منبر الرأي

عندما يخاف النظام من الحقيقة: كيف روض العسكر الإعلام الجزائري لمعاداة المغرب

ليست معركة النظام الجزائري مع المغرب معركة حدود أو تاريخ كما يروج لها قصر المرادية، بل معركة وعي ،فالمشكلة الحقيقية التي تؤرق نظام شنقريحة–تبون ليست في الرباط، بل في أعين الجزائريين حين يرون، ويقارنون، ويكتشفون حجم الخديعة التي عاشوا داخلها لعقود طويلة .

منذ سنوات، بنى النظام العسكري الجزائري منظومة إعلامية وظيفتها الأساسية ليست الإخبار، بل إعادة هندسة الإدراك الجماعي،إعلام لا ينقل الواقع او الحقيقة ، بل يفلتره، لا يحلل الوقائع، بل يعيد صياغتها وفق ما يخدم سردية السلطة العسكرية،وكلما اقترب هذا الواقع من كشف الفجوة بين ما هو قائم في الجزائر وما تحقق في دول الجوار، وعلى رأسها المغرب، ازداد هذا الإعلام عدوانية وفجاجة و حماقة .

  • انتقاء لا تغطية: الإعلام كذراع أمني استخباراتي

قبيل تظاهرة كأس إفريقيا بالمغرب، لم يكن اختيار المراسلين الجزائريين عملاً مهنيا، بل عملية أمنية-استخباراتية بامتياز. أجهزة النظام العسكري هي التي حددت من يسافر، ومن يُقصى، ومن يُسمح له بالرؤية، ومن يُفرض عليه العمى حيث الأسماء التي حضرت ليست مجهولة؛ هي نفسها التي دأبت على الركوع للسلطة العسكرية ، وتغذية خطابها، والاستفادة من عطاياها .

لم يُرسل هؤلاء لنقل الصورة الحقيقية ، بل لمنعها من الوصول بتاتا،فالمطلوب لم يكن تغطية مشاركة المنتخب الجزائري لكرة القدم ، بل احتواء “صدمة بصرية “كان من شأنها أن تُربك الرواية الرسمية أمام شعب بدأ يطرح أسئلة محرجة: كيف استطاع المغرب تنظيم تظاهرة بهذا المستوى؟ لماذا تبدو الفضاءات مفتوحة، والإعلام متنوعاً، والناس أحراراً في التعبير؟ ولماذا لا يتوفر المغرب على بترول و غاز و لا ازمات طوابير يومية و لا ازمة طاقية لديهم ؟ ولماذا نحن عالقون في خطاب الخوف والتخوين؟ولماذا يكذب علينا نظامنا العسكري في كل مايتعلق بالمغرب؟

  • سيناريو استخباراتي لإلغاء ما رأته أعين الجماهير الجزائرية من عين المكان

الأخطر لم يحدث في المغرب، بل مباشرة بعد العودة إلى الجزائر ،هناك، فُرض سيناريو إعلامي موحد، صيغ بعقل استخباراتي، هدفه إلغاء ما رآه الجزائريون بأعينهم،كل شهادة إيجابية، كل مقارنة عقلانية، كل رأي خارج النص، وُضع في خانة “الخيانة” او “المؤامرة ” أو “الانبهار المسموم”.

تحرك النظام بسرعة، لأن الحقيقة كانت تنتشر دون وساطة ،فجند إعلامييه المروّضين، لا للدفاع بالحجة، بل للهجوم بالتشويه و بالكذب و خلق سيناريوهات مفضوحة و خسيسة حيث بسرعة البرق تحولت الشاشات إلى منصات سبّ، والتقارير إلى نشرات كراهية، والتعليقات إلى محاكم تفتيش، فقط لأن المغرب كسر الصورة التي حاول النظام العسكري زرعها طويلاً في أذهان شعبه.

  • لماذا المغرب تحديدا ؟

لأن المغرب هو الواقع و هو المرآة، والنظام العسكري الجزائري يخشى المرايا أكثر من الخصوم،فوجود نموذج إقليمي يتقدم، يراكم الاستقرار، يفتح هوامش الحرية، ويستثمر في الإنسان، و نظامه حكيم وواقعي،يفضح تلقائياً نظاماً يعيش على القمع والدكتاتورية، وعلى التخوين و المؤامرات،ويستثمر في الخوف، ويعادي كل مقارنة واقعية.

لهذا، لم يعد الإعلام الجزائري يتعامل مع المغرب كجار، بل كـ”خطر وجودي”،ليس لأن المغرب يهدد الجزائر، بل لأن نجاحه يفضح فشل النظام، ويُسقط ادعاءاته، ويطرح الشعب السؤال القاتل: من سرق حاضر و مستقبل الجزائريين؟

  • إعلام بلا كرامة… ونظام بلا شرعية

ما نشهده اليوم هو إعلام بلا مهنة، بلا أخلاق، وبلا كرامة ،إعلاميون حوّلهم النظام إلى أدوات، يهاجمون حين يُطلب منهم الهجوم، ويصمتون حين يُطلب منهم الصمت، ويكذبون حين تصبح الحقيقة مكلفة.

لكن التاريخ لا يُدار بالتعليمات، والوعي لا يُطفأ بالتشويه،ما رآه الجزائريون لن يُمحى بتغريدة، ولا بحملة تحريض موجهة و مشؤومة والنظام الذي يخاف من الحقيقة إلى هذا الحد، هو نظام يدرك في قرارة نفسه أن سقوط السردية يسبق دائماً سقوط السلطة.

والمفارقة المؤلمة أن النظام العسكري الجزائري ، وهو يحاول طمس الحقيقة عن المغرب، إنما يفضح نفسه… أمام العالم و أمام شعب بدأ يستيقظ من سباته !!.

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى