
ما بين المغرب وفلسطين.. علاقة راسخة تتجاوز الجغرافيا وتتوحد في القضية
فضيل الغباري (محامي وكاتب من فلسطين)
تعتبر العلاقة بين المغرب وفلسطين من أعمق العلاقات التي تجمع بين شعبين عربيين وإسلاميين، حيث لا تقتصر هذه العلاقة على مجرد تعاطف إنساني أو تضامن ظرفي، بل تتجذر في التاريخ، وتتغذى من البعد العقائدي، وتتجدد في السياق السياسي والثقافي المعاصر. فهي علاقة مركّبة، امتزج فيها الوجدان الشعبي بالإرادة السياسية، والتاريخ بالدين، والموقف بالممارسة، مما جعل القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي المغربي كقضية مركزية لا تنفصل عن الهوية.
فعلى المستوى التاريخي، تعود جذور هذه العلاقة إلى فترات مبكرة من التاريخ الإسلامي، وخاصة خلال الحروب الصليبية، حيث شارك المغاربة ضمن الجيوش الإسلامية التي تصدت للغزاة، وكان لهم حضور بارز في معركة معركة حطين التي قادها القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، وأسفرت عن تحرير القدس. وقد شكّل هذا الانخراط التاريخي للمغاربة في الدفاع عن القدس بداية ارتباط وجداني وروحي بهذه الأرض المباركة، وهو ارتباط لم ينقطع عبر العصور، بل استمر وتوارثته الأجيال.
وفي هذا السياق، برزت معالم مادية شاهدة على هذا الحضور المغربي في القدس، من أبرزها “حارة المغاربة” التي كانت تقع بمحاذاة المسجد الأقصى، والتي خُصصت لإقامة المغاربة الذين استقروا في المدينة منذ قرون، حيث شكّلت هذه الحارة رمزًا حيًا للعلاقة العضوية بين المغرب والقدس، قبل أن يتم هدمها عقب احتلال المدينة سنة 1967. كما تُذكر أراضٍ وأوقاف مغربية في مناطق مختلفة من القدس، مثل منطقة “عين كارم”، التي يُقال إن لها ارتباطًا تاريخيًا بالأوقاف المغربية، وهو ما يعكس الامتداد الجغرافي والروحي لهذا الحضور.

أما على المستوى العقائدي، فإن ارتباط المغاربة بالقدس ينبع من مكانتها الدينية باعتبارها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، حيث يحتل المسجد الأقصى مكانة خاصة في وجدان المسلمين عامة، والمغاربة على وجه الخصوص. وقد ظل هذا الارتباط حاضرًا في الثقافة الشعبية المغربية، سواء في الأدبيات الدينية، أو في الأناشيد، أو في الوجدان الجماعي الذي يرى في الدفاع عن القدس واجبًا دينيًا وأخلاقيًا.
ومع دخول العصر الحديث، وتحديدًا بعد إعلان قيام دولة إسرائيل، وما ترتب عنه من احتلال الأراضي الفلسطينية وتشريد الشعب الفلسطيني، تعززت مكانة القضية الفلسطينية في الوعي المغربي، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من الخطاب السياسي والثقافي في البلاد. فمنذ ذلك التاريخ، لم ينقطع الدعم المغربي، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، بل ظل متواصلًا ومتجددًا في مختلف المحطات.
وعلى المستوى الرسمي، لعبت المؤسسة الملكية دورًا محوريًا في دعم القضية الفلسطينية، حيث ارتبطت مواقف المغرب بثوابت واضحة تقوم على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وفي هذا الإطار، يترأس الملك محمد السادس لجنة القدس التابعة لـمنظمة التعاون الإسلامي منذ سنة 1999، وهي لجنة تُعنى بحماية الطابع الديني والحضاري للقدس، ودعم صمود سكانها. وقد عملت هذه اللجنة، عبر وكالة بيت مال القدس، على تمويل مشاريع اجتماعية وتعليمية وصحية لفائدة الفلسطينيين، في تجسيد عملي لالتزام المغرب تجاه هذه القضية.
ويُذكر في هذا السياق أيضًا الدور التاريخي الذي لعبه الملك الراحل محمد الخامس، الذي عبّر عن دعمه الثابت لفلسطين، كما قام بزيارة مدينة القدس سنة 1960، في خطوة رمزية تؤكد عمق هذا الارتباط. كما واصل الملك الراحل الحسن الثاني هذا النهج، حيث ترأس لجنة القدس قبل ابنه، وساهم في تعزيز الحضور المغربي في الدفاع عن المدينة المقدسة.
أما على المستوى الشعبي، فإن التضامن مع فلسطين يشكل جزءًا من الهوية النضالية للمغاربة، حيث تعبر مختلف فئات المجتمع عن دعمها للقضية الفلسطينية من خلال المسيرات والوقفات الاحتجاجية، والأنشطة الثقافية، وحملات التبرع. كما تلعب الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات المدنية دورًا فاعلًا في تأطير هذا التضامن، وجعله مستمرًا ومتجددًا.
ويبرز هذا التلاحم الشعبي أيضًا في الرمزية الثقافية، حيث تُرفع الأعلام الفلسطينية في المدن المغربية خلال مختلف المناسبات، وتُرتدى الكوفية الفلسطينية كرمز للنضال والصمود. كما تحضر القضية الفلسطينية في الخطاب الإعلامي، وفي الإنتاجات الفنية والأدبية، مما يعكس عمق حضورها في الوجدان الجماعي المغربي.
إلى جانب ذلك، لم يقتصر الدعم المغربي على الجانب السياسي أو الرمزي، بل شمل أيضًا مجالات التعليم والثقافة، حيث يستفيد الطلبة الفلسطينيون من منح دراسية في الجامعات المغربية، في إطار التعاون الأكاديمي بين البلدين. ويساهم هذا التوجه في تعزيز الروابط الإنسانية، وبناء جسور التواصل بين الأجيال الجديدة، بما يرسخ استمرارية هذه العلاقة.
كما أن المغرب يحرص في سياسته الخارجية على الدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، سواء داخل الأمم المتحدة أو في إطار المنظمات الإقليمية، مؤكدًا على ضرورة احترام الشرعية الدولية، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. ويعكس هذا الموقف التزامًا مبدئيًا يتجاوز الحسابات الظرفية، ويؤكد أن دعم فلسطين هو جزء من الثوابت الدبلوماسية المغربية.
ورغم التباعد الجغرافي بين المغرب وفلسطين، حيث يفصل بينهما آلاف الكيلومترات، إلا أن هذا البعد لم يكن يومًا عائقًا أمام قوة العلاقة، بل ربما زادها رسوخًا، إذ تحولت إلى علاقة وجدانية تتجاوز حدود المكان. فالمغاربة يرون في فلسطين قضية عادلة، وفي القدس رمزًا دينيًا وحضاريًا، وهو ما يجعل هذه العلاقة أشبه بجسر دائم يربط بين المشرق والمغرب.
وفي المحصلة، يمكن القول إن العلاقة بين المغرب وفلسطين تمثل نموذجًا فريدًا في التضامن العربي والإسلامي، حيث تتداخل فيها الأبعاد التاريخية والعقائدية والسياسية والشعبية، لتشكل لوحة متكاملة من التلاحم والتآزر. إنها علاقة لم تُبنَ على المصالح الآنية، بل على القيم والمبادئ، وهو ما يمنحها استمرارية وقوة في مواجهة التحديات.
ومن ثم، فإن هذا الترابط العميق بين الشعبين المغربي والفلسطيني يظل شاهدًا على وحدة المصير، وعلى أن القضايا العادلة لا تموت، بل تظل حية في ضمير الشعوب. وستبقى فلسطين حاضرة في وجدان المغاربة، كما سيظل المغرب سندًا للفلسطينيين، إلى أن يتحقق العدل، ويُرفع الظلم، وتُستعاد الحقوق.





