
لحظة الجحيم! حرب ترامب التي لا يملك أحد مفاتيح إنهائها
حرب ترامب وإيران: الدوافع الحقيقية، وحسابات المحاور
في الساعات الأولى من صباح يوم السبت، 28 فبراير 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته «تروث سوشيال» انطلاق ما وصفه بـ«عمليات قتالية كبرى» ضد إيران، تزامناً مع ضربات جوية أمريكية-إسرائيلية مشتركة استهدفت طهران وأصفهان وكرمانشاه وعدة مدن إيرانية أخرى. لم يكن ذلك قفزة في المجهول، بل كان محطة في مسار تصعيدي متواصل بدأت خيوطه تتشكل منذ يونيو 2025، حين شنّت الولايات المتحدة «عملية المطرقة في منتصف الليل» على ثلاثة مواقع نووية إيرانية رئيسية. السؤال الذي يُلحّ على كل محلل استراتيجي ليس «ماذا حدث؟»، بل «لماذا؟» وكيف وصلنا إلى هنا؟ وهل نحن أمام حرب محدودة قابلة للإنهاء، أم أمام مقامرة كبرى يعجز حتى صاحبها عن رسم ملامح نهايتها؟
جدول المحتويات
أولاً: المسار نحو الحرب — تسلسل الأحداث
الخيط يبدأ في 4 فبراير 2025، حين زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واشنطن حاملاً ما وصفه المسؤولون الأمريكيون بـ«عرض شرائح تفصيلية» حول البرنامج النووي الإيراني، مذكِّراً ترامب بأن طهران كانت تدبّر اغتياله. على الفور، منح ترامب الدبلوماسية مهلة ستين يوماً، وكتب رسالة شخصية إلى المرشد الأعلى علي خامنئي في 7 مارس 2025، محدداً شروطاً صارمة: وقف تخصيب اليورانيوم كلياً، وتفكيك الشبكة الإقليمية للوكلاء، مقابل رفع العقوبات.
بين أبريل ومايو 2025، انعقدت خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة في مسقط وروما وجنيف، بوساطة عُمانية. لكن في 31 مايو 2025، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران رفعت احتياطياتها من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% إلى أكثر من 408 كيلوغرامات، بزيادة قاربت 50% منذ فبراير. في 12 يونيو 2025، شنّت إسرائيل ضرباتها المباغتة على المنشآت العسكرية الإيرانية، مفتتحةً ما عُرف بـ«حرب الاثني عشر يوماً». وفي 22 يونيو، انضمت القاذفات الأمريكية من طراز B-2 Spirit، مُلقيةً أربعة عشر قنبلة من نوع GBU-57A/B على منشآت فوردو وناتانز وأصفهان، إلى جانب صواريخ توماهوك من غواصة أمريكية. انتهت الحرب بهدنة في 24 يونيو 2025، لكنها لم تُنهِ شيئاً.
في ديسمبر 2025، عاد نتنياهو إلى واشنطن. اندلعت في الأثناء احتجاجات دموية غير مسبوقة في إيران تفوق في حجمها موجات 2009 و2019 و2022 مجتمعةً. وفق تقديرات منظمات حقوق الإنسان حتى 25 فبراير 2026، تراوح عدد القتلى بين 2000 و40,000 شخص. في 28 يناير 2026، أعلن ترامب عبر منصته «إرسال أرمادا ضخمة» نحو إيران. نشرت الولايات المتحدة حاملتَي طائرات: «يو إس إس أبراهام لينكولن» و«يو إس إس جيرالد فورد» في أكبر حشد بحري أمريكي في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003. جرت جولة تفاوضية أخيرة في جنيف يومَي 25 و26 فبراير 2026، فشلت في ردم الهوة. وجاء 28 فبراير ليكون يوم الحرب.
ثانياً: الدوافع الحقيقية — ما وراء الخطاب المعلن
عقدة «إرث أوباما» وحسابات التفوق التاريخي
يُشكّل الهاجس الشخصي لترامب من الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) عاملاً نفسياً لا يُستهان به في قراءة هذا التصعيد. فبعد أن انسحب من الاتفاق عام 2018، ووصفه بأنه «أسوأ صفقة في التاريخ»، بات ترامب أمام مأزق وجودي: أن يخرج بلا شيء يفوق ما أنجزه أوباما، أو أن يُجبر إيران على التوقيع على شروط أشد إذلالاً. وفق ما نقله محللو صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن فكرة أن يُقرّ بأنه «يكفيه ما حقّقه أوباما» تبدو عنده أمرّ من الحرب نفسها.
مثلث نتنياهو-روبيو-ميلر: المحرك الفعلي
خلافاً لما جرى في إدارة بوش الابن حين اضطلع نيوكونسرفاتيف من أمثال تشيني ووولفوويتز بدفع قرار الحرب على العراق، يرتكز تصعيد 2026 على مثلث مختلف التركيب: نتنياهو بوصفه المهندس الاستراتيجي الذي يعرف كيف يُقنع ترامب، وماركو روبيو وزير الخارجية الذي يؤمن إيماناً راسخاً بأن «فرصة القضاء على إيران لن تتكرر»، وستيفن ميلر الذي يجمع -وفق تحليل موقع الجزيرة- بين الولاء المطلق لترامب والارتباط العضوي باليمين الإسرائيلي. في المقابل، يبرز صوت آخر داخل الإدارة: نائب الرئيس جي دي فانس الذي قال صراحةً «نحن لسنا في حرب مع إيران، نحن في حرب مع برنامجها النووي»، وهو ما سرعان ما نقضه ترامب بتغريدة تساءل فيها: «إذا عجز النظام الإيراني الحالي عن إعادة إيران إلى مجدها، لماذا لا يكون تغيير النظام هو الحل؟».
هرمز كورقة ضغط على الصين: الاقتصاد السياسي للحرب
ثمة بُعد استراتيجي لا يراه من يتوقف عند الخطاب الإيراني-الإسرائيلي: مضيق هرمز. وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية EIA، يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، ما يُعادل 20% من إجمالي تجارة النفط العالمية، بقيمة سنوية تقترب من 500 مليار دولار. الصين تشتري ما يقارب 90% من الصادرات النفطية الإيرانية التي بلغت 1.38 مليون برميل يومياً في عام 2025. أي تهديد جدي لمضيق هرمز هو بحكم التعريف ضغط مباشر على الاقتصاد الصيني في لحظة يخوض فيها البلدان حرباً تجارية شرسة. مركز الدراسات الاستراتيجية BESA الإسرائيلي جاهر بهذه الحسابات في تقرير صدر في 17 فبراير 2026: «إيران التي تنتهي المواجهة منها مُنهَكة أو محوَّلة ستُجرّد الصين من ضمان أمن طاقتها في أي مواجهة محتملة مستقبلاً في بحر الصين الجنوبي».
الغطاء الأخلاقي: الاحتجاجات الإيرانية
في 13 يناير 2026، اجتمع كبار مستشاري ترامب في غرفة العمليات بالبيت الأبيض لمراجعة خيارات عسكرية متعددة. ولعبت الاحتجاجات الإيرانية وما رافقها من مجازر دور «الغطاء الأخلاقي» الذي يجعل الحرب قابلة للتسويق لدى الرأي العام الأمريكي. غير أن الأرقام تكشف مفارقة: استطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست» قبيل الضربات وجد أن 45% من الأمريكيين يعارضون الضربات العسكرية، و30% غير متأكدين، فيما يؤيدها 25% فقط. حتى 53% من ناخبي ترامب قالوا إن بلادهم يجب ألا تنخرط في صراع بين إيران وإسرائيل.
ثالثاً: شبكة الاستنزاف الدولي — الصين وروسيا وتحالف CRINK
لفهم ديناميكيات هذه الحرب كاملةً، لا بد من استيعاب مفهوم ما باتت مراكز التفكير تسميه «تحالف CRINK» (الصين، روسيا، إيران، كوريا الشمالية)، وهو تحالف يعمل بتنسيق تكنولوجي-عسكري-اقتصادي غير مسبوق.
الصين: الاستثمار في الاستنزاف
بكين لا تريد انهيار إيران ولا تريد نصراً أمريكياً سريعاً. منطقها الاستراتيجي صريح: كل دولار وكل قوة عسكرية أمريكية تُستنزف في الخليج هي طاقة مُحوَّلة بعيداً عن بحر الصين الجنوبي وتايوان. وفق تقرير مركز التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي ALMA (فبراير 2026)، طوّرت الصين وإيران نظاماً مالياً موازياً يتجاوز نظام SWIFT يعتمد على المقايضة والائتمان المباشر. كما تدار صفقات ضخمة في الخفاء، يشتري فيها الصينيون النفط الإيراني ويُعيدون إليهم سلعاً وتقنيات عسكرية. أما على الصعيد الدبلوماسي، فإن بكين ستواصل ما يصفه محللو «ذا ديبلومات» بـ«دعم إيران تحت الطاولة مع المطالبة بالتهدئة فوقها».
روسيا: التقاطع التقني والورقة الأوكرانية
العلاقة الروسية-الإيرانية تحوّلت من شراكة ظرفية إلى ترابط استراتيجي عميق. فإيران تُنتج في منطقة ألابوغا الصناعية الروسية طائرات مسيّرة من طراز شاهد-136 (المعروفة في روسيا بـ Geran-2) بطاقة إنتاجية تبلغ 10,000 وحدة سنوياً. ووفق وثائق مسرّبة من مؤسسة روستك الروسية، تُزوّد موسكو بالمقابل طهران بـ 48 مقاتلة Su-35 من الجيل الرابع المتطور. واللافت أن الصفقة الكبرى الموقّعة بين روساتوم ومحطة بوشهر تتضمن بناء أربعة مفاعلات نووية جديدة في إيران، وهو ما سيجعل أي ضربة مستقبلية لمنشآت نووية أمراً بالغ الحساسية السياسية. الورقة الروسية الأهم هي أوكرانيا: يرى بعض المحللين أن موسكو قد تستثمر انشغال واشنطن في الخليج لتحقيق اختراقات ميدانية في الجبهة الأوكرانية.
رابعاً: المحيط الإقليمي — حين يخشى الجميع النصر
إسرائيل: المستفيد الكبير والراهن على أمريكا
نتنياهو يخوض مقامرته الاستراتيجية الكبرى: دفع أمريكا لشنّ الحرب الشاملة بينما يقتصر دور إسرائيل على الضربات الجراحية والدعم الاستخباراتي. لكن مركز ChathamHouse حذّر في تقرير فبراير 2026 من أن الرهان الإسرائيلي ينطوي على خطأ في الحسابات: «الدول الإقليمية باتت ترى في إسرائيل التوسعية تهديداً أكبر مما كانت تراه في إيران الضعيفة». ضربة إسرائيلية على الدوحة في سبتمبر 2025 -وفق التقرير ذاته- «أفزعت دول الخليج وزعزعت ثقتها في الإطار الأمني الأمريكي».
دول الخليج: الرعب المزدوج
المشهد الخليجي يُفاجئ كل من كان يرى هذه الدول متلهّفة لرؤية تدمير إيران. في موقف لافت، أعلنت السعودية والإمارات أنهما لن تسمحا للولايات المتحدة باستخدام أراضيهما لشنّ ضربات على إيران. والسبب أعمق مما يبدو: هذه الدول لا تخشى إيران القوية فحسب، بل تخشى من إيران المنهارة بصورة أشد. دولة فاشلة بحجم إيران على حدودها، مع ترسانة صاروخية موزعة بلا سلطة مركزية، وملايين اللاجئين المحتملين، ومليشيات مسلحة بلا خريطة أوامر، هو سيناريو أخطر بكثير من النظام الإيراني في أضعف حالاته. ومع ذلك، يرفض بعض المحللين المقرّبين من تل أبيب هذا التحليل: «السعودية والإمارات تريدان الانعتاق من القبضة الإيرانية، وادعاؤهما بتفضيل نظام ضعيف على فوضى مسيطر عليها غير واقعي».
