
كيف يحوّل النظام العسكري الجزائري الإعلام إلى مصنع للوهم وصناعة العدو والبروباغاندا؟!
في زمنٍ تتسابق فيه الأمم نحو التقدم، يواصل النظام العسكري الجزائري سيره عكس اتجاه التاريخ، متمسكًا بخطابٍ متكلّسٍ يقوم على الشك والعداء وصناعة الأوهام. فبينما تبني الشعوب أوطانها بالحوار والعلم والانفتاح، يصرّ حكّام الجزائر على تسخير كل منبرٍ إعلامي لتحويل الوعي الجماعي للشعب إلى ساحة تعبئة ضد “الآخر”، وكأن العجز الداخلي والطوابير لا يُغطّيان إلا بضجيج العداء.
لقد تحوّل الإعلام في الجزائر – بفعل هيمنة المخابرات العسكرية– من سلطةٍ رابعةٍ إلى أداةٍ تابعة، لا تُمارس التنوير بل تُتقن التضليل والأكاذيب، حيث برامجه وخطاباته لم تُصمَّم لنقل الحقيقة، بل لإعادة إنتاج الرواية الرسمية التي تجعل من “العدو الخارجي” شماعةً دائمة تُعلّق عليها كل خيبة و فشل و هزيمة:
من فشل التنمية والحرية، إلى انسداد الأفق السياسي، إلى تآكل شرعية السلطة نفسها.
– إعلام موجه يُدار من الظل
تعمل غرف الاستخبارات في الجزائر على هندسة الخطاب الإعلامي بمهارة نفسية دقيقة:
• تُختار المفردات بعناية لتصنع “حالة قلق دائم” في وعي و إدراك المواطن الجزائري .
• تُضخّم الأحداث البسيطة على الحدود لتبدو كتهديدٍ وجودي.
• يُعاد تفسير التاريخ بانتقائية تُرضي المؤسسة العسكرية وتُخفي مسؤولياتها.
هكذا، يتحول “الاستعمار الموروث” إلى شماعةٍ جاهزة لتبرير الجمود، وتُستغل “الحدود الموروثة” لتفادي أي نقاشٍ جادّ حول الحدود الحقة التي رُسمت ظلماً على حساب الجوار التاريخي.
فبدل أن تُفتح الملفات بشجاعة الدولة الناضجة، يختار النظام أن يحتمي خلف جدار من الصمت والتشويش، مدركًا أن فتحها يعني فتح ملف الشرعية ذاته الذي طالما تهرب منه النظام العسكري .
-الهروب عبر وهم العداء
ما يجري في الإعلام الجزائري ليس مجرد دعاية، بل هندسة منهجية للهروب من مواجهة الواقع والذات، فعوض أن يناقش المواطن مصير اقتصاده المنهك أو موارده المهدورة أو شبابه المهاجر او فضيحة الطوابير اليومية، يُغرق في نقاشاتٍ فارغة حول “خطر الجار”، و ”تهديد الحدود”، و ”مؤامرات الخارج”.
تلك هي معادلة السلطة العسكرية الجزائرية منذ عقود:
“اصنع عدوًا لتنجو، وألهِ الشعب لتبقى”.
لكن الوعي لا يُجمّد إلى الأبد، اذ ان المواطن الجزائري بدأ يدرك أن مشاكله ليست على الحدود، بل في غرف القرار المغلقة داخل الثكنات العسكرية، وأن من يختلق “الخطر الخارجي” إنما يخشى مواجهة “الشر الداخلي”.
– تحريف التاريخ وتزييف المستقبل
لم يكتفِ النظام بتأبيد المغالطات، بل جعل منها أداة هوية هي في الواقع مزورة ،فكل من يُشكّك في روايته يُتهم بالعمالة، وكل من يدعو للتقارب يُصنّف كخائن.
بهذا المنطق، يُحاصر المواطن النزيه و الواعي و التفكير الحر، ويُكمّم الإعلام المستقل، وتُصاغ “الوطنية” وفق تعريف أمني لا مدني.
لكنّ الأمم التي تُبنى على الخوف لا تعرف الاستقرار، والإعلام الذي يُدار بالتوجيه لا يُنتج وعياً، بل يُنتج أجيالاً مأزومة تبحث عن “عدوٍ جديد” كلما تبدّل الزمان.
– بين الكذب والاستقرار
لقد أثبت التاريخ أن الكذب لا يصنع استقرارًا، بل يشتري الوقت فقط. وأن من يهرب من مواجهة التاريخ يظل أسيره.
الجزائر لن تتقدّم ما دامت أسيرة خطابٍ يعادي جيرانها، ويختزل قوتها في صراخ الشاشات بدل إصلاح المؤسسات.
الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على البروباغندا، بل على مصالحةٍ مع الذات أولاً، ومع الجوار ثانيًا، ومع الحقيقة أخيرًا.
إن المغرب الكبير، بماضيه المشترك ومصيره الواحد، لا يمكن أن يُبنى على أوهام الحدود الموروثة، بل على إرادة الشعوب الحرة التي تؤمن أن الازدهار لا يتحقق بالحقد، بل بالصدق.
وحين تدرك المؤسسة الحاكمة في الجزائر أن الإعلام ليس سلاحًا في يد العسكر، بل منبرًا للشعب، حينها فقط سيتحوّل الخطاب من التحريض إلى البناء، وسيتغيّر عنوان المرحلة من “العداء من أجل البقاء” إلى “الكرامة من أجل المستقبل” .




