دراسات وتقارير

عصر الفوضى النووية: العالم بعد “نيو ستارت”

في الخامس من فبراير 2026، انتهت صلاحية آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا. بعد نصف قرن من الضبط المتبادل، تدخل البشرية فجأة عصراً جديداً لا توجد فيه قيود قانونية ملزمة على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم. هذا ليس انهياراً عادياً لمعاهدة، بل هو نهاية حقبة كاملة بدأت عام 1969 مع مفاوضات “سالت-1″، وإيذان ببداية مرحلة جديدة من اللايقين النووي.

New START

الانهيار الصامت لمنظومة الردع

معاهدة “نيو ستارت” كانت تحصر كل طرف في 1,550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، و700 منصة إطلاق جاهزة. لم تكن المعاهدة مجرد أرقام على ورق، بل منظومة تفتيش متبادل وتبادل بيانات دورية وآليات شفافية معقدة. كانت تمثل “لغة مشتركة” بين خصمين نوويين، حتى في أحلك لحظات التوتر. لكن تلك المنظومة تآكلت تدريجياً؛ توقفت التفتيشات الميدانية منذ 2020 بذريعة الوباء ولم تستأنف قط، وفي فبراير 2023 علّقت روسيا مشاركتها رسمياً بعد الغزو الأوكراني، وردت واشنطن بتجميد مشاركة البيانات من جانبها.

الغريب أن الطرفين ظلا ملتزمين بالحدود العددية رغم انهيار آليات التحقق، وكأنهما يتمسكان بالشكل الأخير للعقلانية في علاقة محكومة بالانهيار. عرضت موسكو في سبتمبر 2025 تمديداً غير رسمي للحدود العددية لمدة عام، لكن واشنطن لم ترد رسمياً. ترامب وصف المعاهدة بأنها “صفقة سيئة التفاوض” ودعا لاتفاق جديد “أفضل وأكثر حداثة”، لكن دون أن يوضح معالمه أو جدوله الزمني.

الطرف الثالث الصاعد: تحدي الصين

القصة لم تعد ثنائية. الصين أصبحت اللاعب المركزي في أي تصور مستقبلي. في 2019 كانت ترسانتها النووية تقدر بنحو 200 رأس، اليوم تجاوزت 600، ومن المتوقع أن تصل إلى 1,000 بحلول 2030، وربما 1,500 بحلول 2035. بكين لم تكتفِ بالتوسع الكمي، بل بنت ثالوثاً نووياً كاملاً (برياً، بحرياً، جوياً)، وشيدت حقولاً ضخمة من صوامع الصواريخ في صحرائها، وطورت صواريخ “دونغ فنغ-17” الفرط صوتية القادرة على اختراق أي دفاع.

الأكثر إثارة للقلق: في فبراير 2026، كشفت واشنطن عن معلومات استخباراتية تفيد بأن بكين أجرت تجارب نووية سرية “بمحصول يقاس بمئات الأطنان”، مما يعني أنها ربما تطور رؤوساً حربية جديدة لصواريخها الفرط صوتية. كما اتهمت موسكو بمساعدة الصين في إنتاج المواد الانشطارية العسكرية اللازمة لهذا التوسع.

بكين ترفض أي مفاوضات ثلاثية للحد من التسلح بحجة أن ترسانتها أصغر بكثير من الأمريكية والروسية، وهو موقف له منطقه في الظاهر، لكنه يتجاهل حقيقة أن الصين هي الدولة النووية الوحيدة التي تتوسع بشكل جذري. هذا التوسع الصيني ليس دفاعياً صرفاً، بل يحمل بعداً استراتيجياً يتعلق بتأمين سيناريوهات محتملة حول تايوان، وبردع أي تدخل أمريكي في غرب المحيط الهادئ.

