
لماذا يخشى ترامب “الآلة الحاسبة” أكثر من الصواريخ الإيرانية؟!
كم كلفت ال 100 ساعة الاولى من الحرب الأمريكية على إيران؟
في الساعات الأولى من فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلقت قاذفات أمريكية شبحية عملياتها انطلاقاً من قواعد في الولايات المتحدة والمنطقة، مُفتتِحةً ما باتت تُعرف بـ “عملية Epic Fury، أي “الغضب الملحمي”، وهي الحرب الأمريكية المفتوحة على إيران. وفي اليوم السادس من العملية، وبينما كان ترامب وهيغسيث يلمّحان إلى أن القتال قد يمتد لأسابيع، نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تقريراً استثنائياً أعدّه الباحثان مارك كانسيان وكريس بارك، يضع الرأي العام الأمريكي أمام حقيقة يتجنب صانع القرار الإفصاح عنها: أن هذه الحرب لا تُختبر فقط في سماء الخليج، بل على طاولة حسابات لا ترحم في أروقة الكونغرس.
الرقم الذي يفتح التقرير به هو 3.7 مليار دولار، وهو التكلفة الإجمالية المُقدَّرة للمئة ساعة الأولى من العملية، أي ما يعادل 891 مليون دولار يومياً. غير أن صدمة الرقم المجرد لا تكفي وحدها لاستيعاب حجم المعضلة؛ فالتشريح التفصيلي هو ما يكشف البنية العميقة لهشاشة الموقف الأمريكي. فمن بين مجموع التكلفة المُقدَّرة، لا يُشكّل ما هو مُدرَج أصلاً في الموازنة الفيدرالية سوى 196 مليون دولار، في حين تظل نحو 3.5 مليار دولار خارج أي غطاء مُعتمد، مما يعني أن البنتاغون سيضطر إلى طرق أبواب الكونغرس طالباً اعتمادات استثنائية، وهو ما تم فعليا بطلبه اعتمادات إضافية بقيمة 50 مليار دولار، بدت للبعض أن فيها مبالغة، وإن بينت الأرقام اللاحقة كيف أنه أكثر من مبرر. ويعتبر المحللون بأن هذا المسار سيُشكّل “بؤرة تمركز للمعارضة السياسية للحرب”.
بنية الكلفة: حين يصبح الإنفاق الدفاعي مصدر الضعف
ينقسم هيكل الإنفاق في التقرير إلى ثلاثة محاور رئيسية تكشف مجتمعةً عن طبيعة التوتر المالي:
المحور الأول هو تعويض الذخائر المُستهلَكة، إذ استُخدم أكثر من ألفَي وحدة ذخيرة في المئة ساعة الأولى وحدها، وتُقدَّر كلفة تعويضها بنحو 3.1 مليار دولار. والنقطة المُثيرة للاهتمام هنا ليست المجموع بقدر ما هو التفاوت الداخلي: صاروخ توماهوك الواحد بـ3.6 مليون دولار، مقابل قنبلة JDAM بثمانين ألفاً فقط. هذه الفجوة الهائلة بين صنفَي الذخيرة تفسّر لماذا يتحمس القادة الميدانيون لما وصفه الجنرال دان كاين بـ”التحوّل نحو الذخائر الأقل تكلفة” كلما تحسّن الوضع الجوي، إذ باتت القاذفات الثقيلة غير الشبحية كـB-52 تُشارك في الضربات من القارة الأمريكية مباشرة.
المحور الثاني هو خسائر المعدات الناجمة عن الضربات الإيرانية المضادة، وهو ما تُشير إليه تقديرات وكالة الأناضول التركية بما يناهز 2.52 مليار دولار من الأضرار المُتراكمة. أبرز هذه الخسائر منظومة رادارات الإنذار المبكر AN/FPS-132 في قاعدة العديد الجوية بقطر، بقيمة تُقدَّر بـ1.1 مليار دولار، إلى جانب منظومتَي THAAD في الإمارات والأردن وقيمة كل مكوّن منها نصف مليار دولار، علاوة على ثلاث طائرات أمريكية أُسقطت بنيران صديقة فوق الكويت. وبهذه الإضافة، ترى وكالة الأناضول أن الرقم الإجمالي للمئة ساعة يتجاوز 5.8 مليار دولار، لا 3.7 فحسب؛ وإن ظل التقدير الأول لـ CSIS هو الأكثر منهجية وتوثيقاً من حيث المصادر المُعلَنة.
المحور الثالث، وهو الأكثر استنزافاً على المدى البعيد، يتعلق بمنظومة الاعتراض. فوفق تقديرات معهد بايْن، أطلق الجانب الأمريكي نحو مئة وثمانين صاروخاً اعتراضياً من طرازات SM-2 وSM-3 وSM-6، إلى جانب تسعين صاروخ باتريوت وأربعين اعتراضية THAAD والرقم الجوهري هنا هو أن صاروخ SM-3 الواحد يُكلّف ما بين عشرين وسبعة وعشرين مليون دولار حسب الطراز، في حين أن المسيّرة الإيرانية التي يتولى إسقاطها لا تتجاوز قيمتها بضعة عشرات من الآلاف (ما بين 20-50 ألف دولار، بمتوسط 35 ألف دولار). وهذه المعادلة هي جوهر ما يسميه المحللون “فخّ اللاتماثل”، أي أن الطرف الأضعف تقنياً يستطيع استنزاف الطرف الأقوى مالياً بشكل ممنهج، طالما امتلك الصبر ووفرة الذخيرة الرخيصة.
الأرقام غير المرئية: ما لا يقوله التقرير
ثمة طبقة من التكاليف تغيب عن كل تقرير يصدر في خضم العمليات، لكنها تُشكّل في نهاية المطاف الجزء الأثقل من الفاتورة التاريخية للحروب الأمريكية:
الأولى هي “تكلفة الفرصة الاستراتيجية”: فاستنزاف مخزون صواريخ SM-3 في الخليج يعني بالضرورة تخفيف الغطاء الدفاعي عن تايوان ومنطقة المحيط الهادئ، في لحظة تصاعد التوتر مع الصين؛ وهو ما أشار إليه صراحةً الأدميرال المتقاعد مارك مونتغمري حين طالب بـ “الحفاظ على PrSM للمسرح المستقبلي في الباسيفيك”.
الثانية هي التداعيات الاقتصادية غير المباشرة: إذ وثّق مركز CSIS ذاته في تحليلات سابقة أن مجرد اضطراب حركة الناقلات في مضيق هرمز قادر على دفع سعر النفط فوق حاجز التسعين دولاراً، فيما قد تُفضي سيناريوهات التصعيد الأكثر حدة إلى أسعار تتجاوز المئة وثلاثين دولاراً للبرميل، ما يعني ارتفاعاً تلقائياً في تكلفة تشغيل الآلة العسكرية الأمريكية ذاتها.
الثالثة هي الفاتورة الإنسانية المؤجلة التي تكتشفها الخزانة عادةً بعد سنوات: فقد كشف مشروع Costs of War في جامعة براون أن التكاليف الإجمالية لحربَي أفغانستان والعراق، شاملةً رعاية المحاربين القدامى وخدمة الديون الحربية، تجاوزت ثمانية تريليونات دولار، وهو رقم لم يظهر في أي موازنة مُقدَّرة إبان الأسابيع الأولى من تلك الحروب.
حرب الاستنزاف وعنق الزجاجة الإنتاجي
يبقى الأخطر في هذا المشهد ما يُشير إليه تقرير CSIS من أن معدل إنفاق تعويض الذخائر يصل إلى 758 مليون دولار يومياً، في حين أن خطوط الإنتاج العسكرية الأمريكية لا تعمل بالوتيرة التي تستوعب هذا الاستنزاف. صواريخ SM-3 وتوماهوك لا تُصنَع بمئات يومياً؛ دورات الإنتاج والتوريد طويلة ومقيّدة، ما يعني أن ما يُستهلك في أسبوع قد يستغرق تعويضه أشهراً أو سنوات. وفي لحظة تتعدد فيها الجبهات من بحر الصين الجنوبي إلى شرق أوروبا، يُشكّل هذا “عنق الزجاجة الإنتاجي” ثغرة استراتيجية لا تُقاس بالدولار وحده.
كينت سميترز من نموذج Penn Wharton Budget يُقدّر أن حرباً مدتها شهران قد تتكلف ما بين أربعين وخمسة وتسعين مليار دولار، بحسب ما إذا أُدخِلت قوات برية أم لا، وهي أرقام تُلقي بظلالها الثقيلة على مسار الاعتمادات في الكونغرس.
خاتمة: سؤال الاستدامة الديمقراطية
الحرب الحقيقية التي تخوضها واشنطن ليست فقط في سماء الخليج؛ إنها في أوهايو وبنسلفانيا ومينيسوتا، حيث الناخب الذي يُعاني من تضخم مستمر وارتفاع في أسعار الوقود يُراقب عداد الإنفاق يدور بمعدل لم يره منذ ذروة الحرب على العراق. الديمقراطية الأمريكية لها ساعة بيولوجية في الحروب الطويلة، وتاريخها مع أفغانستان والعراق يُثبت أن الانهاك الشعبي يصل قبل الانهاك العسكري. وبينما يُردد ترامب أن الهدف هو منع إيران من امتلاك السلاح النووي، تطرح الأرقام سؤالاً آخر لا يجيب عنه أحد بوضوح: إلى أي حد يمكن لقوة ديمقراطية انتخابية أن تُموّل حرباً بتسعمئة مليون دولار يومياً في ظل موازنة فيدرالية وصل دينها العام إلى 122.8% من الناتج المحلي؟ الآلة الحاسبة تنتظر الجواب.




