
عبد المجيد تبون: دراسة حالة في كيفية تدمير نظام من الداخل!
في علم السياسة المقارنة، نادراً ما نجد حالات يساهم فيها رئيس دولة، بشكل مباشر ومتعمد تقريباً، في تسريع انهيار النظام الذي يرأسه! عادة ما تسقط الأنظمة الاستبدادية بسبب عوامل خارجية (حصار، حروب، عقوبات)، أو تراكمات داخلية تاريخية (فساد، فقر، قمع). لكن الحالة الجزائرية تحت قيادة عبد المجيد تبون تقدم نموذجاً فريداً: رئيس يتفنن في اتخاذ قرارات كارثية، واحدة تلو الأخرى، وكأنه في سباق محموم لتحطيم الأرقام القياسية في خسارة الشعب، وتدمير الاقتصاد، وتفكيك ما تبقى من مصداقية للنظام العسكري الجزائري!
والطريف في الأمر، أن تبون لا يكتفي بارتكاب الأخطاء القاتلة، بل يُصِرّ على الدفاع عنها في خطاباته الإعلامية المتكررة، التي تحولت إلى مصدر للتندر الشعبي، أكثر من كونها أداة لـ”طمأنة الجزائريين” كما يتوهم! فكيف يمكن لرئيس أن يقنع شعبه بأن “الاقتصاد في أفضل حالاته” بينما الإضرابات تشل البلاد؟ أو أن “الجزائر قوة إقليمية كبرى” بينما فشلت في الانضمام للبريكس؟ أو أن “الصادرات غير النفطية تتزايد” بينما أرقام الجمارك الجزائرية نفسها تكذب هذه الرواية؟
معمل تصنيع الكوارث: قرارات تبون “الذهبية“!
لنبدأ بـ”إنجازات” الرئيس تبون في تدمير الاقتصاد الجزائري، والتي يمكن تلخيصها في سلسلة من القرارات التي لو اجتمع خبراء اقتصاديون من كل أنحاء العالم لاختيار أسوأ سياسات اقتصادية ممكنة، لما توصلوا إلى ما توصل إليه “عمّي تبون” بفطرته “العبقرية”!
أولاً: قانون “المستورد الذاتي“ – أو كما يجب أن يُسمى: “قانون دمار المؤسسات الصغرى والمتوسطة”! القانون الذي أُريد له أن يكون “حلاً سحرياً” لمشكلة الاستيراد، تحول إلى قنبلة موقوتة فجرت آلاف المؤسسات، ودفعت بعشرات آلاف العمال إلى البطالة. والنتيجة؟ السوق الموازية ازدهرت، والتهريب تضاعف، والمستهلك الجزائري يدفع أضعاف الأسعار!
ثانياً: “منحة السفر“ – أو كيف تحطم قيمة عملتك الوطنية في قرار واحد! منحة كانت تهدف لـ”تسهيل السفر للجزائريين”، تحولت إلى أداة لشرعنة تجارة العملة الصعبة، وساهمت في انهيار الدينار الجزائري أمام الدولار واليورو. الدينار الذي كان يساوي شيئاً ما، أصبح لا يساوي شيئاً تقريباً!

ثالثاً: تقييد الاستيراد – أو “الحل” الذي يُهلك المريض لعلاج المرض! بحجة “الحفاظ على رصيد العملة الصعبة”، قررت حكومة تبون خنق المؤسسات الاقتصادية الكبرى التي تحتاج للاستيراد. النتيجة؟ مؤسسات توقفت عن العمل، استثمارات أجنبية (على قلتها) فرّت، والعملة الصعبة لم تُحفظ… بل ضاعت في صفقات غامضة وفساد مستشرٍ!
رابعاً: “منحة البطالة“ – أو كيف تُفاقم المشكلة بدل حلها! منحة كانت تهدف لـ”مساعدة العاطلين”، تحولت إلى حافز للبقاء عاطلاً! لماذا يبحث شاب جزائري عن عمل بـ30 ألف دينار، بينما يستطيع الحصول على 13 ألف دينار دون عناء؟ النتيجة: أعداد العاطلين تتضاعف، والاقتصاد يزداد ترهلاً!
خامساً: قانون النقل الجديد – أو “القشة التي قصمت ظهر البعير”! قانون دفع بسائقي الحافلات والنقل العام للإضراب الشامل، وشلّ حركة النقل في البلاد. والسؤال: هل استشارت حكومة تبون أصحاب المهنة قبل فرض القانون؟ بالطبع لا! فـ”الحكمة الشعبية” لا مكان لها في حسابات نظام يعيش في برج عاجي منفصل عن الواقع!
سادساً: رفع أسعار المحروقات – “الطلقة الرحيمة” على جيوب الجزائريين! في بلد نفطي، يُفترض أن يكون البنزين شبه مجاني، يقرر تبون رفع الأسعار! والنتيجة المتوقعة؟ موجة غلاء شاملة طالت كل شيء: الخضروات، اللحوم، النقل، حتى الخبز!
الخطاب الدعائي: عندما تُصبح الكذبة أوضح من الشمس!
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في هذه القرارات الكارثية، بل في الطريقة التي يُدافع بها تبون عنها! فخطاباته الإعلامية المتكررة، التي يظن أنها تُطمئن الجزائريين، تحولت إلى مادة للسخرية والتندر على مواقع التواصل الاجتماعي.
كيف يمكن لرئيس أن يتحدث عن “نجاحات اقتصادية غير مسبوقة” بينما التجار يضربون احتجاجاً على السياسات الاقتصادية؟ كيف يُصر على أن “الجزائر قوة أفريقية كبرى” بينما فشلت في استضافة قمة عربية لأكثر من 4 أشهر (غاب عنها معظم الرؤساء المؤثرين)؟ كيف يُعلن عن “تصنيع السيارات محلياً” بينما المصانع المعلنة عبارة عن ورش “تركيب” وليس تصنيع؟
هذا الانفصال الصارخ بين الخطاب والواقع، يجعل كل جزائري يشعر بأن رئيسه يكذب عليه بوقاحة! والأخطر من ذلك، أن تبون لا يكذب فقط، بل يُصر على الكذب، ويُكرره في كل مناسبة، وكأنه يُراهن على أن التكرار المستمر سيُحول الكذبة إلى حقيقة!
تبون: الهدية المثالية للمعارضة الجزائرية!
ولعل أكبر “إنجاز” لعبد المجيد تبون، هو تحويله نفسه إلى “هدف موحد” لجميع فئات المعارضة الجزائرية! ففي السابق، كانت المعارضة منقسمة: بعضها يُهاجم الجيش، وبعضها يُهاجم الفساد، وبعضها يُطالب بالديمقراطية. لكن تبون، بـ”عبقريته” الفذة، نجح في توحيدهم جميعاً ضده!
فالتجار يُضربون ضد قراراته الاقتصادية، والسائقون يُضربون ضد قانون النقل، والشباب يُهاجمون سياساته الفاشلة، والمثقفون يسخرون من خطاباته المضحكة، وحتى أجهزة النظام نفسها باتت مُنهكة من تغييرات المناصب العشوائية (7 جنرالات على رأس المخابرات في أقل من 5 سنوات… معدل جنرال كل 8 أشهر!)
الخلاصة: عندما يكون الرئيس أكبر عدو للنظام!
في النهاية، يُمكن القول بثقة: إذا كان هناك شخص واحد يعمل ليل نهار على تسريع انهيار النظام الجزائري، فهو عبد المجيد تبون نفسه! فبقراراته الكارثية، وخطاباته المنفصلة عن الواقع، ودفاعه الأعمى عن سياسات فاشلة، يُقدم تبون أكبر هدية للمعارضة: نظام يدمر نفسه بنفسه!
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يُدرك تبون أنه يحفر قبر النظام بيديه؟ أم أنه محاط بمستشارين يُخبرونه أن “كل شيء على ما يُرام” بينما البلاد تحترق؟ الله وحده يعلم! لكن ما نعلمه يقيناً، هو أن الجزائريين لن ينسوا من قادهم إلى هذا المستنقع. ولن ينسى التاريخ كيف ساهم رئيس، بإصراره العجيب على الفشل، في كتابة الفصل الأخير من حياة نظام عسكري جثم على صدورهم لعقود!