التكنولوجيا الجديدة تعيد كتابة قواعد الردع

الصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic Weapons) تمثل تحولاً نوعياً أخطر من التوسع الكمي. تطير بسرعة تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، وتتحرك بمسارات غير قابلة للتنبؤ، مما يجعلها تخترق أي منظومة دفاع صاروخي حالية. روسيا نشرت صاروخ “أفانغارد” على منصات عابرة للقارات، والصين طورت “دونغ فنغ-17″، وحتى كوريا الشمالية أعلنت في يناير 2026 عن اختبارات ناجحة لصواريخ فرط صوتية (رغم الشكوك حول فعاليتها الفعلية).

المشكلة الحقيقية ليست في السرعة وحدها، بل في “الغموض النووي” الذي تخلقه هذه الصواريخ. يمكنها حمل رؤوس تقليدية أو نووية، ولا توجد طريقة للتمييز قبل الإصابة. هذا يعني أن أي إطلاق يمكن أن يُفسَّر بالخطأ على أنه هجوم نووي، مما يختصر وقت اتخاذ القرار إلى دقائق، ويفتح الباب لتصعيد كارثي بناء على سوء فهم.

أوروبا: بين الحماية الأمريكية والتهديد الروسي

أوروبا تجد نفسها في قلب هذا العاصفة. بعد انقضاء “نيو ستارت”، أصبحت الصواريخ النووية الروسية متوسطة المدى (التي كانت محظورة بموجب معاهدة “آي.إن.إف” المنهارة عام 2019) قابلة للانتشار دون قيود. باريس أعلنت عن “مسؤولية روسيا” في انهيار المعاهدة، ودعت إلى “ضبط استراتيجي بين الدول النووية الكبرى”، لكن دون أن تقترح آليات ملموسة.

المظلة النووية الأمريكية التي تحمي أوروبا منذ الحرب الباردة أصبحت موضع شك. ترامب لا يخفي عدم حماسه للالتزامات العسكرية الأمريكية التقليدية، وهذا يدفع بعض الدول الأوروبية (فرنسا وربما بريطانيا) إلى التفكير في تطوير “ردع أوروبي مستقل”، وهو مشروع معقد مالياً وسياسياً وتقنياً.

الشرق الأوسط: السباق النووي الإقليمي المقبل؟

ربما تكون الأثر الأكبر لانهيار “نيو ستارت” في الشرق الأوسط. السعودية وتركيا ومصر تراقب بقلق متصاعد. ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قال بوضوح: “إذا حصلت إيران على سلاح نووي، سنحصل على واحد في أسرع وقت ممكن”. هذا التصريح كان قبل الحرب الإسرائيلية على إيران صيف 2025 التي كشفت عن قدرات إسرائيل غير المعلنة.

إسرائيل تملك ترسانة نووية غير رسمية منذ الستينيات، وإيران تقترب من “نقطة الانفصال” (Breakout Capacity) أي القدرة على إنتاج كمية كافية من اليورانيوم عالي التخصيب لسلاح واحد في أقل من أسبوع، وفق تقديرات مدير وكالة المخابرات الأمريكية. السيناريو الأسوأ: إيران تقرر الوصول للسلاح النووي، السعودية ترد بالمثل (ربما بمساعدة باكستانية)، تركيا تعلن برنامجها الخاص، مصر تعيد النظر في موقفها التاريخي المعارض للتسلح النووي. خمس دول نووية غير ودية في منطقة بحجم الولايات الـ48 القارية الأمريكية، وهو سيناريو كابوسي لكنه واقعي.

ثلاثة سيناريوهات للعقد القادم

السيناريو المتفائل: “الردع الثلاثي المنضبط واشنطن وموسكو وبكين تتوصل لاتفاق إطاري غير رسمي يحافظ على حدود نيو ستارت (1,550 رأساً منشوراً لكل طرف)، مع التزام صيني بسقف 1,000 رأس بحلول 2035. يتم إنشاء قناة اتصال ثلاثية دائمة لتجنب سوء الفهم، وتجميد جزئي لاختبارات الصواريخ الفرط صوتية. في هذا السيناريو، الشرق الأوسط يستفيد من انفراجة أمريكية-إيرانية (عبر الوساطة العمانية) تؤدي لاتفاق شامل يحد من البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات، مما يخفف من ضغوط السباق النووي الإقليمي.

السيناريو المتشائم: “عودة الحرب الباردة بثلاثة أقطاب انهيار تام للحوار. الولايات المتحدة وروسيا تبدآن بزيادة الرؤوس المنشورة عبر “رفع التحميل” (uploading) على الصواريخ الموجودة، والصين تسرّع برنامجها وتصل لـ1,500 رأس بحلول 2032. تنتشر الصواريخ الفرط صوتية في كل مكان، وتصبح كوريا الشمالية قوة نووية إقليمية معترف بها بحكم الأمر الواقع. في الشرق الأوسط، إيران تعلن حصولها على سلاح نووي بحلول 2028، السعودية تحصل على “قنبلة جاهزة” من باكستان خلال أشهر، تركيا تعلن برنامجها الخاص. ينهار معاهدة عدم الانتشار (NPT) عملياً، وتصبح الأسلحة النووية “عملة” للنفوذ الإقليمي.

السيناريو الواقعي: “الفوضى المنظمة لا اتفاق رسمي، لكن التزام ضمني بعدم التجاوز الفاحش. واشنطن وموسكو تحافظان على مستويات قريبة من نيو ستارت (لأسباب تقنية واقتصادية أكثر منها سياسية)، لكن دون تفتيش أو شفافية. الصين تواصل التوسع لتصل لـ1,200 رأس بحلول 2035، وتصبح ثالث أكبر قوة نووية فعلياً. تزداد “الحوادث الخطيرة” (اختراقات جوية، مناورات بالقرب من حدود نووية، إطلاقات تجريبية غامضة)، لكن دون تصعيد فعلي. في الشرق الأوسط، إيران تبقى دولة “عتبة نووية” (threshold state) قادرة على الوصول للسلاح خلال أسابيع دون أن تعلن ذلك، والسعودية تواصل برنامجاً نووياً “مدنياً” مع تخصيب محلي لليورانيوم، وتركيا تبني مفاعلات روسية تحت غطاء “الطاقة السلمية”. الجميع يلعب على الغموض، ويؤجل القرار النهائي، لكن الإمكانيات تُبنى بهدوء.

الخلاصة: نحو نظام عالمي جديد بلا ضمانات

New START2

انقضاء “نيو ستارت” ليس حدثاً عابراً، بل نقطة تحول جيوسياسية. العالم لم يعد يملك “قواعد اللعبة” التي حكمت السباق النووي لنصف قرن. الردع لم يعد ثنائياً وواضحاً، بل متعدد الأطراف وغامضاً. التكنولوجيا الجديدة (فرط صوتية، أنظمة قيادة وتحكم مدعومة بالذكاء الاصطناعي) تقلص وقت اتخاذ القرار إلى دقائق، مما يجعل الخطأ البشري أو التقني أكثر خطورة من أي وقت مضى.

السؤال الحقيقي ليس “هل سيكون هناك سباق تسلح؟”، بل “كيف سيُدار هذا السباق في غياب أي إطار قانوني ملزم؟”. الإجابة ستتشكل خلال السنوات الخمس المقبلة، وستحدد ما إذا كانت البشرية قادرة على إدارة أخطر أسلحتها بعقلانية، أم أنها ستعود لمنطق “القوة المطلقة” الذي كاد يفنيها في الستينيات.

في مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار المقرر في ربيع 2026، سيراقب العالم بقلق: هل ستُظهر الدول النووية الكبرى أي التزام بـ”نزع السلاح” كما تفرضه المعاهدة؟ أم أن انقضاء نيو ستارت سيكون إشارة واضحة أن عصر ضبط النفس النووي قد انتهى، وأن “الفوضى المنظمة” هي النظام الجديد الذي سنعيش في ظله؟

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى