المملكة الشريفةالإشعاع الدولي

مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية: ما بين الخبرة التاريخية والممارسة المعاصرة.. سيناريوهات التنزيل!

لطالما كانت الصحراء المغربية تاريخياً تدار بمنطق “اللامركزية القبلية تحت السيادة السلطانية”، في تجسيد دقيق لما يمكن تسميته“السيادة المرنة” التي ميزت الإمبراطورية المغربية الشريفة لقرون. فلم يكن السلطان يرسل جيوشاً لإدارة الحياة اليومية للقبائل، بل كان يكتفي بالولاء (تجسيد مفهوم ومتطلبات البيعة)، والدعاء في المنابر (الرمز الديني للسيادة المجسد في مفهوم إمارة المؤمنين)، وتعيين القواد الذين تختارهم القبائل أنفسهم (الظهائر)، مع ترك إدارة الشأن المحلي للنخب المحلية.
والآن، وقد صدرت الموافقة الأممية على اعتماد مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، سبيلا لتقرير مصير سكان المنطقة، من المفيد أن نقوم بتفكيك العلاقة التاريخية بين السلطة المركزية والأقاليم الصحراوية، ومحاولة إعادة تركيبها في قالب “نظام الحكم الذاتي” المقترح، مع بعض التفصيل في الجوانب السياسية، الاقتصادية، القانونية، والأمنية، مع توضيح السند التاريخي لكل ممارسة معاصرة، بشكل مكثف ومختصر لا يغوص كثيرا في التفاصيل.

ouad eddahab bayaa 1979 1


أولاً: المرتكز الفلسفي (البيعة وإمارة المؤمنين)
الأساس الذي يبنى عليه الحكم الذاتي ليس “التنازل عن السيادة“، بل هو “تفويض التدبير”.
تاريخياً: كانت البيعة عقداً شرعياً وسياسياً. القبائل تعطي الولاء، والسلطان يمنح الشرعية والحماية. كانت القبائل تمارس حريتها في تدبير شؤون الرعي والتجارة والقضاء العرفي، مادامت لا تخرج عن طاعة “أمير المؤمنين”.
معاصراً: يظل الملك (الدولة) محتفظاً بالسيادة العليا (الراية، العملة، الخارجية، الدفاع، والقرار الديني)، بينما يُفوض سكان المنطقة تدبير شؤونهم بأنفسهم. هذا التفويض هو النسخة الدستورية الحديثة لما كان يُعرف بـ”ترك القبائل تدبر شؤونها”.
 
ثانياً: التفصيل السياسي والمؤسساتي (من “الجماعة” إلى “البرلمان الجهوي”)
الهيئة التشريعية (البرلمان الجهوي):
الأصل التاريخي: كان لكل قبيلة أو حلف قبلي مجلس يسمى “آيت لربعين” أو “الجماعة”. كان هذا المجلس يضم كبار السن والحكماء، ويقرر في شؤون السلم والحرب المحلية، وتدبير الموارد. كانت “ديمقراطية مباشرة” وتشاركية.
التنزيل المعاصر: يتم تأسيس “برلمان جهوي” منتخب بالاقتراع العام المباشر من طرف سكان الصحراء. هذا البرلمان هو الوريث العصري لـ”الجماعة”. يمتلك صلاحيات تشريعية حقيقية في مجالات محددة (السكن، النقل، التنمية، الثقافة)، مما يتيح للساكنة صياغة قوانين تناسب خصوصيتهم بدلاً من القوانين المركزية التي قد لا تلاءم طبيعة المنطقة.
 
السلطة التنفيذية (رئيس الحكومة المحلية):
الأصل التاريخي: كان السلطان يُصدر “ظهير التوقير والاحترام” أو ظهير التعيين لشيخ القبيلة أو القايد. لكن، السلطان نادراً ما كان يفرض شخصاً غريباً؛ بل كان يُزكي الشخصية التي أجمعت عليها القبيلة (أو “الجماعة”). فالاختيار محلي، والشرعية سلطانية.
التنزيل المعاصر: ينتخب البرلمان الجهوي رئيساً للحكومة المحلية. ثم يقوم الملك بتنصيب هذا الرئيس (توليه المسؤولية). هذا الإجراء يجمع بين الديمقراطية المحلية (الاختيار الشعبي) والبيعة السلطانية (التعيين الملكي)، مما يضمن وحدة الدولة وشرعية المسؤول المحلي في آن واحد.
 
ثالثاً: الجانب القانوني والقضائي (بين “العرف” و”القانون الوضعي”)
الأصل التاريخي: كانت الأقاليم الصحراوية تعتمد بشكل كبير على “العرف” المحلي في فض النزاعات، إلى جانب الشريعة الإسلامية. وكان القضاة المحليون يصدرون أحكاماً تحترم التقاليد السائدة، ولم يكن قضاء فاس أو مراكش يتدخل إلا في النوازل الكبرى.
التنزيل المعاصر:
تأسيس محاكم جهوية تختص بالنظر في القضايا ذات الطابع المحلي.
على الرغم من أن القانون الأسمى هو دستور المملكة، إلا أن نظام الحكم الذاتي يسمح بسن تشريعات محلية تراعي الخصوصيات.
المحكمة العليا للدولة: تظل هي المرجع الأخير لضمان عدم تعارض القوانين المحلية مع الدستور الوطني، تماماً كما كان السلطان هو المرجع الأخير للمظالم إذا اشتط القضاة المحليون.
 
رابعاً: الجانب الاقتصادي والمالي (إدارة الموارد والثروة)
استغلال الموارد الطبيعية:
الأصل التاريخي: كانت القبائل تملك حق الانتفاع بالمجالات الرعوية ومصادر المياه ومناجم الملح وطرق القوافل التجارية. لم يكن “المخزن” يصادر أموالهم، بل كان يكتفي بالواجبات الشرعية (الزكاة والأعشار) لتمويل بيت المال، مقابل تأمين الطرق التجارية.
التنزيل المعاصر: تحت نظام الحكم الذاتي، يكون للجهة الحق في تدبير مواردها الطبيعية (الفوسفاط، الصيد البحري، الطاقة المتجددة، السياحة).
العائدات لا تذهب للمركز ليعاد توزيعها، بل تبقى في الجهة لتمويل البنية التحتية والمشاريع المحلية.
هذا يعيد إحياء مفهوم “الانتفاع المحلي” الذي كان سائداً، لكن بآليات تدبير مالي حديثة وشفافة.
 
النظام الضريبي والميزانية:
التنزيل المعاصر: يكون لحكومة الحكم الذاتي ميزانية مستقلة، ولها الحق في فرض ضرائب محلية ورسوم لتنمية مداخيلها، مع وجود “صندوق تضامن وطني” تساهم فيه الدولة المركزية لدعم الجهة (وهو تطور لمفهوم رعاية السلطان لرعاياه في أوقات الشدة).
 
خامساً: الجانب الأمني (حفظ النظام العام)
الأصل التاريخي: لم يكن الجيش السلطاني (العسكر) يتواجد بصفة دائمة داخل المضارب القبلية لفض النزاعات الشخصية. كانت القبائل تمتلك نظاماً أمنياً داخلياً (حراس القبيلة أو “الرماة”) لحفظ الأمن ومحاربة اللصوص. بينما كان الجيش السلطاني يتدخل فقط لصد الغزوات الخارجية أو إخماد الفتن الكبرى.
التنزيل المعاصر:
الشرطة المحلية: يتم إنشاء جهاز شرطة تابع لحكومة الحكم الذاتي، يتكون من أبناء المنطقة، مهمته حفظ الأمن العام، تنظيم المرور، ومحاربة الجريمة العادية. هذا يعكس “الأمن الذاتي” التاريخي.
الجيش الملكي والدرك: تبقى حماية الحدود الدولية، ومكافحة الإرهاب، والدفاع عن حوزة الوطن من اختصاص الدولة المركزية حصراً (مفهوم “الحركة” السلطانية للدفاع عن الثغور). ومن الطبيعي أنه في ظل التجربة المشهودة لأجهزة الأمن المغربية، التي تستعين بها معظم دول العالم، أن توضع في خدمة مهمة حفظ الأمن في الأقاليم الصحراوية، وتشرف على مواكبة التجربة الأمنية المحلية إلى أن يشتد عودها، وكذا التكفل بالجوانب التي تتجاوز قدرات الأجهزة المحلية.
 
سادساً: الجانب الاجتماعي والثقافي (الهوية الحسانية)
الأصل التاريخي: احترم سلاطين المغرب دائماً الخصوصية الثقافية للمجال الصحراوي. لم يُجبروا القبائل على تغيير لهجتهم الحسانية أو لباسهم (الدراعة والملحفة) أو عاداتهم في الزواج والشعر. كانت البيعة سياسية وروحية وليست ثقافية قسرية.
التنزيل المعاصر:
ينص نظام الحكم الذاتي على حماية والنهوض بالثقافة الحسانية كجزء لا يتجزأ من الهوية المغربية الموحدة.
التعليم: إمكانية تكييف المناهج الدراسية لتشمل تاريخ المنطقة وتراثها الثقافي.
الإعلام: قنوات وإذاعات جهوية تدار محلياً وتعبر عن نبض المجتمع الصحراوي دون وصاية مركزية.
 
كخلاصة، فإن مقترح الحكم الذاتي المغربي ليس استنساخاً لتجارب غربية (كإسبانيا أو ألمانيا)، وإن استرشد ببعض جوانبها الناجحة في سياقها، بقدر ما هو “تحديث لتجربة مغربية تاريخية غنية”. إنه عودة منظمة ومقننة للعلاقة التي ربطت الساقية الحمراء ووادي الذهب بفاس ومراكش والرباط لقرون:
في القمة: الملك (أمير المؤمنين) ضامن الوحدة، والسيادة، والعقيدة.
في القاعدة: السكان (عبر ممثليهم المنتخبين) يدبرون معاشهم، وأمنهم الداخلي، وثرواتهم.
 
هذا النموذج يفكك أطروحة الانفصال، لأنه يثبت أن الاستقلال الذاتي في التدبير كان دائماً ممكناً وممارساً داخل إطار الدولة المغربية، وأن السيادة المغربية لم تكن يوماً “احتلالاً عسكرياً” بل كانت “رابطة بيعة” تمنح الحرية في التفاصيل وتحفظ الوحدة في المصير.
ورغم جميع ما سبق من أوجه شبه بين التقاليد التاريخية العريقة للملكة المغربية في إدارة المركز لعلاقاته مع الأطراف، وبين مفهوم الحكم الذاتي المتعارف عليه عالميا، تبقى هناك جوانب يمكن أن تكون متعارضة (صراحة او ضمنيا) بين المفهومين، ويجب أن يجتهد الخبراء المغاربة والدوليون في البحث عن توافقات ممكنة للتوفيق بينهما، وعدم وضع العصي في دواليب البحث عن مثل هذه التسويات، بسبب خلفيات أيديولوجية صريحة، أو مصالح سياسية مستترة. وسنعرض لأبرز هذه النقاط التي ستستغرق معظم الوقت المخصص للنقاش داخل الموائد المستديرة المعنية ببحث الموضوع.
 
إن العائق الأكبر أمام القبول الدولي الفوري والكامل للنموذج المغربي لا يكمن فقط في التوازنات الجيوسياسية، بل في “صدام المفاهيم” (Conceptual Clash) بين منظومتين:
المنظومة المغربية: القائمة على “البيعة”، “إمارة المؤمنين”، و”الإجماع القبلي” (الشرعية التقليدية/الدينية).
المنظومة الغربية (الدولية): القائمة على “القانون الوضعي”، “تقرير المصير عبر الاستفتاء”، و”فصل السلطات الصارم” (الشرعية العقلانية/القانونية).
وسنحاول باختصار، تفكيك هذه الإشكاليات والتصادمات، مبرزين أين تكمن العقدة وكيف يمكن للمغرب بالاعتماد على خبرته التاريخية والقانونية أن يتجاوزها:
 

mohammed 5 ii


أولاً: المعضلة الدستورية والسيادية (طبيعة السيادة)
التصادم: “البيعة الدائمة” مقابل “حق الانفصال”
المفهوم الغربي: في الفقه الدستوري الغربي المعاصر، ومفهوم الأمم المتحدة الكلاسيكي لـ”تقرير المصير”، يُنظر إلى الحكم الذاتي أحياناً كخطوة انتقالية قد تؤدي للانفصال (كما في حالة اسكتلندا أو كاتالونيا، رغم تعقيداتها). الغرب يفهم “السيادة” كملكية للشعب يمكنه استعادتها.
المفهوم المغربي: السيادة تستند إلى “البيعة”. والبيعة في الفقه الإسلامي والتقاليد المخزنية عقد “مؤبد” (في المنشط والمكره). لا يوجد في قاموس البيعة مفهوم “فسخ العقد” إلا إذا كفر السلطان (حاشا لله في السياق المغربي) أو عجز كلياً، وحتى في هذه الحالة، لا تنتهي البيعة أو تلغى، بل تنتقل إلى الأصلح ممن يمكن أن يحلو مكانه بشكل شرعي. والخبرة التاريخية فيها عدد كبير من الأمثلة نزعت فيها البيعة من أحد السلاطين ومنحت لمن ارتأت “الجماعة” أنه أصلح.
الإشكالية: كيف يُقنع المغربُ الغربَ بأن “الحكم الذاتي” هو الحل النهائي وليس مرحلة انتقالية نحو استفتاء؟
الحل/المقاربة: يجب تسويق الحكم الذاتي ليس كـ”تنازل” بل كـ”تجديد للبيعة” في صيغة دستورية. دستورياً، يتم التنصيص على أن الحكم الذاتي نهائي، لكن التحدي هو إقناع القانون الدولي بأن “الاستفتاء على الحكم الذاتي” (Confirmative Referendum) هو نفسه ممارسة لتقرير المصير، وأنه بمجرد القبول به، يسقط خيار الانفصال للأبد. وهذا يتعارض مع بعض التفسيرات الراديكالية للقانون الدولي، التي ترى حق تقرير المصير “مستمراً”. لكن عموما، هذا الأمر سيتم حله بسبب ترجيح المقاربة المغربية لدى الدول الكبرى المؤثرة على عمل الأمم المتحدة بمختلف هيئاتها، والمنوط بها تفسير القانون الدولي، وهي قوى تدعم المبادرة المغربية ومقتنعة بجديتها وبوجاهتها.
 
التصادم: “إمارة المؤمنين” والعلمانية الغربية
الإشكالية: الغرب يفصل الدين عن الدولة. في نظام الحكم الذاتي المقترح، يحتفظ الملك “أمير المؤمنين” بصلاحيات دينية حصرية (تعيين القضاة الشرعيين، تدبير الأوقاف، الإفتاء).
وجه الاعتراض الغربي: قد يرى المراقبون الغربيون (خاصة العلمانيين المتطرفين أو اليسار الأوروبي) أن هيمنة المركز على “الحقل الديني” في المنطقة قد تُستخدم كأداة للسيطرة السياسية، مما يفرغ الحكم الذاتي من محتواه الديمقراطي.
الرد من التاريخ المغربي: يجب توضيح أن “إمارة المؤمنين” كانت تاريخياً هي الضامن الوحيد لحقوق الأقليات وللتنوع المذهبي، وأنها صمام أمان ضد التطرف الذي يهدد الساحل والصحراء. وفي نهاية المطاف، فالغرب أمني بامتياز، وعندما يفهمون أن “المركزية الدينية” تحمي من “الإرهاب الجهوي” سيتقبلون هذا الاستثناء المغربي.
 
ثانياً: المعضلة القانونية والقضائية (هرمية القوانين)
التصادم: المحكمة العليا ومن يراقب من؟
المعيار الغربي: في أنظمة الحكم الذاتي العريقة (إيطاليا، إسبانيا)، توجد “محكمة دستورية” مستقلة تماماً تفصل في النزاع بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية.
الواقع المغربي: القضاء يصدر أحكامه “باسم الملك”. ورئيس الدولة هو رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
الإشكالية: سيطرح الحقوقيون الغربيون سؤالاً شائكاً: “إذا اختلف برلمان الصحراء مع وزارة الداخلية في الرباط حول تأويل قانون ما، هل ستكون المحكمة المغربية محايدة أم ستنتصر للمركز؟”
الحل الممكن: إنشاء “غرفة خاصة” أو هيئة تحكيمية دستورية مختلطة ضمن المحكمة الدستورية، تضم قضاة يتم اقتراحهم من طرف البرلمان الجهوي للصحراء، لضمان الحياد في النزاعات المتعلقة بصلاحيات الحكم الذاتي. هذا له سند تاريخي في “مجالس النظر” التي كانت تضم علماء من مختلف المناطق.
 
التصادم: التشريع المحلي vs التشريع الوطني
الإشكالية: ما هي حدود “القانون المحلي”؟ هل يمكن لبرلمان الصحراء سن قوانين تخالف التوجه العام للدولة (مثلاً في مدونة الأسرة أو قوانين الاستثمار)؟
التخوف:  التخوف المركزي هو من “تفتت المنظومة القانونية”، والخوف الغربي هو من “حكم ذاتي صوري” لا يملك سلطة تشريعية حقيقية. التوازن يكمن في تحديد قائمة حصرية للمجالات السيادية (الدفاع، العملة، الخارجية، الخ)، وترك كل ما عدا ذلك من مجالات محلية (تعليم، نقل، إسكان، ضرائب محلية) للتشريع الجهوي، مع القبول بوجود إمكانية لحدوث اختلافات غير جوهرية في القوانين المحلية بين الداخل والصحراء (وهو أمر موجود في أمريكا وبريطانيا).
 

sahraouis1


ثالثاً: المعضلة الاقتصادية (الموارد الطبيعية)
هذه هي “أم المعارك” القانونية مع أوروبا (محكمة العدل الأوروبية).
التصادم: “مصلحة السكان” مقابل “موافقة الشعب”
الموقف المغربي (التاريخي والعملي): الدولة تستثمر الموارد (فوسفاط، صيد) وتُعيد استثمار العائدات أضعافاً مضاعفة في تنمية المنطقة (لمصلحة السكان). وهو ما يجسد شرعية الإنجاز.
الموقف القانوني الغربي المتشدد (حكم المحكمة الأوروبية): القانون الدولي يتطلب “الموافقة الصريحة” (Explicit Consent) من “الشعب” (باعتباره ذاتاً قانونية متميزة) وليس فقط “استفادة السكان”.
الإشكالية: الغرب يميز بين “السكان” (Current inhabitants) و”الشعب” (The People) الذي يشمل اللاجئين.
الحل عبر الحكم الذاتي:
بوجود برلمان جهوي منتخب ديمقراطياً، يصبح هو الممثل الشرعي لـ”الشعب/السكان”. علما بأن الأمم المتحدة قد عبرت مرتين، وعلى لسان أمنائها العامين كوفي عنان وأنطونيو غوتيريش عن اعتمادها لمصطلح “سكان” بدلا من “شعب” بسبب دقته القانونية في حالة الصحراء المغربية.
أي اتفاقية دولية حول الموارد ستمر عبر تصويت هذا البرلمان الجهوي.
هنا، يتحول “الرضا الضمني” إلى “موافقة مؤسساتية مكتوبة”. هذا هو المخرج القانوني الوحيد لإنهاء صداع المحاكم الأوروبية: أن يوقع ممثلو الحكم الذاتي على العقود التجارية الخاصة بمناطقهم.
 
رابعاً: المعضلة الأمنية (احتكار العنف المشروع)
الشرطة الجهوية vs الأجهزة الأمنية المركزية
التقاليد الغربية: في نماذج مثل الباسك (Ertzaintza) أو كاتالونيا  (Mossos d’Esquadra)، الشرطة المحلية تحمل السلاح ولها صلاحيات واسعة، والشرطة الوطنية تتدخل بتنسيق.
الهاجس المغربي: المنطقة حساسة حدودياً وتاريخياً. هناك تخوف مشروع من اختراق الشرطة المحلية من طرف عناصر انفصالية.
الإشكالية: إذا كانت الشرطة المحلية “منزوعة الصلاحيات” أو مجرد “حرس بلدي” بلا سلطة حقيقية، سيُعتبر الحكم الذاتي ناقصاً. وإذا كانت قوية جداً، قد تهدد وحدة الدولة في لحظات الأزمات.
التأصيل التاريخي للحل: العودة لنظام “القياد”. القايد كان لديه “المخازنية” (قوة محلية) لكنه يتبع للسلطان.
التنزيل المعاصر: إنشاء شرطة جهوية تحت إمرة الحكومة المحلية في أوقات السلم، ولكن مع وجود بند دستوري يتيح وضعها تحت إمرة “والي الجهة” (ممثل الملك) في حالات الطوارئ القصوى أو تهديد الأمن القومي. هذا النموذج (Shared Command) موجود في عدة دول فيدرالية.
 
خامساً: المعضلة السوسيولوجية (القبيلة vs المواطنة)
الديمقراطية العددية vs التوازنات القبلية
المعيار الغربي: “صوت واحد لكل مواطن”. الأغلبية العددية تحكم.
الواقع الصحراوي: الولاءات قبلية. قد تؤدي الديمقراطية العددية الصرفة إلى هيمنة قبيلة كبيرة (كالرقيبات مثلاً) على باقي القبائل والمكونات، مما يخلق “ديكتاتورية الأغلبية” ويشعل الفتن الداخلية التي كان المخزن يضبطها بـ”الموازنة”.
الإشكالية: الغرب يضغط باتجاه ديمقراطية ليبرالية فردانية، بينما الاستقرار في الصحراء يتطلب “ديمقراطية توافقية” (Consociationalism).
الحل:
تصميم نظام انتخابي لا يعتمد الدوائر الفردية فقط، بل القوائم النسبية (كما هو معتمد في النظام الانتخابي المغربي الحالي) لضمان تمثيل القبائل الصغرى.
إنشاء “مجلس شيوخ للقبائل” (غرفة ثانية في البرلمان الجهوي) يكون له حق النقض (Veto) في القضايا التي تمس الأعراف أو التوازنات الاجتماعية، لضمان عدم طغيان الأغلبية العددية. هذا له سند في “مجالس الأربعين” التاريخية.
 
سادساً: ضمانات التنفيذ (من يضمن العهد؟)
أخيراً، العقبة النفسية الكبرى لدى المجتمع الدولي والانفصاليين هي: “ما الضمانة أن المغرب لن يتراجع عن الحكم الذاتي بعد سنوات ويعيد المركزية؟”
في الغرب: الدساتير جامدة ومحاكم دستورية قوية تمنع تراجع الدولة.
في المغرب: الدستور مرن والملك يتمتع بصلاحيات واسعة.
الحل:  عبر إدراج قانون الحكم الذاتي في الدستور المغربي كـ “قانون تنظيمي محصن” (Entrenched Clause)، لا يمكن تعديله أو إلغاؤه إلا بموافقة البرلمان الجهوي للصحراء أو باستفتاء شعبي داخل الإقليم. هذا “التحصين الدستوري” (Constitutional Lock) هو اللغة الوحيدة التي يفهمها القانون الدستوري الغربي كضمانة للاستدامة.
 
عموما، وبعد مرور قرابة نصف قرن من وجود الأقاليم الصحراوية تحت السيادة المغربية الفعلية وبإدارة الحكومة المركزية، فقد ترسخت روابط وصلات ستسهل إيجاد حلول للإشكاليات النظرية الغربية، من واقع الخبرة التاريخية المغربية والتجربة العملية المعاصرة، دون استبعاد ما يصلح طبعا في التجارب العربية (التجربة الاتحادية لدولة الإمارات العربية المتحدة)، والغربية كإيطاليا وألمانيا وإسبانيا والولايات المتحدة. وتبقى العبرة بالخواتيم، التي ستنهي إلى غير رجعة، احتمال نزع هذه الأقاليم الصحراوية من وطنها الأم، وتكرس للأبد سيادة المغرب على صحرائه.
 

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى