
ليبيا 2026: هل ننتقل من إدارة الأزمة إلى محاولة حلها عبر “البوابة” المغربية؟!
ثمة مشاهد سياسية لا تُفهم من قراءة أخبارها اليومية، بل تستوجب الخروج من ضجيجها نحو قراءة هادئة لتضاريسها العميقة. ليبيا في عام 2026 واحدة من هذه المشاهد بامتياز. بلد يمتلك ثروات نفطية ضخمة، وساحل استراتيجي يطل على قلب المتوسط، وجغرافيا تربط أوروبا بعمق أفريقيا. بلد كهذا لا يُترك للعبة مصادفات التاريخ طويلاً. ومن الواضح للجميع، أن الأذى الواقع على مختلف فئات الشعب الليبي، يجعل موطني هذا البلد هم الطرف المتضرر الوحيد من غياب الدولة المركزية، بينما يحرص مختلف الفرقاء الحاليين -فيما يمكن تسميته “بالتواطؤ”- على استمرار هذا الوضع، طالما لم يضمنوا لهم مكانا “يرونه مناسبا” في أي حل مستقبلي. أمام هذا المشهد، يبدو أن المجتمع الدولي اليوم، وقد استنفد صبره على استمرار الفراغ الليبي، يبحث عن بوابة للحل، لا عن اختراع سبل جديدة لإدارة الأزمة.
تلك البوابة، إذا قرأنا المسألة الليبية بعيون استراتيجية، لا تمر إلا عبر الرباط!
جدول المحتويات
من “إدارة الأزمة” إلى “فرض الاستقرار”: تحول في البنية الدولية
الواقع الذي يجب استيعابه أولاً هو أن المقاربة الدولية تجاه ليبيا خضعت لتحول جوهري. فبعد سنوات من التلاعب بالملف الليبي كورقة ضغط وأداة نفوذ، يواجه اللاعبون الكبار، وفي مقدمتهم واشنطن، ضغوطاً داخلية وخارجية تدفعهم نحو إيجاد حل يمكن الإمساك به قانونياً ومالياً. لم يعد الملف الليبي مجرد “أزمة إنسانية” أو “نزاع مسلح” قابل للتدوير في أروقة الأمم المتحدة، بل أصبح خزاناً طاقوياً استراتيجياً تتقاطع عنده مصالح الأمن الأوروبي، وسلاسل التوريد العالمية، وأمن البحر المتوسط.
المقاربة الأمريكية الجديدة تعمل على محورين متكاملين: أولهما التحكم في الشرايين المالية عبر إحكام الرقابة الدولية على مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، وبذلك تُجفف منابع التمويل التي تُبقي الطبقة السياسية الليبية والقوى المسلحة طافية فوق مياه الفوضى. وثانيهما الضغط باتجاه مسار انتخابي محدد المعالم، تشكّل فيه الانتخابات البرلمانية خطوةً أولى نحو بناء مشروعية تشريعية موحدة بعيداً عن الاستقطاب الرئاسي المعطِّل.

هذا التحول لا يعني أن ليبيا ستصبح ديمقراطية مستقرة في غضون أشهر. لكنه يعني أن البنية الدولية لم تعد تتحمل ترف الانتظار، ومن يتسمر في موقف الرفض سيجد نفسه أمام عزلة مالية وقانونية ليس من السهل تحملها.
زلزال الغياب: ما تركه سيف الإسلام من فراغ ومن مساحة
غياب سيف الإسلام القذافي في مطلع 2026 كان بكل المقاييس حدثاً يعيد ترتيب البنية النفسية والسياسية للمشهد الليبي. لم يكن الرجل مجرد شخصية جدلية، بل كان يمثل “خيار الشرعية التاريخية” في أذهان شريحة وازنة من الليبيين، تلك الشريحة التي لم تجد نفسها في استقطاب الشرق ولا في نفوذ الغرب.
برحيله، أُغلق ملف “الوراثة السياسية للقذافية”، وهذا الإغلاق -رغم مفارقته- فتح مساحة سياسية جديدة. صحيح أن الفراغ الذي خلّفه زاد من تعقيد المشهد الاجتماعي في مناطق نفوذ النظام السابق، وأطلق موجة من السيولة الأمنية في بعض الأقاليم. غير أن الأثر السياسي كان معاكساً للتوقعات: فقد دفع القوى التقليدية -حفتر والدبيبة وما يمثلانه من هياكل قائمة- نحو التفكير الجدي في تسوية ثنائية، بعيداً عن شبح “العودة إلى مرحلة سابقة” كان سيف الإسلام يجسدها.
الخطر الذي لا يجب الاستهانة به هو ميل القوى المسلحة في الغرب الليبي إلى التصلب إذا شعرت أن أي تسوية دولية تعيد هيكلة المنظومة العسكرية على نحو يُقصيها. هذا الخيار -الحسم بالقوة كأسلوب أخير- يظل حاضراً في الغرف الخلفية، ولا تُبدده إلا معادلة سياسية تضمن مخارج مشرّفة لكل الأطراف.
الاستقطاب الإقليمي: خريطة النفوذ في لحظة التحول
لا يمكن قراءة الملف الليبي باستقلالية تامة عن التباين الاستراتيجي المتشكّل في المنطقة. فعلى مستوى الخليج، لا تزال الإمارات تحافظ على مقاربتها الداعمة للمراكز القائمة في الشرق، في حين أن الرياض تقدم نفسها بشكل متصاعد “ضامناً للاستقرار المؤسسي” الليبي، بعيداً عن صراعات المحاور الضيقة. هذا التباين السعودي-الإماراتي -الذي بات أعمق من مجرد خلاف تكتيكي- أفرز مساحة للمناورة السياسية داخل المعسكر الشرقي بدّدت وحدته الصلبة.
أما على المحور المصري-الجزائري، فإن لكل منهما دوره الذي لا يمكن تجاوزه. مصر تمتلك أدواتها المتشعبة في الشرق والجنوب، وقدرتها على التأثير في المعادلة القبلية والعسكرية لا تُضاهَى من أي لاعب إقليمي آخر. أما الجزائر، رغم ثقلها الجغرافي وامتداداتها القبلية في الجنوب الليبي، فإن نظامها العسكري المنشغل بأزماته الداخلية المتراكمة لا يملك هامشاً واسعاً للمناورة الفعلية، ويكتفي في الغالب بدور “موازن السلبي”، أي منع تفرد أي طرف لا إنتاج حلول.
هذه الخريطة الإقليمية المعقدة، وما تفرزه من توازنات هشة، تجعل الحاجة إلى وسيط ذي صدقية مضاعفة دولياً وذي مسافة متوازنة من الجميع، حاجةً وجودية لا ترفا دبلوماسيا. وهنا يبرز المغرب كخيار لا بديل عنه.
المغرب: ليس وسيطاً عابراً، بل صانع استقرار متمرس
لا يمكن فهم الدور المغربي في الملف الليبي إلا في سياق تاريخه الوساطاتي المديد، وقدراته الهيكلية التي تميزه عن كل اللاعبين الإقليميين الآخرين.
حين استضاف المغرب مفاوضات الصخيرات عام 2015، لم يكن ذلك مجرد خدمة لوجستية لأطراف أجنبية. كانت الرباط تمارس دوراً سياسياً حقيقياً، وتترجم علاقاتها مع طيف واسع من القوى الليبية إلى نفوذ ناعم قادر على إنتاج نص سياسي قابل للتوقيع. الاتفاقية التي خرجت من الصخيرات ظلت إلى اليوم المرجعية القانونية الدولية الأساسية للأزمة الليبية، وهذا في حد ذاته شهادة على عمق الوزن التفاوضي المغربي.
وحين احتاجت الأزمة إلى جولة ثانية من الحوار المباشر بين الفصائل المتنازعة، كانت الرباط حاضرة مرة أخرى في مفاوضات بوزنيقة 2020، التي أفضت إلى توافقات حول توزيع المناصب السيادية في لحظة بالغة الحساسية. الاسم بات مقروناً بمنهجية تفاوضية مغربية تجمع بين الضيافة السخية، والحياد النسبي المقنع، والعلاقات المتوازنة مع مختلف الفصائل.
ما الذي يميز المغرب تحديداً عن سائر الوسطاء؟ ثمة عناصر بنيوية لا يمكن تجاهلها:

أولاً، المغرب ليس طرفاً في الصراع على النفوذ الليبي. لا يوجد للرباط وكلاء مسلحون داخل البلاد، ولا مشاريع اقتصادية مرهونة ببقاء طرف بعينه، وهذا يمنحه صدقية وساطة لا تملكها القاهرة ولا أبوظبي ولا أنقرة، جميعها موضع شك ليبي مشروع.
ثانياً، التوازن في علاقات الرباط. تحافظ المملكة الشريفة على قنوات اتصال مفتوحة مع طرابلس وبنغازي في آنٍ واحد، ومع المجموعات القبلية الكبرى، ومع الشتات الليبي في أوروبا والدول العربية. هذا النسيج من العلاقات المتشعبة يجعلها قادرة على إنتاج قراءة شاملة غير مجزأة للمشهد، وهي قراءة لا غنى عنها لأي وسيط يسعى إلى بناء توافق حقيقي.
ثالثاً، الرباط تملك غطاء دولياً فريداً. موقعها في الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وعلاقاتها الوثيقة مع واشنطن التي شهدت تعزيزاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، تمنحها قدرة على “إسناد الحل” دولياً بصورة لا تستطيعها الجزائر ولا تونس ولا غيرهما.
رابعاً، المشروع الاستراتيجي المغربي نفسه يستوجب ليبيا مستقرة. المغرب المُنخرط في بناء دور إقليمي فاعل، الساعي إلى تعزيز وزنه في محور حلف الأطلسي الجنوبي ومنظومة الشراكة الأفريقية، يدرك أن ليبيا المضطربة تظل ثقباً أسود يبتلع أي استقرار مغاربي ويُعيق التكامل الاقتصادي الذي يراهن عليه المشروع الوطني.
بوزنيقة 2: مشروع حل أم مجرد احتمال؟
السؤال الحقيقي ليس إن كان المغرب قادراً على استضافة جولة تفاوضية جديدة، بل كيف يُحوّل هذه الاستضافة إلى إضافة نوعية تتجاوز الجلسات التقنية نحو إنتاج معمارية سياسية صامدة.
السيناريو الأكثر تداولاً في أروقة التفكير الاستراتيجي الدولي يشير إلى مسار من ثلاثة مستويات متدرجة: مرحلة أولى تُركّز على بناء اتفاق تقني حول آليات الإشراف المشترك على المؤسسات المالية والنفطية، إذ يصعب على أي طرف ليبي رفض مسار يضمن له مداخيل منتظمة. ومرحلة ثانية تنتقل إلى تحديد قانون انتخابي يتيح انتخابات برلمانية تُنتج غرفة تشريعية موحدة قادرة على تشكيل حكومة تكنوقراط. ومرحلة ثالثة تُعالج، من داخل المؤسسة التشريعية الوليدة، مسألة السلطة التنفيذية ورسم ملامح الدستور الدائم.
ما يمكن للمغرب أن يضيفه في هذه الهندسة هو بالضبط ما افتقدته مسارات سابقة: الضمانة الإقليمية المزدوجة. فالرباط التي تحظى بثقة أوروبا وواشنطن من جهة، وتملك علاقات متوازنة مع الأطراف الليبية من جهة ثانية، قادرة على أن تضمن أي اتفاق بالطريقة التي يحتاجها الليبيون: ليس من موقع القوة الفارضة، بل من موقع الرعاية الصادقة القائمة على مصلحة مشتركة لا مشروطة.
الشرط الذي لا مناص منه هو أن تتحرك الرباط -عندما تجد الفرصة مواتية والشروط ناضجة- بمبادرة سياسية واضحة المعالم، دون انتظار أن تُسند إليها دبلوماسياً دور الوسيط من قِبَل الأطراف الأخرى. المغرب الذي صنع اتفاقية الصخيرات بارتباط ذاتي ومنهجية فاعلة، لا بتفويض دولي مسبق، هو النموذج الذي يجب استحضاره اليوم. الزمن السياسي الليبي لم يعد يمتلك الكثير من ترف الصبر، وكل تأخير في اقتناص اللحظة هو مكسب مجاني للفوضى.
خاتمة: الرباط والسؤال الوجودي
ليبيا عام 2026 ليست مجرد ملف خارجي تتابعه الرباط باهتمام. هي بنية تهديدات وفرص تمتد مباشرة إلى مجال النفوذ الاستراتيجي المغربي: أمن الحدود، واستقرار منطقة المغرب الكبير، ومصداقية النموذج المغربي كمنتج للحلول لا مجرد مستهلك للأزمات.
المشروع الاستراتيجي المغربي يقوم على قناعة راسخة مفادها أن الندية مع القوى الكبرى لا تُبنى بالانتظار، بل بالفعل الاستباقي. والفعل الاستباقي في الملف الليبي يتيح للرباط أن تتقدم بخارطة طريق واضحة، وأن تستثمر رصيدها الوساطاتي التاريخي، وأن تحوّل “بوزنيقة 2” من مجرد احتمال دبلوماسي إلى حدث سياسي يُعيد رسم مكانة المملكة الشريفة في منظومة صناعة الاستقرار الإقليمي.
ليبيا تحتاج مَن يملك الصدقية والإرادة معاً. والمغرب يملك الاثنين.