قطر وعُمان وتركيا: محور الوساطة الضائعة
قبل أن تبدأ الضربات بساعات، كانت عُمان وقطر وتركيا تشنّ جهوداً دبلوماسية محمومة لمنع المواجهة. أردوغان في لقائه مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الرياض يوم 3 فبراير 2026 ناقش صياغة مقترح إقليمي مشترك. قطر أطلقت تحذيرات صريحة من أن «أي تصعيد سيكون له عواقب كارثية على المنطقة». لكن جميع هذه الجهود اصطدمت بجدار قرار أمريكي-إسرائيلي مسبق.
خامساً: رهان الانهيار السريع — حسابات الواقع مقابل أوهام التصميم
هل ينهار النظام الإيراني سريعاً؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يقسم مراكز التفكير الدولية. وللإجابة، نبدأ بالحقائق الصلبة:
الحقيقة الأولى: مخزون اليورانيوم الإيراني. وفق تقرير مركز American Progress الصادر في 28 فبراير 2026: ما لا يقل عن 900 رطل (نحو 408 كيلوغرامات) من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% – وهو ما يكفي لصنع عشرة إلى أحد عشر قنبلة نووية – ما زال قائماً، سواء في منشآت مدمورة أو مخفية. المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي صرّح في منتصف فبراير بأن المواد النووية الإيرانية «ما زالت موجودة بكميات كبيرة».
الحقيقة الثانية: العقيدة العسكرية غير المركزية. طوّرت إيران منذ سنوات عقيدة «الدفاع الفسيفسائي»: صواريخ موزّعة في مخابئ جبلية وأنفاق، ووكلاء يعملون باستقلالية تامة حتى في غياب القيادة المركزية. الحوثيون في اليمن الذين استهدفوا قاعدة بحرية أمريكية في البحرين يوم 28 فبراير ذاته يُجسّدون هذه العقيدة: ضربة على الرأس لا تُسقط الأطراف.
الحقيقة الثالثة: وردة في بيئة الأشواك. حتى المعارضون لنظام الملالي داخل إيران تاريخياً يصطفون خلف العلم حين تقصف طائرات أجنبية مدنهم. وردة الانتقام من إسرائيل وأمريكا هي الوردة الوحيدة التي تُجمع عليها تقريباً كل الاتجاهات الإيرانية.
الحقيقة الرابعة: البعد الديموغرافي والجغرافي. إيران تضم 90 مليون نسمة وتمتد على مساحة 1.6 مليون كيلومتر مربع. هذا أربعة أضعاف مساحة العراق وثلاثة أضعاف نفوسه، وقد أثبت العراق وحده أن «التغيير السريع» وهم.
سادساً: الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية — مضيق هرمز ودرع الأسعار
أعلنت إيران في 17 فبراير 2026 إجراء تدريبات عسكرية مكثفة في مضيق هرمز، شملت إغلاقاً مؤقتاً لأقسام من المضيق. ما الذي يعنيه ذلك فعلياً؟
المضيق الضيق الذي يبلغ عرضه في أضيق نقطة 33 كيلومتراً يمثّل الشريان الوحيد لنقل نفط الخليج إلى العالم الخارجي. قانون البحار الدولي يمنح إيران سيادة على معظم المياه الإقليمية داخله. في عام 2024، مرّ عبره ما يعادل 20 مليون برميل يومياً، تتوزع بين إيران والعراق والكويت وقطر والسعودية والإمارات. الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعةً تعتمد على 69% من إجمالي تدفق النفط والمكثفات عبره. أي اضطراب جدي سيدفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل وفق تقديرات محللي الجزيرة، وقد تصل إلى 150 دولاراً في سيناريو الإغلاق الجزئي. هذا يعني بداية ركود عالمي في الوقت الذي تعاني فيه الاقتصادات الغربية أصلاً من تبعات الحروب التجارية لإدارة ترامب.
سابعاً: استراتيجية الخروج — السؤال الذي لا يجيب عنه ترامب
ربما تكون هذه النقطة هي الأشد حدةً في التحليل الاستراتيجي: ترامب يُبدع في الدخول، ويجهل أو يتجاهل الخروج.
