجودي أمام الرأي العام المحلي والدولي،فبينما تتصاعد المطالب بمزيد من الشفافية والمحاسبة حول مصير الميزانيات الضخمة التي رُصدت لهذا المشروع، لا تملك السلطة أي إجابة مقنعة سوى الصمت المريب أو تخوين من كشفوا الحقيقة.
إن هذا التناقض الصارخ بين “الجزائر القوة الضاربة” في مخيلة الإعلام الرسمي، و”الجزائر الواقعية” التي عرتها عدسة الرحالة القطري، يضع السلطة في مواجهة حتمية مع أسئلة حارقة:
– أين ذهبت المخصصات المالية للمشروع إذا كان الواقع مجرد سراب؟
– كيف يمكن لثقة المستثمرين الأجانب أن تصمد أمام هذا التضليل الممنهج؟
– متى يتوقف النظام عن استخدام المشاريع القومية كمسكنات سياسية لتأجيل الانفجار الشعبي؟
👈 سقوط قناع التضليل
إن زلزال غار جبيلات أثبت أن حبل الكذب الإعلامي قصير جدا، وأن الاستمرار في سياسة “التنويم المغناطيسي” بالشعارات والصور المفبركة لم يعد ينطلي على أحد داخل الجزائر ولقد نجح هاتف محمول لرحالة خليجي في القيام بما عجزت عنه معارضات سياسية بأكملها؛ لقد هدم جدار الخوف والزيف، ووضع النظام الجزائري عارياً أمام مرآة الحقيقة،والرسالة اليوم باتت واضحة وجلية:
إما مصارحة الشعب بالحقائق الصادمة و بأرشيف الشعارات الزائفة و بأسطوانة الجمهوريات الوهمية والبدء في بناء تنمية حقيقية، أو انتظار اللحظة التي سيتكفل فيها الواقع المنهار بكنس كل هذه الشعارات الكرتونية إلى مزبلة التاريخ.



