منبر الرأي

فيضانات فبراير و الدرس المغربي

تُختبر قدرات الأمم في الازمات و الحروب و الكوارث الطبيعية، عندها فقط يظهر المعدن الحقيقي لتلك الأمة، وعندها فقط يُمتحن تاريخ و عراقة ذلك البلد، وعندها فقط نُقر بتوفر مقومات مفهوم الدولة و مؤسساتها.

و قد أسْمع المغرب كل من به صَمَمٌ، أنه دولة بكل مقوماتها و مؤسساتها بجذور تمتد لأكثر من 12 قرنا عمقا و أصالة،

شاهدناه في زلزال أكادير سنة 1960 و زلزال الحسيمة 2004 وحادثة الطفل ريان و الحوز، واليوم فيضانات القصر الكبير، حضور قوي و ميداني لكل أجهزة الدولة و على رأسها المؤسسة العسكرية و الأمنية بكل ثقلها اللوجيستيكي، ومجهودات جبارة للجمعيات وأفراد المجتمع المغربي.

كل الصور و الفيديوهات عن فيضانات فبراير 2026، تحكي شيئا واحدا وهو أن المغرب بلد حي وصاعد بخطوات واثقة.

نحن هنا لا نقول شعرا او نثرا، نحن هنا نحكي عن وقائع شاهدها العالم، نحكي عن جهود قوية لترحيل ساكنة مدينة تقدر  بأكثر من 140 الف مواطن  إلى أماكن آمنة.

نحكي عن مروحيات عسكرية في عمليات انقاذ الناس من الغرق أو عمليات إمداد بالمؤونة.

نحكي عن أمنيين يحثون السكان على الاخلاء الفوري تفاديا لكل سوء.

نحكي عن رجال الوقاية المدنية و حضورهم لإسعاف الناس.

نحكي عن مواطنين يحملون مساعدات و يفتحون بيوتهم لضحايا الفيضان. نحكي و نحكي  عن مساعدة وإسعاف أهالينا في القصر الكبير، ونعلن عن ميلاد ملحة وطنية جديدة.

لا نحتاج لمن يصدر لنا شهادات استحقاق من الخارج، كما لا نحتاج لمن يُسوق القدرة الذاتية للمغرب على تدبير ازماته و كوارثه الطبيعية، لأننا بكل بساطة نواصل مسيراتنا المتجددة، وأننا أوفياء لقسم المسيرة  ونتعهد بأن  “ألقن هذا القسم أسرتي و عترتي في سري و علانيتي.”

فبالأمس القريب استطاع المغرب تحريك أكثر من 350 ألف متطوع نحو الصحراء المغربية سنة 1975،لذلك فتحريك  140 الف مواطن من مناطق غير آمنة بالقصر الكبير، ليس بمستحيل على أمة حفرت الجبال بأيديها من أجل الطفل ريان.

كما نتذكر بالأمس القريب فيضانات الليكوس ( القصر  الكبير ) في يناير سنة 1977 مباشرة بعد مسيرة 1975 وبعدها بناء سد وادي المخازن سنة   1979 وما يحمله ذات الاسم من دلالات تاريخية واجتماعية، ترتبط أساسا بانتصار المغرب في معركة الملوك الثلاثة أولا، وتمثل حافزا نفسيا لمقاومة الكوارث الطبيعية وخاصة الفيضانات التي تعرفها المنطقة منذ سنوات ثانيا، وحضور الدولة بتقديم إجابات و حلول لتدبير  الكوارث و الازمات ثالثا.

لذلك، فما نشاهده اليوم من فيضانات في أكثر  من بلد متوسطي، وما نشاهده من عمليات الإنقاذ والايواء والإطعام، وذلك التضامن الاجتماعي و التآزر القوي، يجعلنا أكثر فخرا  بمغربيتنا و بجاهزية مؤسساتنا العسكرية و الأمنية، التي جعلت الحفاظ على  حياة المواطن المغربي حجر الزاوية لكل عمليات الإنقاذ و الإيواء.

سنبقى أوفياء لقسم المسيرة الخضراء الممتدة في الزمن المغربي و سنلقن هذا الدرس الوطني للأجيال القادمة

د. عبد الله بوصوف

مؤرخ؛ أمين عام مجلس الجالية المغربية في الخارج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى