منبر الرأي

مدريد تحتضن نهاية الوهم.. الحكم الذاتي المغربي يصبح المرجع الوحيد بعد قرار 2797

لم يعد ملف الصحراء المغربية مجرد بند دائم في أجندة الأمم المتحدة، بل انتقل في فبراير 2026 إلى مرحلة “الحسم الإجرائي” التي تنهي عقوداً من الجمود المفتعل. فالعاصمة الإسبانية مدريد، التي شهدت تاريخياً بدايات هذا النزاع، باتت اليوم الشاهدة على الفصل الأخير من “سردية الانفصال”، حيث تحول مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية منذ عام 2007 من “خيار تفاوضي” إلى المرجع التقني والسياسي الوحيد المعترف به دولياً لتسوية هذا النزاع الإقليمي. هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة تراكم دبلوماسي مغربي هادئ، توج بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي أحدث قطيعة معرفية وقانونية مع كل المقاربات الماضوية.

​يمثل قرار مجلس الأمن 2797 حجر الزاوية في الدينامية الحالية؛ إذ لم يكتفِ بتجديد ولاية بعثة “المينورسو”، بل أعاد تعريف “الحل السياسي” بعبارات غير قابلة للتأويل. فقد وصف القرار المبادرة المغربية بأنها “الحل الأكثر جدوى وواقعية”، مشدداً على أن أي تسوية يجب أن تتم تحت السيادة المغربية الكاملة. هذا الوضوح الأممي أسقط “لغة الخشب” التي كانت تمنح الأمل لأطروحات متجاوزة مثل “الاستفتاء” أو “تقرير المصير” بصيغته الانفصالية، وهي الصيغ التي أقر المجتمع الدولي باستحالة تطبيقها تقنياً وسياسياً. وبناءً على هذا التفويض الأممي الصريح، جاء لقاء مدريد ليضع “اللبنات التنفيذية” لهذا الحل، محولاً الخطاب السياسي إلى خارطة طريق إجرائية.

​في 8 فبراير 2026، شهدت السفارة الأمريكية في مدريد اجتماعاً وُصف بـ “الجراحي” من حيث دقته وأهدافه. لم يكن اللقاء الرباعي الذي جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ونظيره الجزائري أحمد عطاف، ووزير خارجية موريتانيا محمد سالم ولد مرزوك، بحضور ممثل عن جبهة البوليساريو، مجرد جلسة استماع؛ بل كان مواجهة مباشرة مع الحقيقة التي فرضتها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

إن الحضور الرفيع لمسؤولين أمريكيين من عيار مسعد بولس (مستشار الرئيس ترامب لشؤون إفريقيا) والسفير مايك والتز، يعكس رغبة واشنطن في إغلاق هذا الملف نهائياً لضمان استقرار الجناح الغربي لشمال إفريقيا ومنطقة الساحل. هذا الضغط الأمريكي لم يكن موجهاً لفرض تسوية قسرية، بل لترسيم “الواقع القائم”، حيث أدركت واشنطن أن الاستمرار في “استثمار الوهم” يعرقل المصالح الجيواستراتيجية الكبرى. وقد نجح اللقاء في انتزاع اعتراف ضمني بصيغة “الموائد المستديرة” التي طالما حاولت الجزائر التنصل منها، لتجد نفسها اليوم مضطرة للجلوس كطرف أصيل في النزاع، وليس مجرد “جار ملاحظ”.

​أبرز مخرجات لقاء مدريد كانت الوثيقة التقنية الموسعة التي قدمها المغرب، والتي تقع في نحو 40 صفحة. هذه الوثيقة ليست بياناً سياسياً، بل هي مخطط هيكلي (Master Plan) يشرح بالتفصيل كيف سيتم تدبير الأقاليم الجنوبية تحت الحكم الذاتي. وتغطي الوثيقة تفاصيل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية المحلية، وكيفية بناء “أمن محلي” مندمج، وإدارة الموارد الطبيعية والبيئية وفق معايير الحكامة الدولية، مع الحفاظ الصارم على “الاختصاصات السيادية” للرباط في مجالات الدفاع، الخارجية، والعملة.

​هذا التحول من “المبدأ” إلى “التفصيل التقني” يعني عملياً أن المجتمع الدولي قد تجاوز مرحلة التساؤل عن “مغربية الصحراء” ليبدأ في نقاش “كيفية إدارة الصحراء المغربية”. وقد تم اعتماد هذه الوثيقة كأساس وحيد للمناقشات المقبلة في واشنطن (ماي 2026)، مما أغلق الباب نهائياً أمام أي “أفكار ثالثة” أو مقترحات تهدف إلى تقسيم المنطقة أو خلق كيانات هشة لا تملك مقومات البقاء.

​لطالما اعتمدت الدبلوماسية الجزائرية على استراتيجية “التواري خلف الستار”، مدعية أنها ليست طرفاً في النزاع. إلا أن مشهد مشاركة أحمد عطاف في لقاء مدريد، وتحت رعاية أمريكية مباشرة، يمثل انكساراً بنيوياً لهذه السياسة. لقد أصبح من الواضح أن العالم لم يعد يتقبل سردية “النزاع الثنائي بين المغرب والبوليساريو”، بل بات يتعامل مع الأزمة كنزاع إقليمي تلعب فيه الجزائر الدور المحوري.

هذا التحول وضع جبهة البوليساريو في زاوية ضيقة؛ فالدعم الذي كانت تتلقاه لم يعد قادراً على الصمود أمام زخم “الشرعية الواقعية” للمغرب. وبات لزاماً على قيادة تندوف الاستجابة للواقع الجديد: إما الانخراط في عملية “التنزيل التقني” للحكم الذاتي كحل كريم وشامل، أو البقاء في عزلة دولية تتفاقم يوماً بعد يوم، خاصة مع تزايد التقارير الدولية التي تحذر من تحول المخيمات إلى بؤر لعدم الاستقرار والارتباط بشبكات الجريمة العابرة للحدود.

​لا يمكن قراءة نجاح مسار مدريد بعيداً عن التحولات العميقة داخل مخيمات تندوف. فالساكنة هناك، وبعد عقود من الوعود الزائفة، بدأت تدرك أن “تقرير المصير” الحقيقي يتجسد في الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب؛ فهو الخيار الوحيد الذي يضمن الكرامة، العيش الكريم، والمشاركة السياسية الفعلية بعيداً عن وصاية النظام العسكري.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن غالبية الشباب في المخيمات باتوا يرفضون أن يكونوا “وقوداً” لنزاع لا أفق له، ويرون في النهضة التنموية التي تشهدها مدن مثل العيون والداخلة (التي تحولت إلى أقطاب اقتصادية دولية) النموذج الذي يطمحون للانتماء إليه. هذا “الضغط من الأسفل” يشكل قوة دفع إضافية للدبلوماسية المغربية، حيث يثبت أن الحل المقترح هو حل شعبي وإنساني قبل أن يكون سياسياً.

​لعبت إسبانيا، بقيادة وزير خارجيتها خوسيه مانويل ألباريس، دوراً محورياً في تسهيل هذا اللقاء، مؤكدة أن قرارها بدعم الحكم الذاتي في 2022 كان قراراً استراتيجياً لا رجعة فيه. هذا الموقف ينسجم مع الرؤية العامة للاتحاد الأوروبي، الذي عبر في يناير 2026 عن دعمه الصريح لأي حل يستند إلى المبادرة المغربية، معتبراً إياها الضمانة الوحيدة لأمن منطقة المتوسط. إن مدريد، بصفتها المستعمر السابق، تملك المعرفة التاريخية والتقنية بالملف، ودعمها الكامل للحكم الذاتي يمنح المبادرة المغربية “حصانة قانونية وتاريخية” تقطع الطريق على أي مشكك.

​إن التوقيع المرتقب على “الاتفاق الإطار السياسي” في واشنطن خلال ماي 2026 لن يكون مجرد مراسم بروتوكولية، بل سيكون إعلاناً رسمياً عن دخول المنطقة عهداً جديداً. عهد يتجاوز لغة الصراع نحو لغة التكامل الاقتصادي والازدهار المشترك. إن المقاربة المغربية، التي اتسمت بالرزانة والمؤسساتية تحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، أثبتت أن الحقوق التاريخية عندما تسندها دبلوماسية الفعل لا الشعارات، قادرة على تطويع أصعب التحديات.

في الختام، ما حدث في مدريد هو “نهاية الوهم” وبداية الحقيقة. الحقيقة التي تقول إن الصحراء مغربية بالتاريخ والقانون والواقع، وأن الحكم الذاتي هو السقف الوحيد والنهائي الذي يلتقي تحته الجميع لبناء مستقبل مستقر. لقد انتهى زمن المناورات والالتفاف، وانطلق قطار الحل النهائي، وهو قطار لن ينتظر من يصرون على البقاء في محطات الماضي المظلمة. إن هذا الانتصار الدبلوماسي ليس للمغرب وحده، بل هو انتصار لمنطق الدولة على منطق الجماعات، وللسلام على طبول الحرب، وللتنمية على البؤس المفتعل.

محمد أعزوز

كاتب وصحفي مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى