
في اليوم العالمي للمرأة الأفريقية: نساء مخيمات تندوف.. بين جحيم النخاسة والاستغلال الجنسي وصرخة التضامن النسائي المغربي
في الحادي وثلاثين من يوليوز من كل عام، تتجه أنظار القارة السمراء والمجتمع الدولي نحو الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة الأفريقية؛ وهي المناسبة التاريخية التي أقرها الاتحاد الأفريقي لتقييم مسار النهوض بحقوق النساء، والإشادة بنضالاتهن في بناء المجتمعات واستتباب السلام والتنمية، غير أنه في الوقت الذي تعقد فيه المؤتمرات الدولية، وترفع الشعارات البراقة داخل القاعات الفسيحة في العواصم الإفريقية، تقبع مئات النساء في ظروف إنسانية وقانونية استثنائية شديدة القسوة خلف السواتر الترابية لمخيمات تندوف ولحمادة بالتراب الجزائري؛ حيث تمارس عليهن أشكال موثقة من الانتهاكات الممنهجة التي تتجاوز مفهوم اللجوء الإنساني بمراحل، لتصل إلى ممارسات النخاسة، والاستغلال الجنسي الفاحش، والتمييز القبلي والعنصري المقيت.
إن ما تشهده مخيمات تندوف اليوم هو واقع مظلم ومسكون بالصمت المريب، تحولت فيه المرأة من كائن إنساني مكرم تكفله المواثيق الدولية إلى مجرد “سلعة” تقايض بها المساعدات، و”أداة” تستغل لخدمة أجندات سياسية ونفوذ قيادة ما يُسمى بـ “البوليساريو”.

النخاسة العصرية والاستغلال الجنسي: الوجه المسكوت عنه
تظهر الشهادات الميدانية والتقارير الحقوقية الموثقة صلب هذا الواقع المأساوي؛ حيث لم تعد الانتهاكات تقتصر على التضييق السياسي أو الحرمان من حرية التنقل، بل تعدتها إلى استغلال أجساد النساء وهتك كرامتهن في إطار منطق سلطوي يبتز المستضعفات:
الاستغلال الجنسي والابتزاز باللقمة:
تجبر العديد من النساء والفتيات داخل المخيمات على خضوع قسري وابتزاز جنسي مباشر مقابل الحصول على المساعدات الإنسانية والغذائية الأساسية، أو لنيل أوراق ووثائق تسمح بالتحرك والتنقل داخل و خارج كل المخيمات .
إن استخدام حاجيات العيش الضرورية كأداة للمساومة الجنسية يُمثل أبشع صور النخاسة العصرية في العصر الحديث.
الاتجار بالبشر وشبكات النخاسة:
كشفت تقارير حقوقية متواترة عن وجود شبكات نافذة داخل إدارة المخيمات تسهل استغلال الفتيات والنساء تحت مسميات عدة، وتجريدهن من أبسط حقوقهن الكونية في حماية الجسد والكرامة والحرية الشخصية.
شهادات حية وشواهد قائمة:
تُعد قضية الفتاة “خديجتو محمود” التي اتهمت زعيم البوليساريو إبراهيم غالي بالادلة الدامغة باغتصابها واستغلال نفوذه للتغطية على الجريمة، نموذجا صارخا وشاهدا حيا على تسلط القيادة واستغلالها الجنسي المباشر للنساء دون أدنى خوف من المحاسبة أو العقاب، في ظل غياب سيادة القانون واستقلالية القضاء.
التمييز القبلي والعنصري: تقسيم الفئات وتكريس الطبقية
لا تتوقف المأساة عند حدود الاستغلال الجنسي، بل تمتد لتصل إلى هيكلة التمييز العنصري والقبلي داخل إدارة المخيمات؛ حيث أصبحت المعاملات والفرص توزع على أساس الانتماء القبلي واللون، وليس على أساس الحاجة الإنسانية:
1. المحسوبية القبلية في توزيع المساعدات:
العائلات التي تنتمي إلى القبائل المقربة من دوائر القرار في القيادة تُمنح الامتيازات، والمواد الغذائية الجيدة، والفرص الطبية، والمشاريع، بينما تُترك العائلات التي تنتمي لقبائل غير محظوظة أو معارضة لمواجهة التهميش وسوء التغذية والجوع.
2. العنصرية والرق الخفي:
تعاني النساء من ذوات البشرة السمراء داخل المخيمات من تمييز مزدوج وممارسات تستحضر حقب العبودية والرق القديم؛ حيث يحرمهن الواقع من مجرد التعبير عن حقوقهن، ويعاملهن كفئات أدنى في السلم الاجتماعي للمخيمات، وسط تعتيم إعلامي وحقوقي شامل.
غريزة الأمومة والسجن الكبير: احتجاز العائلات بالرهائن
تكمن المأساة الهيكلية التي تمنع العائلات والنساء من الفرار من هذا الجحيم في استغلال القيادة لروابط الأمومة والأسرة؛ فالنساء لا يحتجزن بالأغلال الحديدية فقط، بل عبر سلب أبنائهن وأقربائهن ورهن مصيرهم.
“كيف لأم أن تفر بنفسها وتطلب الحرية، وهي تعلم يقيناً أن مغادرتها تعني تعريض طفلها أو شقيقها للاحتجاز القسري، والتعذيب، أو الانتقام المباشر من قبل سجاني المخيمات؟”
هذا الاحتجاز المركّب يحول المخيمات إلى سجن كبير مفتوح، يحرم فيه الأطفال من المستقبل ومن أبسط حقوق التعليم والرعاية، بينما تستغل فيه النساء كدروع بشرية وواجهة للاستعطاف المالي والإنساني أمام المنظمات الدولية والدول المانحة.
التضامن النسوي المغربي: يد ممدودة ونشاط حقوقي مكثف
أمام هذا الواقع المؤلم، يرتفع صوت المرأة المغربية والمجتمع المدني في المملكة المغربية ليعلن عن تضامنه المطلق واللامشروط مع أخواتهن المحتجزات في مخيمات تندوف ولحمادة.
إن الفعاليات النسائية والمؤسسات الحقوقية المغربية تُندد بشدة بهذه الجرائم وتطالب بـ:
منح حرية التنقل الفورية:
كف أيدي المليشيات عن محاصرة النساء والعائلات، وتمكينهن من حقهن الطبيعي في الحركة ومغادرة المخيمات دون خوف أو ابتزاز.
الالتحاق بأرض الوطن الأم:
فتح الممرات الآمنة لعودة النساء والعائلات إلى وطنهم الأم (المملكة المغربية)، في إطار الرؤية الملكية السامية والحكيمة “الوطن غفور رحيم”، التي تضمن العيش الكريم، والأمان، والاستقرار، ولم الشمل بعيداً عن أشكال القهر والنخاسة.
صمت المنظمات الدولية والمسؤولية القارية
إن الاحتفال باليوم العالمي للمرأة الأفريقية يشكل محاكمة أخلاقية حقيقية للضمير القاري والدولي،فالتغاضي عن جرائم الاغتصاب، والتنكيل، والتمييز العنصري والقبلي في مخيمات تندوف يمثل سقطة إنسانية كبرى للمنظمات الإفريقية والحقوقية التي تنادي بالكرامة والعدالة.
إن الازدواجية في التعاطي مع قضايا المرأة الإفريقية تفقد هذه المناسبات قيمتها الرمزية، طالما أن هناك نساء يُحرمهن الواقع من أبسط حقوقهن لمجرد وجودهن في مناطق مغلقة ومحاصرة إعلاميا وسياسيا.
نحو موقف إنساني وحاسم
إن حماية المرأة في مخيمات تندوف وتمكينها لا تصح بشعارات المناسبات والبيانات الختامية، بل عبر اتخاذ خطوات ميدانية شجاعة تتمثل في إيفاد لجان تقصي حقائق دولية ومستقلة لمعاينة ما يجري داخل مخيمات تندوف، ومحاسبة المتورطين في جرائم الاستغلال الجنسي والنخاسة والاتجار بالبشر، ورفع الحصار عن النساء المحتجزات فورا.
وفي هذا اليوم الإفريقي الخالد، يبقى صوت المرأة المغربية وكل أحرار العالم يصرخ في وجه الضمير الإنساني:
“آن الأوان لإنهاء معاناة نساء تندوف، وكسر قيود الاحتجاز والاستغلال التي تثقل كاهلهن، حتى يصبح اليوم الدولي للمرأة الأفريقية مناسبة حقيقية للحرية والكرامة، ولإعادة لمّ شمل الأسر تحت راية الوطن الأم، المملكة المغربية، في كنف العائلة الواحدة، الممتدة عبر كل ربوع المملكة، من طنجة إلى الكويرة، ومن شرقها إلى غربها.”