ثلاثة سيناريوهات تطرحها مراكز التفكير الكبرى:
السيناريو الأول – «الصفقة تحت النار»: وهو السيناريو الذي يحلم به ترامب. ضربات مركّزة، يتبعها انهيار الإرادة الإيرانية، ثم توقيع اتفاق يُقدّمه ترامب بوصفه «أعظم صفقة في التاريخ». المشكلة: الثقافة الاستراتيجية الإيرانية قائمة على «الصبر الاستراتيجي»، أي أن التفاوض تحت القصف يُفسَّر داخلياً بوصفه استسلاماً يُقوّض شرعية النظام أكثر مما تقوّضه الضربات نفسها. المرشد الأعلى خامنئي أثبت في أزمات سابقة أنه لا يستجيب للضغط الأقصى بالتنازل، بل بالتصعيد.
السيناريو الثاني – «حرب الاستنزاف»: تتصاعد العمليات دون انهيار سريع. يُصعّد الحوثيون استهداف الملاحة، تُفجّر المليشيات العراقية قواعد أمريكية، يُشعل حزب الله الجبهة اللبنانية من جديد. ترامب يجد نفسه في حرب متعددة الجبهات لا يُطيقها منطقه الانعزالي ولا جمهوره الداخلي. مركز American Progress يؤكد أن أي حملة جوية جادة لاستئصال القدرة الصاروخية الإيرانية «ستتطلب أسابيع إن لم تكن أشهراً، تجاوزاً كبيراً لما شهدناه في يونيو 2025».
السيناريو الثالث – «الانسحاب بعد التدمير»: تُدمَّر البنية التحتية الإيرانية جزئياً دون انهيار النظام، فيعلن ترامب «النصر» ويسحب، تاركاً المنطقة في فوضى أعمق تخدم مصالح الصين وروسيا. «مجلس العلاقات الخارجية» الأمريكي (CFR) لفت في تحليله الأخير إلى «الفجوة الكبيرة بين أهداف النصر المعلنة وغياب ما بعده».
خاتمة: أين يُفضي هذا المسار؟
في 28 فبراير 2026، لحظة كتابة هذه السطور، كانت انفجارات تهزّ طهران، وصواريخ إيرانية تضرب القاعدة البحرية الأمريكية الخامسة في البحرين، وأسعار النفط تقترب من عتبة 100 دولار للبرميل. العالم يقف على مفترق طرق لم يشهد مثله منذ غزو العراق 2003، بل ربما منذ أزمة الصواريخ الكوبية 1962.
الفارق الجوهري بين 2003 و2026 هو أن الولايات المتحدة كانت يوم ذاك تقود تحالفاً دولياً حاشداً، أما اليوم فهي تخوض حربها في شبه عزلة: بريطانيا رفضت منح ترامب حق استخدام قواعدها (ديغو غارسيا وفيرفورد)، والسعودية والإمارات أغلقتا أجواءهما أمام العمليات الهجومية، ودول الخليج تُطالب علناً بالتهدئة. إسرائيل وحدها «شريك كامل» في هذه المغامرة.
الحقيقة التي تبرز من مجمل قراءة مراكز التفكير الدولية — من CFR إلى ChathamHouse إلى RAND — هي أن ترامب ربما فتح باب جحيم لا يملك مفتاح إغلاقه. النظام الإيراني قد لا ينهار بالسرعة المطلوبة، والصواريخ ستستمر في الإطلاق، والاقتصاد العالمي سيدفع الثمن، وجمهور «أمريكا أولاً» سيبدأ في التساؤل عن سبب صرف بلاده دماءها ودولاراتها في حرب باتت تبدو أقرب إلى حرب نتنياهو منها إلى حرب ترامب.
ومع ذلك، لا ينبغي استبعاد سيناريو الحل المُفاجئ. ترامب في نهاية المطاف رجل «الصفقة»، وقد يُبادر إلى الجلوس مع الإيرانيين في الساعة غير المتوقعة، معلناً نصراً لا يعترض عليه أحد. لكن الوصول إلى تلك الساعة يمر حتماً بطريق وعرة طويلة، تدفع ثمنها شعوب المنطقة، وتدفع ثمنها معها سلاسل الطاقة العالمية والاقتصادات الهشة.
إنها لحظة الجحيم. والجحيم – كما يُعلّمنا التاريخ – ليس دائماً أبدياً، لكنه نادراً ما يكون قصيراً.




